أزمة المعنى في العالم العربي: من نجاة الفرد إلى فشل الدولة

ليست الأزمة التي يعيشها العالم العربي اليوم أزمة موارد، ولا نقص كفاءات، ولا خللًا تقنيًا في الإدارة والتخطيط، على الرغم من خطورة هذه العناصر جميعًا؛ ما نواجهه، في عمقه الأبعد، هو أزمة معنى، أزمة تمسّ الأساس الذي يمنح الفعل الإنساني مبرّره، ويحوّل الإنجاز من حركة صاعدة في الفراغ إلى تجربة لها وزنها الأخلاقي والتاريخي. فحين يفقد المعنى موقعه المركزي، لا يعود التقدّم تقدّمًا، بل تسارعًا أعمى بلا اتجاه.

تتجلّى المفارقة المركزية في الواقع العربي المعاصر في مشهد يكاد يتكرّر بلا انقطاع: أفراد يحققون نجاحات لافتة في مجالات التعليم، والاقتصاد، والمعرفة، داخل الوطن وخارجه، في مقابل عجز مزمن عن بناء دولة قادرة على احتضان هذه النجاحات وتحويلها إلى قيمة عامة. هنا لا تكمن المأساة في فشل الفرد، بل في اضطراره إلى النجاح خارج الإطار الجمعي، وكأن التفوّق بات فعل نجاة فردية لا فعل مشاركة تاريخية.

لم تدخل الحداثة إلى المجال العربي بوصفها مسارًا تاريخيًا نابعًا من تحوّل داخلي في نظرة الإنسان إلى ذاته والعالم، بل دخلت، في معظم تجلياتها، بوصفها نموذجًا جاهزًا. جرى استيراد الأدوات قبل مساءلة الغايات، وتقليد الأشكال قبل فهم الشروط التي أنتجتها. وهكذا تحوّلت الحداثة من تجربة وعي إلى تقنية استعمال، ومن مشروع إنساني إلى مجموعة مهارات تُتقن الأداء دون أن تطرح السؤال الأهم: لماذا نفعل ما نفعل؟

المعنى ليس ترفًا فلسفيًا، بل شرط عملي لأي فعل جماعي وطني وأخلاقي مستدام. واستعادته لا تكون بقرارات فوقية، ولا بخطاب تعبوي، بل بتحرير السؤال، وإعادة وصل النجاح الفردي بالمجال العام، وبناء عقل نقدي لا عدمي ولا تبريري، واستعادة الروح بوصفها خبرة إنسانية حيّة تمنح الفعل أفقه الأخلاقي

في التجارب التي أنجزت حداثتها السياسية والفكرية، لم يكن التقدّم مجرّد تراكم تقني، بل اندماجًا للفرد في مشروع عام ذي معنى. وقد عبّر “هيغل” عن هذا التصوّر حين رأى في الدولة تجسيدًا لما أسماه “الروح الموضوعية”: الفضاء الذي تتجاوز فيه الذات فرديتها لتصبح جزءًا من كلّ عقلاني يمنح الفعل وزنه التاريخي. الدولة، بهذا المعنى، ليست جهاز إدارة فجسب، ولا مجرّد سلطة، بل أفق تحقّق الفرد في بعده الإنساني العام. غير أنّ هذا الأفق ظلّ، في التجربة العربية الحديثة، فكرة مستوردة أكثر منه واقعًا متحقّقًا.

دخلت الدولة إلى المجال العربي، في كثير من الحالات، ككيان مكتمل الشكل ناقص المسار: بُنية بلا تاريخ، وسلطة بلا عَقد اجتماعي ناضج. نشأت غالبًا في ظل الاستعمار أو في ما بعده، محمولة على خرائط وقوانين جاهزة، أكثر مما نشأت تعبيرًا عن تفاعل حيّ بين المجتمع والسلطة. لذلك استقرّت في الوعي الجمعي لا كفضاء لتحقيق الذات، بل كجهاز يُدار أو يُتحايل عليه أو يُتجنَّب.

