يضحك رجب طيب أردوغان في عبه هذه الأيام. فبرغم التهديدات المتزايدة التي تواجهها تركيا نتيجة تحرّك الصفائح السياسية الساخنة في المنطقة، والتبدلات المتسارعة في بنية النظام الدولي، تبرز أنقرة شيئًا فشيئًا كلاعب إقليمي قادر على التأثير في مسارات سياسات الشرق الأوسط واستمالة الفاعل الأميركي.
هكذا، وقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقامته الطويلة ووجهه المبتسم جنبًا إلى جنب مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، لتلتقط لهما الكاميرات لحظة مفارقة في ظرف تاريخي استثنائي. لحظة تعكس نجاح أنقرة في إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقبول التفاوض مع طهران. هي مهمة اقتسمتها كذلك قطر ومصر والسعودية مع الجارة التركية، قبل أن يستقر أمر التفاوض على أرض سلطنة عُمان.
حالة الضعضعة الأوروبية تجاوزت الملف الأوكراني ولم تعد مجرد توصيف تحليلي. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خاطب الأوروبيين بلغة محسوبة وانتقاء مقصود للتعابير، وبنبرة هادئة فيها شيء من الثقة حين قال: “أوروبا في حالة تراجع، وتفقد دورها في الساحة الدولية يومًا بعد يوم… قرارها الأخير (تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية) كان خطأً استراتيجيًا، كما كان قرار تفعيل آلية الزناد (سناب باك)، وقد قلّصت هذه السياسات الدور الأوروبي في شؤون منطقتنا، وسرعان ما ستدرك أوروبا أنها أخطأت”.
لكن لا يبدو أن لأوروبا القدرة على الخروج من العباءة الأميركية، مهما استخدمت لغة سياسية جديدة في دافوس وغيرها لترضي بها شعوبها، وتذكّر نفسها بأنها في موقع التابع الذي يجب أن يحاول الاستقلال، وأنَّ الطوفان الذي يحصل في العالم ما بعد “الطوفان” وفي العهد الترامبي كشف المستور كلّه. وما كانت تقدّمه أوروبا من خطاب أخلاقي قانوني كبديل رمزي عن القوة الصلبة المستعارة أميركياً تكشّف زيفه حتى قارب أن يفقد دوره، ما حمل الفاعلين إلى تبني لغة سياسية جديدة تجاه “النهج الاستعماري” المفضوح، كمحاولة لتثبيت الرمزية الأخلاقية نفسها. غير أنّ الوقائع تذهب بالقارة الأوروبية بعيداً عن أنوارها المزعومة، وعن استقلالها المرجوّ.
صحيحٌ أنّ أوروبا بدت على وشك جهوزيتها للانخراط في مواجهة عسكرية عندما تعلق الأمر بجزيرة غرينلاند، إلا أنّ شيئاً ما تغيّر، سطحه يبدو مضيّ أوروبا في اتخاذ خيارات بديلة عن التبعية الأميركية، أما عمقه، فهو يشي بالعكس تماماً: لقد نجح ترامب في إحكام القبضة على أوروبا تماماً. تعلم هذه الأخيرة أنّ سبل الانفكاك محفوفة بالكثير من المخاطر، وأنّ دون ذلك انحلال لحلف “الناتو”، ورفع للرسوم على المنتجات الأوروبية، وأن البضائع قد تتراكم في السوق الأوروبية بعد سنوات إذا ما حصل ذلك. وتعلم أيضاً أن ترامب قد يطوّق القارة الأوروبية بالاتفاق مع رئيس روسيا فلاديمير بوتين نفسه، وربما لا مانع عنده بأن يسمح لبوتين باحتلال كامل أوكرانيا عندها!
روّض ترامب القارة العجوز. أكثر ما كان يثير حنقه هو أن تشتري أوروبا الغاز من روسيا، بينما تنتج أميركا أكثر من ثلث الغاز المسال في العالم. سينجح قريباً في تنفيس حنقه، ففي خريف العام 2027 على الأرجح، بعد أن يشارف الاتفاق الروسي الأوروبي على الانتهاء. نجاحٌ يقابله موافقة أوروبية على الحل الأميركي بين كييف وموسكو بعد تخلي أوكرانيا عن إقليم دونباس، وفتح اليد الأوروبية على الاستثمار في إعادة الإعمار في أوكرانيا. يحاول ترامب إذاً أن يغري أوروبا بمزيد من الصفقات لأجل مزيد من الاستحكام بها. يسوّي معضلة غرينلاند بطريقة تضمن الأمن القومي الأميركي مع ضمان الحفاظ على صورة السيادة الدنماركية لها أمام الشعوب الأوروبية. وما قيل عن اتفاق تاريخي بين الاتحاد الأوروبي والهند في سبيل الانفكاك من القيد الأميركي لا يبدو كذلك، بل يبدو وكأنه موافقة أميركية بعد عشرين عاماً من التمنع على تدفّق السيارات الأوروبية إلى قلب آسيا. ينقذ ترامب هنا تلك الصناعات من الضمور، ويفتح لها الباب لأن تشتري في السنة القادمة الغاز الأميركي الأغلى من الروسي مقابل ما ستجنيه، بل أنه يفتح الباب أيضاً لنقل ساحة المعركة التجارية إلى حدود الصين التي لم تحسب حساب الاستثمار في الهند، حتى أصبحت الأخيرة اليوم مركزاً لتوزيع السيارات الأوروبية وخصوصاُ الكهربائية منها.
بل إن ترامب قد انتزع من أوروبا موافقة على مجلس السلام القادر على تعطيل قرارات مجلس الأمن نفسه من خلال فرض عقوبات أو التهديد بتدخلات عسكرية أو ما إلى ذلك. وهو شيئاً فشيئاً يعيدها إلى مواقفها وقراراتها السابقة المتعلقة بإسرائيل بعد القطيعة التي طالت بعض الاتفاقيات.. وهنا، لن ينجح ترامب فقط في ترميم الصورة الإسرائيلية وحسب، بل سينجح في تغيير هوية أوروبا القيمية المدّعاة من جذورها، ويستثمر اللاحدود الإنسانية والأخلاقية للإبادة في غزة في ترسيخ عالم ما بعد الإبادة، وما قبل ويستفاليا.. عالم القوة وحده.
فهل ستنجح نبوءة عراقجي في حال حصل أي تطوّر في الشرق الأوسط يُعيد خلط الأوراق كلّها من جديد، أم أنّ العالم يشهد بالفعل آخر فصول الانقلاب على النظام الدولي الذي كان مستتباً.. هذا رهن بما ستحمله الأيام المقبلة.
