من غواتيمالا إلى تشيلي، ومن بنما إلى نيكاراغوا، لم تتردد الولايات المتحدة يومًا في إسقاط الحكومات المنتخبة، وتنظيم الانقلابات العسكرية، واغتيال القادة، حين تعارضت خياراتهم السياسية والاقتصادية مع مصالحها. الجديد في حالة فنزويلا لم يكن الفعل بحد ذاته، بل فجاجته العلنية، والانتقال من هندسة الانقلابات في الغرف المغلقة إلى الإعلان الوقح عن وضع مكافأة على رأس رئيس دولة ذات سيادة، في سلوك يعكس انكشافًا غير مسبوق أمام منطق الإستعمار الأميركي.
حين فشلت واشنطن في إعادة إنتاج سيناريوهات الانقلاب التقليدية، وعجزت عن تفجير النظام الفنزويلي من الداخل عبر العقوبات الخانقة ودعم المعارضة والتعويل على انشقاق المؤسسة العسكرية، لجأت إلى أكثر الأدوات بدائية: التجريم الشخصي، والتهديد بالخطف، وتحويل الصراع السياسي إلى مطاردة أمنية. هذا التحوّل لا يدل على قوة مفرطة، بل على مأزق استراتيجي عميق، وعلى ارتباك إمبراطوري يتغذّى من ذاكرة السيطرة القديمة لكنه يصطدم بواقع دولي لم يعد يسمح بإعادة إنتاجها.
اختيار خيار «الخطف» أو الاعتقال بدل التدخل العسكري المباشر يعكس إدراكًا أميركيًا متزايدًا لحدود القوة الصلبة، في ظل تراجع القدرة على خوض حروب مفتوحة، وارتفاع كلفتها السياسية والاقتصادية، وتنامي الرفض الشعبي في القارة لأي تدخل عسكري خارجي
بهذا المعنى، يُصبح استهداف مادورو اعترافاً غير مباشر بفشل المشروع الأميركي في فنزويلا، وبعجزه عن كسر نموذج تمرّد على الوصاية السياسية والاقتصادية. فالدولة التي نجت من الانقلاب، وصمدت في وجه الحصار، ووسّعت شراكاتها خارج المدار الغربي، تحوّلت في العقل الأميركي إلى خطر يجب تصفيته لا احتوائه. وهنا تتقاطع لحظة ترامب مع التاريخ الطويل للتدخل الأميركي في القارة، حيث لم تكن الديموقراطية يومًا قيمة حقيقية، بل أداة انتقائية تُستخدم حين تفرز أنظمة مطيعة، وتُلغى فورًا حين تنتج خيارات مستقلة.
في هذا الإطار، أعادت الولايات المتحدة إحياء منطق قديم – جديد في تعاملها مع القارة، يستند في جوهره إلى “عقيدة مونرو” التي أُعلنت عام 1823، والتي قامت على اعتبار أميركا اللاتينية «مجالًا حيويًا» حصريًا للولايات المتحدة، ومنع أي قوى دولية أخرى من التمدد فيه. وبرغم تغيّر الأدوات والشعارات عبر العقود، فإن جوهر هذه العقيدة ظل حاضرًا في السياسات الأميركية، سواء عبر الانقلابات العسكرية خلال الحرب الباردة، أو عبر الحصار الاقتصادي والعقوبات، وصولًا إلى محاولات إسقاط الأنظمة المناهضة للهيمنة الأميركية بوسائل أكثر فجاجة في المرحلة الراهنة. من هذا المنظور، لم يكن استهداف مادورو إلا محاولة لإعادة فرض “عقيدة مونرو” بصيغة أمنية خشنة، في وقت باتت فيه القارة تشهد انفتاحًا متزايدًا على قوى دولية منافسة لواشنطن.
