هل فقدنا هويتنا وشخصيتنا وقدرتنا على التغيير أم ثمة بارقة أمل لا بد وأن تطل علينا برغم المشهد السوداوي المقيم في كل تفاصيل حياتنا اليومية؟
هل فقدنا هويتنا وشخصيتنا وقدرتنا على التغيير أم ثمة بارقة أمل لا بد وأن تطل علينا برغم المشهد السوداوي المقيم في كل تفاصيل حياتنا اليومية؟
أتذكَّر ليلة ذاك الخميس من عام 2003. كنّا انتهينا للتوّ من "عجقة" النشرة الإخباريّة المسائيّة. فجلسنا في الـ news room لنستريح قليلاً. فجأةً، سمعنا صياحاً وصخباً. ركضنا إلى أسفل، مُعتقدين أنّ عراكاً قد اندلع في المحطّة (حيث كنتُ أعمل). فإذا بشبابٍ يتقدَّمون بسرعة داخل المبنى، ويهتفون "بالروح بالدم...". على أكتافِ أحد "المغاوير"، كانت تتدلَّى ساقا رجلٍ سبعيني. كان يبتسم (ببلادة)، ويرفع يديْه ملوِّحاً لمَن هُرِع إلى المكان.. للفُرْجَة.
أعلنت الحكومة بلسان رئيسها منذ أيام فشل الانقلاب عليها. لم يكترث أحد من المواطنين لذلك. الحكومة ليست مهمة في حياة اللبنانيين. لا تتخذ قراراً إلا وتعود عنه. عندما يعدّد الوزراء انجازاتهم، يركزون على المؤتمرات الدولية التي حضروها، أو على عدد مشاريع القوانين التي قدّموها. يعتبرون أنفسهم نقيض الفساد وكأنهم يعتبرون الانجازات الجدية مرتبطة بالفساد.
عاش فوكوياما يثير صخباً ويغيب. فاجأ الكثيرين بنظرية عن نهاية التاريخ. أدت وظيفتها ورحلت مخلفة وراءها قلة محدودة من المنظرين ورجال السياسة في الغرب. عاشت هذه القلة سنوات تنشر التفاؤل الذي توهمته نظرية نهاية التاريخ وإنتصار الديموقراطية الليبرالية نصراً أبدياً.
إعتمد لبنان منذ الاستقلال في العام 1943 نظام كونفدرالية الطوائف، كما يتبين من تكوين مجلس النواب والحكومة ووظائف الدولة برمتها. لم تمنع "الجمهورية الأولى" هذه الطوائف من الاختلاف والتقاتل، فاستدرج كل منها، من وقت لآخر، قوى خارجية لمساندتها على أخصامها في الداخل.
يحتفل لبنان في الاول من أيلول/سبتمبر من هذا العام بالمئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير. منذ ذلك التاريخ، لم يتفق اللبنانيون على هوية بلدهم وماهية وجوده ودوره.
يمر لبنان حالياً في مرحلة إنتقالية. إنهيار إقتصادي ومالي هو تعبير عن إفلاس المنظومة التي حكمت لبنان طوال ثلاثة عقود من الزمن. ما بعد الإنهيار، لا تصور موحداً لا عند أهل السلطة لتجديد هيمنتهم ولا عند القوى التي تنادي بالتغيير من أجل الوصول إلى دولة المواطنة والقانون.
عندما أطلق الفنّان اللبناني "شوشو" أغنية "شحّاذين يا بلدنا" عام 1974، لم يكن يتوقّع أن تتحوّل إلى "نشيد" للإنتفاضات الشعبيّة والمطلبيّة اللبنانيّة. فالأغنية كانت بمثابة "جردة" مضغوطة بإرتكابات الدولة والنظام في لبنان بحقّ شعبٍ أُوهِم أنّه يعيش في أُنسٍ واندماجٍ ورخاء. جاءت الأغنية كشاهد عيان، على معاناةٍ جسيمةٍ كانت تعتمل في دواخل شرائح واسعة من اللبنانيّين. فصرخ فقيدُنا الكبير باسمهم آخر صرخاته على المسرح: "آخ يا بلدنا".
يكفي أن يشتم أحدهم من طائفة أخرى، أو مذهب مغاير، مقدساتنا حتى نظهر اهتياجنا. ربما وصلت بنا الإثارة حد استخدام العنف. نعتقد أن الآخر المغاير لنا عليه أن يحترم مقدساتنا، أو على الأقل أن لا يبدي عدم احترامه. في الأمر موقف منطقي خاطىء وآخر أخلاقي خاطئ. لو كان الآخر يحترم مقدساتنا احتراماً حقيقيا، لكان عليه أن ينضم الى مذهبنا أو الى ديننا. لكنه مختلف في معتقده، مغاير في ايمانه، طبيعي أن يتعلق بمقدسات أخرى وأن يمارس الطقوس التي تؤكد ذلك.
دخلنا مرحلة العجز السياسي شبه الكلي، بعد العجزين المالي والنقدي، حيث تنكشف كل يوم قلة حيلة أهل السلطة في إستنباط الحلول لأزمة لبنان الإقتصادية والمالية والإجتماعية.