على حافة «الحقبة الإسرائيلية».. ماذا تبقّى من رؤية هيكل لمعنى الحياة؟

«راضٍ بما أديتُ من دور في خدمة المهنة، وفي خدمة الوطن، وفي خدمة الأمة.. ثم إنني سعيد أن الظروف أتاحت لي أن أشارك وأعيش سنوات الإشراق في المشروع القومي العربي، الذي قاده ذلك الصديق الحبيب إلى قلبي والأثير عندي جمال عبد الناصر». هكذا كتب محمد حسنين هيكل حرفيًا في وصية أودعها أمانةً مغلقةً عند رفيقة حياته (السيدة هدايت علوي تيمور)، تُفتح عند رحيله.

تلامس تلك العبارة، بمشاعرها وحقائقها، عمق اعتزازه بالأدوار التي لعبها في سنوات الإشراق والصعود القومي، التي أُهدرت مكاسبها الاجتماعية والاستراتيجية معًا.

بقدر تعدد أدواره المؤثرة اكتسب مكانته الاستثنائية.

فهو «أسطورة حية»، كما قالت «سارميللا بوز» مديرة كلية الصحافة في جامعة أكسفورد، مأخوذةً بحضوره المشهد الافتتاحي عام (2007) لأول كلية تنتمي إلى صناعة الإعلام بأعرق الجامعات البريطانية.

وهو «رئيس تحرير أسطوري»، كما دأبت الصحافة الإسرائيلية على وصفه، برغم كراهيتها العميقة لأدواره التي لعبها على مسارح السياسة في النصف الثاني من القرن الماضي.

وهو مؤرخ متمكن من أدواته في قراءة وثائق الصراع على المنطقة، التى لم تكن متاحةً لغيره بحكم وجوده في قلب صناعة القرار.

ثم.. إسهاماته الجوهرية في صياغة نظرية الأمن القومي.

في اختبار الزمن تأكدت قيمته.

تبدو مقاطع الفيديو المختصرة، التي تنتشر بكثافة على شبكات التواصل الاجتماعي، لمقولاتٍ أدلى بها فى محطات مختلفة من تجربته السياسية، كأنها قيلت الآن!

المعنى ينطوي على وجهين.. الأول أننا ما زلنا في نفس الموقع المأزوم، وأمننا القومي منكشفٌ بفداحةٍ أكبر.. وهذه مأساة كاملة لأمةٍ شبه عاجزة عن مواجهة تحدياتها الوجودية.. والثاني عمق نفاذ نظرته، التي أسسها على فهمٍ عميقٍ لحقائق الصراع على المنطقة.

«إن دولةً تقيم وجودها وتؤكد أمنها بالتضاد مع الجغرافيا والتاريخ، من الطبيعي أن تستحوذ أدوات القوة والعمل السري صدارة أولوياتها، وهي هنا الجيش الإسرائيلي والموساد وجهاز الأمن الداخلي» ــ كما قال وأكد دومًا.

«لقد عرضنا قضية فلسطين خطأً على الشعب المصري حين صورناها له وكأنها تضامنٌ مع شعبٍ شقيق، فتلك ليست القضية الحقيقية، وإنما كانت القضية الحقيقية وصميم الموضوع هو الأمن المصري» ــ كما حاول في الوقت نفسه أن يصوّب زوايا النظر.

في اللقاء الأخير بادرني بسؤال واحد: «قل لي ما الذي يحدث؟».

جلست على مقعدٍ بجوار سريره أروي وأتحدث، وهو نصف ممددٍ، منتبهٌ للمعاني من وراء الأخبار، ولا يخفى قلقه على مستقبل البلد ومصيره.

على مقربةٍ من سريره كتبٌ غربية صدرت حديثًا كان قد بدأ في قراءتها، وبعض الجرائد اليومية المصرية، وشاشة التلفزيون مفتوحة على محطة الـ«CNN» الأمريكية الإخبارية.

حتى لحظاته الأخيرة ظل مخلصًا لمهنته، التي لم يرَ لنفسه مهنةً سواها.

حاول أن يتحدث ويعلق ويحلل كما اعتاد على مدى حياته العامة الطويلة، غير أن المرض الشديد عانده بقسوة.

لم تكن قضيته المرض ولا شدته، فسجله طويل في تحمل الألم، وبعضه كـ«طعن الخناجر».

«أنا لا أُخفي سني ولا مرضي».

إخفاء السن، كما إنكار المرض، انتقاصٌ من الكبرياء الإنساني أمام حقائق الطبيعة والحياة.

عندما كان يردد تلك العبارة، تصور بعض أنصار نظام الرئيس الأسبق «حسني مبارك» أنه يعقد مقارنات معه.

لم يكن ذلك صحيحًا، فالقضية تتعلق بنظرته إلى معنى الحياة.

انتهت القصة كلها عندما استشعر بعمق أن طاقته الإنسانية استُنزفت إلى حد يصعب معه أن يحيا بالأسلوب الذي انتهجه في العمل والإنتاج والتأثير، شاهدًا وشريكًا في الأحداث والتحولات الكبرى التى شهدتها مصر منذ ثورة (1952) بجوار زعيمها «جمال عبدالناصر»، ومع خلفه «أنور السادات» حتى حرب أكتوبر (1973)، وما بعدها من انقلابات دراماتيكية في السياسات والتوجهات حتى (25) يناير (2011)، وما تلاها من انقلابات دراماتيكية أخرى كان شاهدًا عليها ومؤثرًا فيها.

معنى الحياة انتهى عند رجلٍ يدرك فلسفة الوجود الإنساني وقيمة كل دقيقة في وضع بصمة أو التأثير في حركة.

في خريف (2015) صارحنى أنه يريد أن يتوقف عن أي حضور عام.

قلت: «أرجوك ألا تفعل ذلك، طالما أعطاك الله الصحة والهمة فلا تتوقف».

سأل مرة أخرى: «لماذا؟».

قلت: «معنى الحياة».

ردّد الجملة مرتين، ثم صمت كأنه في حوارٍ داخلى لا شأن له بما حوله.

بنبرة حزن لافتة للانتباه قال في مرة سابقة: «ربما تلكأت على المسرح».

كانت العبارة قاسية من رجلٍ وهبه الله الهمة العالية إلى الثانية والتسعين من عمره.

ـ «لا تقل ذلك مرة أخرى يا أستاذ هيكل».

«لا توجد أمة تحترم نفسها تسأل مواهبها الاستثنائية، عندما يتقدم بها العمر، أن تصمت وهي تستطيع أن تتكلم».

«الادعاء بأن للفكر عمرًا هو الجهل بعينه، واستعجال الرحيل هو خروج عن كل قيمة إنسانية.. فالله وحده هو الذي يعطي الهمة والعمر».

في ذكرى مرور أربعين يومًا على رحيله اتصلت بقرينته السيدة «هدايت تيمور» معزيًا، بعد أن زارت قبره للتو، قالت لي: «هل تعرف رأيه في علاقتكما؟».

قلت: «نعم».

ردّت: «ليس كما أعرف أنا».

«إنها تحفة الزمان».

الخسارة الشخصية فادحة برغم مرور السنين.

الخسارة العامة أفدح بقدر الحاجة الآن إلى نفاذ رؤيته على حافة «الحقبة الإسرائيلية»!

إقرأ على موقع 180  بعد وقف إطلاق النار.. قراءة في بعض المصطلحات

(*) عن جريدة “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "هآرتس": غارة حمص.. عرضُ قوة موجه ضد من؟