لبنان Archives - Page 22 of 308 - 180Post

799-3.jpg

في تاريخ الصراعات الحديثة لا تُختزل الحروب في كونها مواجهات عسكرية بين جيوش متقابلة، بل غالباً ما تكون أدوات لإعادة تشكيل البنى السياسية والقانونية للدول وإعادة ترتيب موازين القوى داخل الأقاليم. فالتجربة التاريخية منذ الحرب العالمية الثانية تُظهر أن نتائج الحروب لا تتوقف عند خطوط التماس العسكرية، بل تمتد إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة نفسه، خصوصاً في الدول الضعيفة أو الواقعة على تخوم الصراعات الكبرى. وفي الشرق الأوسط تحديداً، كثيراً ما شكّلت الحروب مدخلاً لإعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية بما يتجاوز حدود المعركة المباشرة.

8000.jpg

بعد الضربات الأولى يتبدّل شكل الصراع. اللحظة الافتتاحية تشبه ضربة الطبل التي تعلن بداية المقطوعة، ثم يدخل الزمن لاعباً أساسياً في المعركة. السؤال المركزي يتحول إلى إيقاع: متى تضرب، كيف تضرب، وبأي أداة. في الحروب المعاصرة يصبح الزمن نفسه سلاحاً، ويغدو التحكم بإيقاع الأحداث جزءاً من السيطرة على مسار الصراع.

799-2.jpg

صراع الخرائط والممرات محتدمٌ اليوم، جغرافياً وسياسياً، في منطقة تشغل قلب العالم، بما تختزنه من إرث حضاري ومادي ومعنوي: من الموقع الجغرافي، الذي يمتد بين محيطات وسلاسل جبلية وما بينها من خطوط مواصلات وتقاطع ممرات، إلى ما يختزنه باطنها وسطحها من خيرات دفينة ومعلومة؛ النفط والغاز والطاقة الهوائية والثروات الطبيعية وتقاطع الطرقات. وإذا ما أضفنا إليهم التاريخ المتنقل بين الحق والأمم والحضارات والأديان فسنصبح على واقع، بقدر ما هو غنيّ، بقدر ما هو معقّد وغير مستقر؛ فمنطقة الزلازل لا تستقر على فالق واحد بل تتعدد وتتنوع؛ بعضها محلي وكثيرٌ منها خارجي، إن بالواسطة أو بالمباشر.

Libanon1_1.png

يقف لبنان اليوم عند تقاطع مسارات إقليمية ودولية معقدة. لم تعد المعادلات الداخلية، سياسةً وميداناً، وحدها تتحكم بمآلات الحرب على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية. باتت هذه الحرب، إلى حد بعيد، جزءاً من صراع أوسع تتحكم بإيقاعه ثلاث قوى هي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. في ظل هذا الواقع، يبدو أن مسار الأحداث يتشكل وفق حسابات هذه القوى الثلاث التي تتصارع فوق رقعة الشرق الأوسط، فيما يجد لبنان نفسه مرة جديدة في موقع الساحة التي تتقاطع فيها الرسائل العسكرية والضغوط السياسية والرهانات الاستراتيجية.

800-17.jpg

بينما كنّا نائمين، كأغلب اللّبنانييّن، وكأغلب الطّبقةِ الحاكمةِ في البلدِ وأغلبِ حلفائِها أجمَعين، في ليلةٍ رَمضانيّةٍ مُظلمةٍ مُضيئةٍ غريبةٍ، من الشّهر الهجريّ الميلاديّ الجاري الكَريم.. اتّخذ القرار، وأُعطي الأمر. أُخذ قرارٌ، في المضمون وفي اعتقادي، ليس بمجرّد الانخراط في المعركة العسكريّة القائمة في الإقليم إلى جانب "الجهوريّة الإسلاميّة": بل، أُخذ القرار عمليّاً بالانقلاب على الوضع القائم في لبنان منذ حوالي عام ونيّف إلى اليوم.

nabih.jpg

في خضم هذا المشهد اللبناني الإقليمي الملتهب، كان لافتاً للانتباه موقف الرئيس نبيه بري. فعندما سُئل عن التطورات اكتفى بالقول: «لا تعليق». عبارة «لا تعليق» أتت من رجل يحمل في جعبته من الخبرة ما لا يمتلكه أي من الساسة اللبنانيين، وباعترافهم. فمن خاض أصعب وأعتى وأخطر المعارك السياسية أدرك مبكراً أن ما يجري ليس مجرد معركة عسكرية عابرة، ولا مجرد جولة جديدة من جولات الصراع المعهودة، بل تأسيس لمشروع تفتيتي جديد يعيد رسم خارطة المنطقة على مقاس «إسرائيل الكبرى» المُشتهاة.

800-16.jpg

يبدو لك أن شيئًا من نورٍ يتسلّل إلى الغرفة... ربما هو الصباح. لكنك لم تعد واثقًا. اختلط الليل بالنهار، ولم يعد الشروق ولا الغروب دليلك لمعرفة الوقت، ولا حتى صلاة المغرب أو الإفطار في شهر الصيام. وحده صوت القصف صار ساعة الأيام، ووحدها الصواريخ والقذائف تعود كل حين لتطارد الأرواح البريئة. أما مشاهد النزوح فقد غدت أقوى من أي مشهدٍ في هذا الشهر الفضيل. انسوا مسلسلات رمضان؛ فالواقع هنا أكثر إثارةً وقسوةً من خيال أي كاتب أو مبدع، بل حتى من خيال «تجّار» المسلسلات.

800-14.jpg

دخل العدوان الأميركي – «الإسرائيلي» على إيران أسبوعه الثاني وسط تمدد نيرانه، ليس فقط إلى دول الجوار في الخليج العربي، بل أيضاً إلى لبنان وقبرص عند العتبة الأوروبية. وبدأت أسعار النفط والغاز تتصاعد بوتيرة قياسية (لامست عتبة الـ120 دولاراً)، لتجرّ الاقتصاد العالمي تدريجياً إلى حالة من عدم الاستقرار، منذرة بكوارث قد تطال الكثير من الدول. وسط هذه الأجواء يبرز السؤال المشروع: إلى أين تتجه هذه الحرب، وكيف يمكن أن تنتهي؟

780.jpg

يستمرّ حزب الله في تحدّيه العلني للسلطة وفي إقحام لبنان في حرب إيران، غير آبه بالتبعات الكارثية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية على البلاد، وتستمرّ حكومة الرئيس نوّاف سلام، ومعها رئيس الجمهورية جوزاف عون، بسياسة شراء الوقت وانتظار أي تسوية أو مساعدة خارجية ممكنة.

800.jpg

لم تكن تصريحات مايك هاكبي، السفير الأميركي في إسرائيل، زلّة لسان (20 شباط/فبراير 2026)، وذلك جواباً على سؤال الصحفي تاكر كارلسون عن رأيه بفكرة إسرائيل الكبرى، حين قال: «سيكون من المقبول أن تستولي إسرائيل على هذه الأراضي»، والمقصود الأراضي العربية.