غير أن ما يواجهه لبنان يتجاوز حدود أزمة سياسية أو دستورية عابرة؛ إنها لحظة تاريخية يُعاد فيها طرح السؤال عن الدولة نفسها: كيف تُبنى، وعلى أي أسس، ولأي غاية؟
لم يعد التحدّي مقتصرًا على إدارة الأزمة، بل على تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر رسوخًا وعدالة.
فبعد عقود من الحروب والتسويات والانهيارات، لم تعد الانقسامات تدور حول إدارة السلطة أو توزيع الحصص، بل امتدت إلى التشكيك في الكيان نفسه، وارتفعت أصوات تدعو إلى التقسيم أو إلى صيغ اتحادية وكونفدرالية، وكأن الخلاص يمر بإعادة رسم الخرائط لا بإعادة بناء الدولة.
غير أن لبنان، بمساحته المحدودة ونسيجه الديموغرافي المتداخل، ليس وطنًا يمكن تفكيكه بخطوط تُرسم على الخرائط. فالأوطان ليست جغرافيا فحسب، بل تاريخًا وذاكرةً وهويةً مشتركة. ولذلك، لا تنتج مثل هذه المشاريع استقرارًا، بل تفتح الباب أمام موجات جديدة من الانقسام والتهجير، وتُطيل أمد الصراعات، وربما تخلق أسبابًا لنزاعات من نوع جديد.
ولا يعاني لبنان اليوم من نقص في الدراسات والتشخيصات، بقدر ما يحتاج إلى رؤية قادرة على تحويل المعرفة إلى مشروع سياسي ومؤسسي. ومن هنا، لا يهدف هذا المقال إلى تقديم تفسير جديد للأزمة، بل إلى بلورة رؤية عملية مدعومة بآليات قابلة للتنفيذ لإعادة بناء الدولة. فإذا كنا قد فهمنا أزمة الكيان اللبناني، فكيف نحوّل هذا الفهم إلى مشروع سياسي ومؤسسي قابل للتحقق؟
***
إذا كان لا بد من استخلاص نتيجة واحدة من قرن كامل من الأزمات والتسويات والإصلاحات، فهي أن لبنان أخطأ طويلًا في تشخيص أزمته؛ إذ انشغل بمعالجة مظاهر الخلل، بينما بقي أساسها البنيوي على حاله. فقد تبدّلت الحكومات، وتعدّلت الدساتير، وتكرّرت المبادرات، لكن الأزمة واصلت إعادة إنتاج نفسها، لأن الإصلاحات انشغلت بترميم البنية القائمة، بينما بقي الخلل التأسيسي الذي يحكمها على حاله.
ومن هنا، تتبدّى أزمة لبنان بوصفها أزمة كيان لم يستكمل شروط تحوّله إلى دولة وطنية جامعة. ولم يكن الخلل في وجود التعدّدية بحد ذاته، بل في تحويل الطوائف إلى وحدات لإنتاج السلطة ومصدر للشرعية السياسية، حتى أصبح النظام قائمًا على إدارة توازن الجماعات أكثر من بناء دولة المواطنين.
وهكذا، لم تكن الأزمات المتلاحقة سوى تجليات لخلل تأسيسي بنيوي واحد، ومن هنا تنطلق الخلاصة الأولى لهذا المقال: لم يعد السؤال كيف نصلح الدولة، بل كيف نعيد تأسيسها؟
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت جذور الأزمة بهذا الوضوح، فلماذا استمر هذا الخلل قرنًا كاملًا، برغم الحروب والاتفاقات والإصلاحات والانهيارات؟
الجواب أن النظام القائم على إدارة التوازنات الطائفية لم يستمر لأنه كان الأكثر كفاءة، بل لأنه امتلك قدرة استثنائية على إعادة إنتاج نفسه مع كل أزمة. فقد التقت مصالح قوى داخلية مع مصالح إقليمية ودولية على إبقاء لبنان ساحةً للتوازن أكثر منه دولةً مكتملة السيادة، إذ كانت الدولة الضعيفة أقل كلفة على تلك القوى من قيام دولة وطنية قوية تمتلك قرارها ومؤسساتها.
ولهذا، لم تكن الأزمة في أداء النظام، بل في منطقه. فكل إصلاح بقي داخل بنيته انتهى إلى تكريسها، لأن المشكلة لم تكن في كيفية إدارة النظام، بل في الأساس الذي يقوم عليه. ومن هنا، فإن إعادة تأسيس الدولة ليست خيارًا بين خيارات متعددة، بل الشرط الضروري لكسر الحلقة التاريخية التي أبقت لبنان ينتقل من أزمة إلى أخرى من دون أن يغادرها.
غير أن تحديد الغاية لا يكفي ما لم يقترن بمعرفة الطريق إليها. فالفجوة بين الدولة المنشودة والدولة الممكنة لا تردمها النوايا الحسنة، ولا الشعارات، ولا النصوص الدستورية وحدها، بل يردمها منهج يربط الرؤية بالمؤسسات والسياسات وآليات التنفيذ، ويحوّل مشروع بناء الدولة من أمنية سياسية إلى مسار تاريخي قابل للتحقق.
