الحوار الوطني في لبنان.. آلية تعطيل لا اتخاذ قرار

في لبنان، يُستدعى الحوار عندما يُراد تفادي القرار. ثقافةٌ تسلّلت إلى صلب الممارسة السياسية اللبنانية منذ عام ٢٠٠٥، أي منذ تحرر لبنان من الوصاية السورية، حين وجد نفسه أمام اختبار إدارة شؤونه كدولة مستقلة قادرة على إنتاج القرار. أمّا ذِكر هذا التاريخ فليس تفصيلاً، بل تثبيتٌ لحقيقة باتت، للأسف، راسخة: فشل لبنان في مرحلة ما بعد الوصاية السورية في بناء سلطة قرار مؤسّساتية دستورية فعلية.

إذا استعرضنا المرّات التي انطلقت فيها جلسات الحوار حتى كتابة هذه السطور، وهي بدعة من بدع السياسة اللبنانية تحوّلت إلى عُرف (وبعض الأعراف يُراد لها أن تتحوّل إلى دستور)، نجد أنّه في جميع هذه الجلسات لم يكن ما يُسمّى «الحوار الوطني» أداةً لمعالجة الخلافات عند تعذّر الاتفاق بين اللبنانيين، بل تحوّل تدريجياً إلى ما يشبه آلية حكم بديلة، يُلجأ إليها كلّما وصلت الدولة إلى لحظة تتطلّب حسماً سياسياً واضحاً. وهنا تكمن المشكلة. فهي ليست في مبدأ الحوار كوسيلة بين أركان ومكونات البلد، وإن كانت غير مستخدمة في السياق اللبناني ضمن ثقافة ممارسة الحكم، طالما أنّ هناك قوانين ودستوراً وحكومات وبرلمانات، بل في وظيفته الفعلية داخل النظام اللبناني، أو بالأحرى، في مَن يقود هذا النظام ويشارك فيه.

المشكلة في لبنان أنّ طاولة الحوار تتحوّل دائماً إلى مساحة لتدوير الزوايا، بدل أن تكون جسراً نحو الحسم. ومنذ مطلع العام 2006، تاريخ أول حوار دعا إليه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، حتى يومنا هذا، لم يعد البرلمان مكان القرار التشريعي في الدولة، ولا الحكومة بإطارها التنفيذي، بل يمكن القول إنّ القرارات التي تحتاج إلى حسم ومواجهة، بحكم الدستور والقانون، يجري في كلّ مرّة نقلها من مؤسّسات الدولة إلى ساحة توافقية غالباً لا تُنتج قرارات ولا تُحمَّل فيها مسؤوليات. من هنا، إذا أردنا توصيف وظيفة الحوار في لبنان، فهي وسيلة ليس لحلّ الخلافات أو الحدّ منها، بل لإدارتها إلى ما لا نهاية.

لماذا تُحبّ الطبقة السياسية الحوار؟

إنّ أي قرار في أي نظام حكم، وفي أي زمن منذ قِدم التاريخ وصولاً إلى يومنا هذا، يقوم على معادلة واضحة لا لبس فيها، وهي وجود رابح وخاسر، وتفرض بالتالي المحاسبة. في لبنان، تنعدم هذه الثقافة، أو أصول الممارسة السياسية الطبيعية. فلا الخاسر يعترف بخسارته ويتموضع على أساسها، ولا المعارض للحكومة أو للعهد يمارس دوره الطبيعي، بل تجده في قلب الحكومة والحكم. من هنا، يصبح الحوار في القضايا التي تحتاج إلى قرارات حاسمة هو الملاذ الآمن والمريح لهذه التناقضات، أو إذا صحّ التعبير، آفة الحياة السياسية في لبنان. فعلى طاولة الحوار في لبنان، لا أحد يخرج مهزوماً، ولا أحد يسأل عن التنفيذ، ولا أحد يُحاسَب على الفشل.

حوار اليوم وأكلافه العالية

لبنان اليوم أمام مرحلة حاسمة بالمعنى الفعلي في تاريخه؛ فإمّا أن يعبر بنجاح نحو فرض نواة دولة حقيقية، وإمّا أن يبقى كما هو الآن، ساحةً لتبادل الرسائل الإقليمية وتصفية الحسابات بأدوات لبنانية، تحت عناوين الطائفة والوجود والدور والمسار والمصير، وذلك بسبب غياب المعالجة والحسم، واعتماد سياسة «إدارة الأزمات» و«إدارة الوقت». وملفّات اليوم لم يعد ينفع معها شراء الوقت، بدءاً من مسألة السلاح وضرورة حصره، مروراً باستمرار الحرب والاعتداءات على لبنان، والضغوط الدولية المتصاعدة، وصولاً إلى المحاسبة وإصلاح النظامين السياسي والاقتصادي في البلاد.

في لحظة كهذه، تصبح الدعوة إلى الحوار، أو وظيفة الحوار، ليست تعبيراً عن «الحرص على السلم الأهلي» (وإن كانت هذه نيّة البعض)، بل مؤشّراً إضافياً على عجز الدولة عن ممارسة وظيفتها الأساسية، وهي اتخاذ القرار وتطبيقه. واستطراداً، فإن غياب القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه يُشكّل رسالة إضافية إلى الخارج بأنّ الدولة اللبنانية ساحة قابلة للضغط.

وغالباً ما يُشار، عند الدعوة إلى الحوار، إلى الخوف من الانقسام والفوضى، وهي لازمة أو خلط بات أيضاً يُشكّل نوعاً من المساحة الآمنة للهروب. فالفشل في اتخاذ قرار واحد وتطبيقه، أو «تجميده» و«احتوائه» (وهذه المصطلحات يبدو أنّها باتت جزءاً من القاموس السياسي اللبناني)، هو ما يجعل البلد عرضة للانقسامات، وبالتالي لمخاطر السلم الأهلي، الذي لا يُحمى إلّا بتحمّل مسؤولية الحكم والقرار. فالدولة لا تُبنى بالاستمرار في سياسة «إدارة التوازنات»، كما هو الحال في لبنان، بل بتحديد مرجعية واحدة للقرار، حتّى لو كان ذلك مكلفاً سياسياً؛ سياسةٌ يلتزم بموجبها الجميع بالقانون، وإن لم يكن على هوى سياساتهم وبرامجهم ومشاريعهم.

في الختام، إن الدولة التي تلجأ إلى الحوار كلما كانت هناك حاجة للحسم، لا تؤجل فقط الانفجار، بل أيضًا لحظة الاعتراف به. واليوم، في ظل المتغيّرات الدولية والإقليمية، تسعى الدول القادرة إلى الحسم، إذ أن سياسة شراء الوقت لا تعدُ خيارًا مُتاحًا. في لبنان، هناك من اعتاد لا بل نشأ سياسيّا وأدمن على نظام “إدارة التوازنات” في الدولة والتي غالبًا ما تُنتج نظام اللادولة، وهو نظامٌ سيرى في الحوار حاجة دائمة. في المقابل، السؤال الأساس الذي يراودني، كما كُثرٌ غيري يتطلّعون إلى التغيير الفعلي، هو الآتي: متى نملك الجرأة لاتخاذ القرار؟

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أن تكوني أمّاً في لبنان..!
حياة الحريري

أكاديمية وباحثة سياسية، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  أية تداعيات إستراتيجية ستترتب على الرد الإيراني.. الحتمي؟