في هذا السياق، يصبح من الضروري قلب السؤال السائد: المعنى ليس نتيجة لقيام الدولة، بل شرط من شروط نشأتها واستمرارها. الدولة لا تُنتج المعنى تلقائيًا بمجرد وجودها، بل تقوم أساسًا على أفق رمزي سابق يمنحها الشرعية ويجعل الانتماء إليها ذا دلالة تتجاوز الإكراه أو المنفعة. وحين تُبنى الدولة في المجال العربي بوصفها جهازًا إداريًا أو أمنيًا قبل أن تكون تعبيرًا عن معنى مشترك، فإنها تفقد قدرتها على تمثيل المجتمع، ويتحوّل وجودها إلى واقع مفروض لا إلى أفق يُستثمر فيه.

في هذا المناخ، تغيّر معنى النجاح نفسه. لم يعد النجاح اندماجًا في مشروع عام، بل استراتيجية نجاة فردية داخل نظام مختل. ينجح الفرد عبر الهجرة، أو السوق، أو المبادرة الخاصة، بينما يتراجع استثماره الوجداني والفكري في الشأن العام. ومع الوقت، يصبح الانسحاب الذكي علامة عقلانية، لا مشاركة واعية. هنا تتشكّل إحدى أخطر نتائج فقدان المعنى: انفصال الأخلاق الفردية عن المجال العام، وانفصال الإنجاز عن المسؤولية الجماعية.

هنا، لا يقتصر الخلل على فشل الدولة بوصفها بنية سياسية، بل يمتدّ إلى تشوّه العلاقة بين الفرد والفضاء العام نفسه. فقد تحوّل المجال العام، في الوعي العربي المعاصر، من مساحة إمكان إلى مجال استنزاف أو خطر أو عبث. لم يعد الفعل العام يُنظر إليه بوصفه استثمارًا طويل الأمد في المستقبل، بل كطاقة مهدورة في نظام لا يكافئ المشاركة ولا يحمي معناها. ومع الزمن، لم يعد الانسحاب تعبيرًا عن خوف فقط، بل تحوّل إلى نمط ثقافي يُعاد إنتاجه، حيث تُوصَف المشاركة بالسذاجة، ويُنظر إلى الالتزام العام كعبء أخلاقي غير مجدٍ. هكذا يفرغ الفضاء العام من الفاعلين الحقيقيين، وتبقى الدولة قائمة بلا مجتمع سياسي حيّ.

لا يكون فقدان المعنى حادثًا عابرًا، بل سياسة صامتة: إفقار للغة، وتسطيح للفعل، وترويض للعقل على التكيّف بدل التفكيك. ومع الزمن، لا يعود الخلل صدمة، بل حالة مألوفة، ويغدو أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات هو الاعتياد على اللامعنى

غير أنّ اختزال الأزمة في فشل الدولة وحده يظلّ تبسيطًا مضلّلًا. فالدولة، مهما بلغت قدرتها على القمع أو التشويه، لا تعمل في فراغ تاريخي أو اجتماعي. لقد شارك الإنسان العربي، بدرجات متفاوتة، في تثبيت هذا الاختلال: بالخضوع الطويل، وبالتكيّف الذي تحوّل إلى أسلوب حياة، وبالانسحاب من المجال العام بدل تحويل القلق إلى فعل منظّم.

إقرأ على موقع 180  عالم ما فوق الدولة.. أكثر تفككاً!

هنا لا تعود الضحية بريئة تمامًا، ولا الجلاد وحده مسؤولًا؛ بل نحن أمام علاقة مركّبة يُعاد فيها إنتاج العجز على مستويات متعددة.

في هذا المشهد لا يمكن إغفال موقع المثقف العربي. فعلى الرغم من وفرة النقد والتحليل، أخفق المثقف، في معظم الحالات، في تحويل الوعي إلى بنية ثقافية جماعية قادرة على الاستمرار. بقي النقد غالبًا فعلًا فرديًا معزولًا، أو خطابًا أخلاقيًا بلا أفق اجتماعي فعلي. لم يتحوّل السؤال إلى ممارسة مؤسسية، ولا القلق إلى ثقافة عامة، فظلّ الوعي معلّقًا بين شجاعة فردية وعجز جماعي، كما نبّه إلى ذلك مبكرًا مفكرون مثل “عبد الرحمن بدوي” و”محمد عابد الجابري”، كلٌّ من زاويته الخاصة.