وهنا تبرز هندسة الانتقال، لا بوصفها مفهومًا نظريًا مجردًا، بل باعتبارها المنهج الذي يصل بين الواقع القائم والدولة المنشودة. فجوهرها لا يكمن في رسم صورة المستقبل، وإنما في بناء الوسائل التي تجعل بلوغه ممكنًا؛ فالتاريخ لا يكافئ الأمم التي تعرف غاياتها فحسب، بل تلك التي تحسن بناء الطريق إليها. ومن ثم تغدو هندسة الانتقال الجسر الذي يصل الفكرة بالدولة، ويحوّل الرؤية إلى واقع مؤسسي وسياسي قابل للتراكم، حتى تصبح الدولة ثمرة مسار تاريخي واعٍ، لا نتيجة تسوية عابرة أو توازن مؤقت.
وفي هذا المعنى، لا تشير هندسة الانتقال إلى مجموعة إجراءات إدارية أو ترتيبات دستورية متفرقة، بل إلى منهجٍ متكامل ينظم العلاقة بين الغاية والوسيلة، وبين الرؤية وآليات تحقيقها، بحيث يصبح الانتقال نفسه جزءًا من عملية بناء الدولة، لا مرحلةً عابرة تسبقها أو تنتهي عند قيامها.
فالفرق بين الدول التي تبقى أسيرة أزماتها، والدول التي تنجح في تجاوزها، لا يكمن في حجم أزماتها، بل في قدرتها على تحويل لحظة الانهيار إلى لحظة تأسيس. فالأزمات لا تصنع الدول، وإنما تكشف حدودها؛ أما بناء الدولة، فلا يبدأ إلا عندما تتحول الأزمة من عبءٍ على الحاضر إلى فرصة لإعادة تشكيل المستقبل.
***
إن الدولة المنشودة ليست تسوية سياسية جديدة، ولا صيغة معدلة للنظام القائم، بل دولة وطنية جامعة تستمد مشروعيتها من المصلحة العامة، وتجعل المواطنة أساس الانتماء، وسيادة القانون أساس الشرعية، والعدالة المبدأ الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي جوهرها، تمثل مشروعًا حضاريًا جامعًا تتحول فيه المبادئ إلى نظام سياسي، والنظام إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى ثقافة عامة، حتى تغدو التعبير المؤسسي عن المصلحة المشتركة، والضامن لاستمرار المجتمع وصون مستقبله.
ولا تكتمل إعادة تأسيس الدولة بقيام مؤسسات جديدة وحدها، لأن المؤسسات تستمد فاعليتها من معنى وطني جامع يمنحها الشرعية والغاية. فحين يغيب هذا المعنى، تتحول السلطة إلى إدارة للتنافس بين الجماعات، ويغدو بناء المعنى المشترك الخطوة الأولى في بناء الدولة. وليس هذا التصور إعلانًا للمبادئ فحسب، بل مشروعًا مؤسسيًا متكاملًا يتجسد في قضاء مستقل، ومؤسسات محايدة، وإدارة عامة مهنية، وتنمية منتجة، وثقافة وطنية جامعة، واحتكار الدولة وحدها للقانون والقوة.
وفي هذا الإطار، لا تعني إعادة التأسيس إصلاح الإدارة أو تعديل بعض النصوص الدستورية، بل مراجعة القواعد التي قامت عليها السلطة. ولذلك يقتضي الانتقال إلى الدولة الوطنية تحرير الحياة السياسية من القيد الطائفي، وبناء نظام تمثيل يقوم على المواطنة لا الانتماء المذهبي، مع صون التعددية اللبنانية وضمان حقوق المكونات الثقافية والدينية ضمن مؤسسات دستورية مخصصة لهذه الغاية.
ولهذا، ينبغي أن يقترن قيام مجلس نيابي منتخب خارج القيد الطائفي، يتولى التشريع والرقابة على أساس المواطنة، بقيام مجلس شيوخ يمثل المكونات اللبنانية، ويحمي القضايا المصيرية والحقوق الثقافية والدينية، بما يحقق التوازن بين وحدة الدولة وتنوع المجتمع، من دون أن يبقى الانقسام الطائفي أساسًا لبناء السلطة السياسية. كما يقتضي هذا الانتقال ترسيخ استقلال القضاء، وإقامة إدارة عامة تقوم على الكفاءة والاستحقاق، وسن قانون حديث للأحزاب يشجع قيام أحزاب وطنية عابرة للطوائف، واعتماد قانون انتخاب يعزّز التمثيل على أساس البرامج لا الهويات المذهبية، إلى جانب توسيع اللامركزية الإدارية بما يحقق تنمية متوازنة ويقرّب الدولة من المواطنين، من غير أن يمسّ وحدتها أو مرجعيتها.
