دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتجاوز منطق الأزمات المؤقتة التي يُمكن احتواؤها بضربة عسكرية محدودة تعقبها مفاوضات خلفية، وفي الوقت نفسه، لم تتطور إلى حرب شاملة بالمفهوم التقليدي الذي يستهدف إسقاط النظام واحتلال الجغرافيا.
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتجاوز منطق الأزمات المؤقتة التي يُمكن احتواؤها بضربة عسكرية محدودة تعقبها مفاوضات خلفية، وفي الوقت نفسه، لم تتطور إلى حرب شاملة بالمفهوم التقليدي الذي يستهدف إسقاط النظام واحتلال الجغرافيا.
لم تعد نقاط الاختناق البحرية مجرد ممرات ضيقة تعبرها السفن، بل أصبحت عناصر حاسمة في بنية الاقتصاد والجغرافيا السياسية العالمية، نظراً إلى تركّز تدفقات الطاقة والتجارة عبرها وصعوبة استبدالها بسرعة وكفاءة عند حدوث اضطراب.
أكثر من ستة أشهر مضت على بداية الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، من دون أن تتضح ملامح نهايتها. ولا يزال الطرفان يسعيان إلى تحقيق انتصار، أو بلوغ تسوية تحفظ لكل منهما ما أمكن من المكاسب، في حرب يصعب حتى الآن إخضاعها لمعادلة واضحة من نوع «رابح - خاسر».
ستة أشهر مرت على صباح السبت 28 شباط/فبراير 2026، يوم أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليتي «الغضب الملحمي» و«زئير الأسد» على إيران.. وما زال السؤال نفسه: هل انتهت الحرب وهل يمكن أن تنتهي قريباً أو أن هذا الواقع سيستمر حتى نهاية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب؟
اتخذ القرار: لا تعايش مع فكرة المنفذ البري أو البحري الوحيد. لكن للهرب من مضيق هرمز مفارقته؛ فمرفأ جيهان التركي هو بديل العراق الأسرع، والسكة السعودية لن تبلغ أوروبا إلا عبر تركيا. إذاً ماذا يمنع أن تتكرر تجربة هرمز في الأناضول؟
يروي مؤلفا كتاب "تغيير النظام" الصحافيان في "النيويورك تايمز" ماغي هابرمان وجوناثان سوان، أنه خلال المداولات التي سبقت اتخاذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرار الحرب على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، أكد الأخير أن تغيير النظام في إيران، هو شأن يخص الإيرانيين، وأن عملية "الغضب الملحمي" هدفها معاقبة نظام تحدى الولايات المتحدة على مدى 47 عاماً.
تشتري الصين الحصة الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، فيما يمر عبر مضيق هرمز نحو نصف وارداتها من الخام؛ وبين هذين الرقمين تتجاوز معركة واشنطن لخنق الاقتصاد الإيراني حدود المواجهة مع طهران، لتلامس مصالح بكين وموسكو. غير أن ذلك لا يعني أن الصين وروسيا مستعدتان لإنقاذ إيران مهما بلغت الكلفة؛ فبكين تريد نفطها، لكنها تحاذر مواجهة مالية مفتوحة مع واشنطن، فيما ترى موسكو في بقاء إيران دولة مستقلة عن الفلك الأميركي مصلحة استراتيجية، من دون أن ترتبط معها بالتزام دفاعي متبادل. لذلك، ليس السؤال ما إذا كانت الصين وروسيا ستقفان مع إيران، بل أين تقع النقطة التي تصبح عندها كلفة خنق طهران على مصالحهما أكبر من كلفة مساعدتها على الصمود؟
منذ اندلاعه قبل أكثر من عقد من الزمن، لم يعد الصراع في اليمن حرباً أهلية بالمعنى التقليدي، بقدر ما تحوّل إلى مسرح تتقاطع فيه حسابات محلية وإقليمية ودولية متشابكة، بحيث بات من الصعب فصل ما يجري داخل الحدود اليمنية عمّا يجري حولها. فاليمن، بموقعه المطل على مضيق باب المندب وأحد أهم الممرات الملاحية في العالم، لم يكن يوماً مجرد ساحة صراع داخلي، بل نقطة ارتكاز في معادلة أوسع تتصل بأمن الطاقة والملاحة الدولية والتوازنات الإقليمية بين محاور متعددة.
تُعدّ الحرب الجارية على إيران أكبر تدخل عسكري أميركي في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003. وبعد أكثر من ستة أشهر على بدء الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي، لم تنتهِ الحرب ولم يحقق أي من أطرافها نصراً حاسماً، على الرغم من إعلان كل من واشنطن وطهران الانتصار أكثر من مرة. لكن المفارقة الأكثر إثارة تتمثل في أن إدارة الرئيس دونالد ترامب خاضت هذه الحرب على النقيض من الوعود التي كررها ترامب أمام أنصاره في تيار «أميركا أولاً»: عدم خوض حروب خارجية جديدة، ودفع الحلفاء إلى الاعتماد على أنفسهم، وتجنب التورط، خصوصاً في الشرق الأوسط، في حروب لا تعرف الولايات المتحدة كيف تنهيها سريعاً.
في الحساب العسكري البحت، قد يبدو السؤال المتعلق بتلة علي الطاهر محسومًا: إسرائيل تريد تحسين موقعها الميداني في واحدة من أكثر المناطق حساسية في جنوب لبنان، فيما تمنحها سيطرتها الجوية والنارية قدرة كبيرة على مواصلة الضغط ومحاولة تغيير الوقائع على الأرض. لكن السؤال الأصعب ليس ما إذا كانت إسرائيل تريد هذه المرتفعات، ولا حتى ما إذا كانت قادرة على مهاجمتها، بل ما الذي يتعين عليها احتلاله بعد علي الطاهر كي تصبح السيطرة عليها ذات قيمة عملياتية قابلة للاستمرار.. وهنا تحديدًا تبدأ المعضلة.