ويزداد هذا المأزق عمقًا حين ننتبه إلى غياب الزمن التاريخي – المستقبل – من الوعي العربي المعاصر. فالإنسان لا يعيش فقط في الحاضر، بل يعيش على وعد الغد. غير أنّ الزمن، في الخيال العربي اليوم، يُختزل غالبًا في ماضٍ مُمجَّد يُستعاد بوصفه هوية، وحاضرٍ مُدار بوصفه ضرورة، من دون مستقبل يُنتَج بوصفه أفقًا مفتوحًا.

حين يغيب المستقبل كتصوّر جماعي، يتحوّل التخطيط إلى إدارة أزمة، وتتحوّل السياسة إلى ردّ فعل، ويغدو الإصلاح نفسه مجرّد ترميم مؤقّت لا مشروعًا تاريخيًا.

من هنا يمكن فهم سبب فشل كثير من مشاريع الإصلاح، على الرغم من دقّة تشخيصها أحيانًا. فالإصلاح الذي لا يستند إلى معنى جامع، ولا يخاطب الإنسان بوصفه فاعلًا تاريخيًا، يبقى حبيس الورق أو الخطاب. تتحوّل السياسات إلى تقنيات، والتغييرات إلى إجراءات، فيما يبقى الإنسان نفسه خارج المعادلة. إصلاح بلا معنى، تغيير بلا إنسان، وسياسات بلا وعي حامل؛ وهي معادلة تفسّر لماذا تتكرّر المحاولات وتتشابه النتائج.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن علاقة الإنسان العربي بالعالم الحديث. فقد واجهت مجتمعاتنا الحداثة في ظل هيمنة غربية مركّبة، سياسية واقتصادية ومعرفية، لم تكتفِ بإخضاع الخارج، بل أعادت تشكيل الداخل. هكذا تحوّلنا، في كثير من الحالات، إلى مستهلكين للتكنولوجيا والمعرفة من دون امتلاك الشروط الثقافية والروحية التي جعلت الحداثة، في تجارب أخرى، ثورة في الوعي. هنا يلتقي نقد “مارتن هايدغر” لهيمنة التقنية ونسيان سؤال الكينونة مع واقع إنسان يعمل باستمرار ولا يكون أبدًا، فيتحوّل إلى كائن مُشغَّل أكثر منه ذاتًا مفكّرة.

بهذا المعنى، لا يكون فقدان المعنى حادثًا عابرًا، بل سياسة صامتة: إفقار للغة، وتسطيح للفعل، وترويض للعقل على التكيّف بدل التفكيك. ومع الزمن، لا يعود الخلل صدمة، بل حالة مألوفة، ويغدو أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات هو الاعتياد على اللامعنى.

ومع ذلك، لا يستطيع الإنسان، على المدى الطويل، أن يعيش بلا معنى. ما يُقمع لا يختفي، بل يعود بأشكال ملتوية: عنف غير مبرّر، تعصّب هويّاتي، انسحاب كامل من الشأن العام، أو هوس بالنجاح الفردي بوصفه تعويضًا عن فشل أعمق. كلّ هذه ليست حلولًا، بل أعراض لفراغ لم يُعالج.

من هنا، لا يكون السؤال الحقيقي هو كيف ندير الأزمات، بل كيف نعيد فتح أفق المعنى الذي يجعل التعامل مع الأزمات ممكنًا دون أن يتحوّل إلى تطبيع للعجز.

فالمعنى ليس ترفًا فلسفيًا، بل شرط عملي لأي فعل جماعي وطني وأخلاقي مستدام. واستعادته لا تكون بقرارات فوقية، ولا بخطاب تعبوي، بل بتحرير السؤال، وإعادة وصل النجاح الفردي بالمجال العام، وبناء عقل نقدي لا عدمي ولا تبريري، واستعادة الروح بوصفها خبرة إنسانية حيّة تمنح الفعل أفقه الأخلاقي.

حين يُستعاد المعنى بوصفه بوصلة، يصبح التقدّم اتجاهًا تصاعديًا لا حركة عمياء، وتعود الحرية مسؤولية لا عبئًا، ويستعيد الإنسان قدرته على أن يعيش حياته، لا أن يديرها فقط.

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  حكومة أديب.. "إشتدي أزمة تنفرجي أم تنفجري"؟