***
لم يعد السؤال الحقيقي: من يحكم لبنان؟ بل: من يحمل مشروع الدولة؟ فبناء الدول لا تنهض به الحكومات وحدها، بل تقوده نخب تؤمن بالدولة قبل السلطة، تضم رجال دولة، ومثقفين، ومؤسسات وطنية، وقوى اجتماعية واقتصادية، وشبابًا يرى مستقبله في بنائها لا في الهجرة منها.
غير أن هذه القوى، مهما تنوعت، تبقى عاجزة ما دامت متفرقة؛ فلا تتحول إلى قوة تاريخية إلا عندما تلتقي داخل مشروع وطني جامع، وتنتظم في كتلة تاريخية تمتلك رؤية مشتركة، وإرادة سياسية، وقدرة تنظيمية تؤهلها لقيادة عملية الانتقال.
وليست الكتلة التاريخية تحالفًا سياسيًا عابرًا، ولا اصطفافًا انتخابيًا مؤقتًا، بل توافقًا وطنيًا واسعًا يلتقي فيه اللبنانيون، على اختلاف رؤاهم السياسية والعقائدية والاجتماعية والثقافية، حول مشروع الدولة، بحيث تصبح المصلحة الوطنية العليا المرجعية التي تتقدم على المصالح الفئوية والطائفية والحزبية.
ولا تنبع قوة الكتلة التاريخية من عدد القوى التي تنضم إليها، بل من قدرتها على إنتاج معنى وطني جديد يصبح، مع الزمن، المرجعية المشتركة التي تعيد ترتيب الأولويات العامة، وتحوّل الاختلاف من سببٍ للانقسام إلى مصدرٍ للتكامل داخل الدولة.
ولا تولد هذه الكتلة التاريخية تلقائيًا، ولا تُستولد بقرار سياسي أو بتفاهم انتخابي عابر، بل تُبنى تدريجيًا حول فكرة وطنية جامعة تتبناها النخب الفكرية والأكاديمية والقانونية والإدارية والاقتصادية، وتطورها بالحوار والنقد والتوافق، قبل أن تنقلها إلى المجال العام لتصبح موضوعًا للنقاش الوطني.
وعندما تنجح هذه الفكرة في كسب ثقة نخب جديدة، ومؤسسات المجتمع، وقواه الحيّة، تتحول من اجتهاد فكري إلى مرجعية وطنية، ومن مبادرة محدودة إلى قوة مجتمعية قادرة على قيادة الرأي العام، وصناعة التوافق حول عقد اجتماعي جديد، ومصلحة وطنية عليا تشكل السقف الجامع الذي يلتقي تحته اللبنانيون، على اختلاف اتجاهاتهم السياسية والفكرية والثقافية.
غير أن امتلاك الرؤية، ووجود الحامل التاريخي، لا يكفيان لإنجاز عملية الانتقال. فالأفكار، مهما بلغت قوتها، لا تتحول إلى واقع بمجرد الاقتناع بها، بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة، وخطة واضحة، وآليات تنفيذ تجعل التغيير مسارًا تراكميًا لا حدثًا سياسيًا عابرًا. ومن هنا، يتحول السؤال من: ماذا نريد؟ إلى: كيف نبدأ؟
وتبدأ عملية الانتقال بوصفها مسارًا متدرجًا ومترابطًا، تتقدم فيه بالتوازي عملية الإصلاح الدستوري، وإعادة بناء المؤسسات، وإصلاح الإدارة العامة، وترسيخ استقلال القضاء، وتطوير التشريعات السياسية والانتخابية، وإقامة منظومة دائمة للمساءلة والتقييم، بحيث يصبح كل إنجاز قاعدةً للإنجاز الذي يليه.
***
ليس بناء الدولة في لبنان حدثًا سياسيًا يقع مرة واحدة، بل عملية تاريخية تتقدم بالتراكم، ويقاس نجاحها بقدرتها على تحويل المبادئ إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.
وعندئذٍ يقاس نجاح لبنان بقدرته على الانتقال من إدارة الانقسامات إلى بناء الدولة، ومن منطق التسويات المؤقتة إلى منطق المشروع الوطني الدائم، ومن استنزاف الطاقات في إدارة الأزمات إلى توظيفها في صناعة المستقبل.
فالدول لا تولد يوم تُكتب دساتيرها، ولا يوم تُجرى انتخاباتها، بل يوم تصبح الدولة نفسها المرجعية العليا التي يحتكم إليها الجميع، ويغدو الانتماء إليها سابقًا على كل انتماء آخر. وعند تلك اللحظة فقط يكتمل الانتقال من مجتمعٍ يدير اختلافاته إلى دولةٍ تصنع وحدته السياسية.
فالانتقال الحقيقي ليس سياسيًا فحسب، بل انتقال حضاري وثقافي وتاريخي يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد تقوم ركائزه على المواطنة، وسيادة القانون، والمصلحة الوطنية العليا.
وعندها تصبح الدولة الوطنية الجامعة حقيقةً تاريخية، لا مشروعًا مؤجّلًا، ويبدأ لبنان الخروج من دوامة إدارة أزماته إلى بناء مستقبله.
