هنا يتحدد معنى الفرصة التاريخية: فرصة للأكراد كي يخرجوا من أسر التمثيل العسكري إلى فضاء السياسة والمواطنة، وفرصة للدولة السورية لتثبت أنها ليست نسخةً عن إرث الإنكار، وفرصة للإقليم لمنع انزلاقٍ إلى مواجهة ذات طابع عرقي. وقد ظهر بالفعل قلق كردي واسع من احتمال أن تنفلت الأمور نحو صدامٍ كردي–عربي، فبرز تضامن عابر للحدود وضغط سياسي في تركيا وحراك في العراق وتعاطف في إيران. غير أن هذا التضامن لا يعني تلقائياً اتجاهاً نحو مشروعٍ مستقل في سوريا؛ فالوقائع الجيوسياسية والديموغرافية لا تمنح هذا المشروع اعترافاً دولياً أو إقليمياً، والتداخل السكاني يجعل أي “كيان صافي” وصفة دموية. الواقعية هنا قاسية لكنها واضحة: لا قوة كبرى تبدو مستعدة لشرعنة استقلال كردي في سوريا، لكن ذلك لا يلغي إمكان ترسيخ حقوقٍ واسعة ضمن دولة واحدة عبر دستورٍ وقانونٍ وتمثيلٍ سياسي معتبر.
ومن أكثر النقاط حساسية، مستقبل “قسد” داخل المؤسسة العسكرية. فالكلام على وجودٍ كردي داخل الجيش لا يعني تشكيل “جيش قومي” منفصل أو وحدات صافية، بل يعني إدماجاً طويل النفس يراعي تنوع المنطقة ويمنح الأفراد شعوراً بأنهم ليسوا أدوات ضد مجتمعهم ولا أهدافاً للانتقام باسم الدولة. الصدمة السريعة قد تُنتج ردة فعل اجتماعية، أما الدمج المتدرج—إذا رافقته ضمانات—فقد يفتح باب تحويل المقاتلين إلى جزء من منظومة وطنية، وتحويل أجهزة الأمن المحلية إلى شرطة متعددة المكونات لا عصاً بيد طرف واحد. عندها يصبح “الدمج الكريم” شرطاً لمنع انفجار مؤجل، لا عبارة تجميلية للاستهلاك.
ولأن التجربة السورية تُراقَب من خارج حدودها، فإن نجاحها أو تعثرها سيرتد على مسارات كردية أخرى في الإقليم. تركيا تُعلن اهتمامها بوحدة سوريا وتماسكها لأنها ترى في تحجيم الروابط مع حزب العمال الكردستاني أولوية أمن قومي. العراق- عبر إقليم كردستان- يريد احتواء الأزمة ومنعها من التحول إلى حرب أهلية. والولايات المتحدة، بعد تبدّل موقفها، تبدو أقرب إلى تثبيت مسار الدولة الجديدة في مكافحة الإرهاب مع إعادة ترتيب حضورها العسكري وفق متطلبات المرحلة. مثلث المصالح هذا لا يضمن النجاح تلقائياً، لكنه يفتح نافذة إذا أحسن الداخل السوري استثمارها. فالمفتاح في النهاية ليس الخارج بل الداخل: قانون أحزاب، مؤسسات تمثيل، برلمان يملك القدرة على تحويل المبادئ إلى تشريعات، وحوار وطني لا يُختصر بمؤتمر سريع بل يتسع للقوى الكردية السياسية المستقلة والفاعليات الاجتماعية، كي لا تبقى علاقة الدولة بالكرد رهينة صيغ عسكرية.
والرهان الأوسع أن تُنتج دمشق من ملف الكرد رسالةً إلى بقية الجغرافيا السورية: إلى الساحل، إلى السويداء، إلى كل المناطق التي تبحث عن دولة تُشبه مواطنيها لا سجونهم التاريخية. حين تثبت الدولة قدرتها على احترام الحقوق وبسط السيادة في آنٍ واحد، يتحول التنوع إلى نقطة قوة لا إلى ذريعة انقسام. وحين تفشل، يتحول كل ملف إلى “استثناء” وكل منطقة إلى تفاوض منفصل، ويعود منطق الجزر التي تتعايش بالخوف لا بالعقد.
لهذا لا يعود السؤال: هل انتهت “قسد”؟ بل: كيف تُغلق مرحلة “قسد” من دون أن تُفتح مرحلة ثأر سياسي؟ وهل تستطيع الدولة تثبيت الحقوق الكردية ضمن إطار دستوري وقانوني قابل للثبات؟ وهل تُترجم السيطرة إلى تنمية، وتتحول الوعود إلى خدمات، ويُستبدل الفراغ الأمني بمنظومة وطنية متعددة المكونات؟ وإذا كانت اللحظة قد أسقطت ذريعة الكيان المسلح المستقل، فإنها في المقابل ترفع سقف المسؤولية على دمشق: الحقوق المُعلنة لا يجوز أن تبقى معلّقة، والدمج المطلوب لا يجوز أن يتحول إلى كسر، والسيادة المستعادة لا يجوز أن تُترجم كإهانة.