الأهمية الاستثنائية لفنزويلا في هذا الصراع لا تعود فقط إلى موقعها السياسي، بل إلى ثقلها الاستراتيجي في معادلات الطاقة العالمية، بوصفها الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. خروج كاراكاس من المدار الأميركي، وتوجهها نحو بناء شراكات استراتيجية مع الصين وروسيا وإيران، شكّل تحديًا مباشرًا لمصالح الشركات النفطية الغربية، وتهديدًا لمعادلة السيطرة الأميركية على مصادر الطاقة في نصف الكرة الغربي. لذلك، رأت واشنطن في فنزويلا نموذجًا خطيرًا يجب كسره، ليس فقط لمنع خسارة دولة بعينها، بل لمنع تحوّل هذا النموذج إلى سابقة تُشجّع دولًا أخرى في أميركا اللاتينية على سلوك مسار الاستقلال السياسي والاقتصادي.
اختيار خيار «الخطف» أو الاعتقال بدل التدخل العسكري المباشر يعكس إدراكًا أميركيًا متزايدًا لحدود القوة الصلبة، في ظل تراجع القدرة على خوض حروب مفتوحة، وارتفاع كلفتها السياسية والاقتصادية، وتنامي الرفض الشعبي في القارة لأي تدخل عسكري خارجي. غير أن هذا الخيار، برغم كلفته العسكرية المنخفضة نسبيًا، حمل تداعيات خطيرة على مستوى العلاقات الدولية، إذ أسهم في تقويض ما تبقى من شرعية النظام الدولي، وكرّس منطق «الاستثناء الأميركي» الذي يسمح لواشنطن بتجاوز القانون الدولي متى تعارض مع مصالحها. كما أنه فتح الباب أمام تعميم هذا النموذج، بما يحوّل استهداف قادة الدول إلى أداة سياسية مشروعة في الصراع الدولي.
على الصعيد العالمي، حمل التصعيد الأميركي تجاه فنزويلا رسائل مباشرة إلى الصين وروسيا وإيران، مفادها أن أي تمدد لنفوذ هذه القوى في مناطق تعتبرها واشنطن حساسة سيُواجَه بإجراءات تصعيدية تتجاوز الأعراف الدبلوماسية. فالصين، التي تعدّ أحد أكبر الدائنين لفنزويلا وشريكًا رئيسيًا لها في مشاريع النفط والبنية التحتية، رأت في استهداف مادورو تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية، ومحاولة لقطع أحد مسارات حضورها المتنامي في أميركا اللاتينية. أما روسيا، فتنظر إلى فنزويلا بوصفها نقطة ارتكاز استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة، وورقة ضغط سياسية وعسكرية في قلب المجال الحيوي الأميركي، ما جعل أي محاولة لإسقاط النظام هناك تُقرأ في موسكو كجزء من صراع أوسع على توازنات النظام الدولي. وفي الإطار نفسه، اعتبرت إيران أن ما يجري في فنزويلا يندرج ضمن السياسة الأميركية نفسها التي تستهدف الدول الخاضعة للعقوبات، وتسعى إلى إسقاطها أو إخضاعها عبر الحصار والتجريم والتدخل غير المباشر، ما عزّز منسوب التنسيق بين طهران وكاراكاس في مواجهة الضغوط المشتركة.
بدل أن تؤدي هذه السياسة إلى إخضاع فنزويلا، أسهمت عمليًا في تعميق تحالفاتها مع الشرق، وفي دفعها إلى توسيع هوامش تعاونها الاقتصادي والعسكري خارج المنظومة الغربية. كما كشفت حدود القدرة الأميركية على فرض إرادتها حتى داخل المجال الجغرافي الذي طالما اعتبرته حكرًا لها منذ إعلان “عقيدة مونرو”. وفي هذا المعنى، تحوّلت فنزويلا من ساحة اختبار للهيمنة الأميركية إلى نموذج عن تراجع هذه الهيمنة، وعن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي في اتجاه تعددية قطبية آخذة في التبلور.
لم تكن محاولة استهداف مادورو سوى حلقة جديدة في صراع عالمي أوسع على شكل النظام الدولي، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة منطق السيطرة الأحادية بأدوات لم تعد قادرة على إنتاج النتائج المرجوة. ومع كل خطوة من هذا النوع، يتكرّس واقع دولي جديد تتراجع فيه فاعلية القوة الأميركية، وتتقدّم فيه نماذج بديلة للتحالفات والتوازنات، في مشهد يؤكد أن زمن فرض الإرادة بالقوة، حتى في «الفناء الخلفي» لواشنطن، بات أقرب إلى نهايته منه إلى استعادته.