اختبار ما بعد “قسد” وما بعد “داعش”!
قد تكون الأيام الأخيرة قد أنهت واقعاً دام عقداً، لكنها لم تنه الأسئلة التي صنعها ذلك العقد؛ بل رفعتها إلى مستوى أعلى: من الخنادق إلى الدستور، ومن السلاح إلى السياسة، ومن “وظيفة الحرب على داعش” إلى وظيفة الدولة في حماية مواطنيها. وبين العالمين تقف سوريا أمام امتحان نادر: أن تُثبت أن الاعتراف ليس تكتيكاً، وأن السيادة ليست انتقاماً، وأن الوطن ليس صراعاً على هوية واحدة، بل اتفاقٌ على حقوق واحدة تحت سقف دولة واحدة. إذا نجحت، ستبدو الخطوة أكثر من معالجةٍ لقضية كردية: ستكون افتتاحاً لمرحلة سورية جديدة. وإن تعثرت، فإن السرعة نفسها- التي طوت عشر سنوات في أسبوع- قد تنقلب إلى سرعة ارتدادٍ تفتح أبواباً لا يريدها أحد.
المهمّ، لا تُقاس الحكاية بعدد القرى على الخريطة. ولا بسرعة تقدّم القوات. تُقاس بسؤال واحد. من يملأ الفراغ حين تذوب «قسد» ككيان؟ ومن يطارد “داعش” حين تتبدّل السلاسل والوجوه؟
السؤال ليس ترفاً. هو قلب المشهد. “داعش” لا ينتظر مؤتمراً وطنياً. ولا يقرأ مراسيم. يقرأ الشقوق. ويقتات على الفجوات. ثغرةٌ في الحراسة تكفي. ارتباكٌ في القرار يكفي. فراغٌ صغير يتحول إلى ممرّ. ثم إلى شبكة. ثم إلى عودة المسلسل الإرهابي نفسه.
لهذا، لن تكون الحرب على “داعش “عهدَ جهة واحدة”. لن يسلّمها أحد ليدٍ منفردة. هناك دولةٌ تحاول احتكار الأمن. أجهزةٌ تعيد الإمساك بالأرض. وخبراتٌ ميدانية تُستوعب داخل المؤسسات. فرداً فرداً. لا ككيان. ثم يأتي الخارج. يبدّل أدواته. يخفّف من “الشريك المحلي”. ويزيد من الاستخبارات والدعم النوعي. ويترك الباب موارباً للتنسيق. طالما العنوان هو الإرهاب.
لكن الأخطر هو لحظة الانتقال. تلك اللحظة لا تُدار بالشعارات. بل تُدار بالصرامة. وبالهدوء. وبالوقت الطويل. الفراغ لا يطيق نفسه. إن لم تملأه الدولة ملأته الأشباح. و”داعش” أشدّ الأشباح شراهة.
العالم غيّر لغته تجاه أبو محمد الجولاني الذي أصبح الرئيس أحمد الشرع. لم يغيّر تاريخه. غيّر توصيفه. نقلَه من خانة “المحظور المطلق” إلى خانة “الضرورة الانتقالية”، أو “الواقع الذي يُدار”. هذا التحوّل يفتح سؤالاً أخطر. ليس عن “داعش” كتنظيم. بل عن “داعش” كوظيفة. لا أحد سيطبّع مع “داعش”. لكن يمكن أن يحدث ما هو أخبث. أن يتحول “داعش” من عدوٍّ أول إلى ذريعةٍ نافعة. إلى بطاقة مرور. إلى مبرر لخرائط نفوذ. إلى غطاء لترتيبات أمنية. إلى عصا تُطوّع بها المعايير. حين تتقدّم الواقعية بلا ضوابط، يصبح كل شيء قابلاً لإعادة التعريف. حتى الكلمات. حتى الأعداء. وحتى “الضرورات”.
هنا تحديداً تقف إسرائيل. تراقب وربما تربح. لأن الدولة السورية تنشغل بنفسها. بالسجون. بالمخيمات. بالحدود. بالحوكمة. بإطفاء الحرائق. خصمٌ منشغل أقل خطراً. وأقل قدرة على رفع السقف. وأكثر قابلية للردع.
لهذا، اختبار ما بعد «قسد» ليس أمنياً فقط. هو اختبار دولة. هل تمسك السلاح من دون أن تكسر المجتمع؟ هل تثبت السيادة من دون انتقام؟ هل تستوعب الخبرات من دون ألغام مؤجلة؟ هل تبني أمناً متعدد المكونات؟ لا أمناً أحادياً؟
وهو أيضاً اختبار معنى. هل تُترك مهمة مكافحة “داعش” لتصبح ذريعة تُفصَّل بها المنطقة؟ هل تتحول إلى عنوان يخدم أمن إسرائيل قبل أي شيء؟ أم تتحول إلى وظيفة دولة. واضحة. منضبطة. مستقلة. عندها فقط يُغلق الباب. باب “داعش” وباب “الهندسات” التي تتسلل من اسمه.
(*) راجع الجزء الأول؛ ما بعد «دويلة قسد».. أكراد سوريا واختبار المواطنة (1)
