طوال العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران، حرصت واشنطن على إبراز تفوقها العسكري التقليدي. وقد تفاخر الرئيس دونالد ترامب وإدارته بحجم الإنجازات التي تحققت: أكثر من 10 آلاف طلعة جوية، واستهداف ما يزيد على 130 ألف هدف، واعتراض 1700 صاروخ وطائرة مسيّرة إيرانية، وتدمير معظم البنية المخصصة لإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن إغراق جزء كبير من القطع الحربية الإيرانية.
لكن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لم يكن الهدف الاستراتيجي الذي حدده ترامب في بداية الحرب. فقد تعهد بإسقاط النظام في طهران، وحماية الشعب الإيراني، وإنهاء النفوذ الإيراني الإقليمي، وانتزاع اتفاق نووي أفضل من اتفاق عام 2015. إلا أن أياً من هذه الأهداف لم يتحقق. فالنظام الإيراني صمد، ونجح في التكيف مع الحرب عبر استراتيجية استنزاف أرهقت القدرات الأميركية، وهددت البنية التحتية المدنية في أنحاء الشرق الأوسط، وأظهرت قدرة فعلية على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وفرض ضغوط على الاقتصاد العالمي.
وعلى الرغم من النجاحات العملياتية التي حققتها الولايات المتحدة، كشفت الحرب أيضاً عن أوجه قصور خطيرة. فقد أظهرت واشنطن قدرة استثنائية على حشد القوة الجوية والبحرية، وعززت تعاونها العسكري مع جيوش المنطقة، ولا سيما مع إسرائيل التي خاضت معها أول حملة عسكرية مشتركة بهذا الحجم. لكن هذه النجاحات التكتيكية لم تعوض الإخفاقات الاستراتيجية.
فواشنطن فشلت في بناء تحالف قتالي واسع قبل الحرب، كما أخفقت في إقناع المجتمع الدولي بأن إيران تمثل تهديداً وشيكاً يبرر المواجهة. ونتيجة لذلك، واجهت صعوبات في حشد إجماع دولي للتصدي للأساليب الإيرانية غير التقليدية أو فرض تسوية مستقرة لما بعد الحرب. كما أدت المواجهة إلى استنزاف ملموس للمخزون العسكري الأميركي، بما يطرح أسئلة جدية حول قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب مشابهة في المستقبل القريب.
والأهم أن الحرب أضعفت صورة الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الأول للشرق الأوسط. فعلى مدى عقود ارتكزت الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران على مواجهة ثلاثة عناصر رئيسية: البرنامج النووي، والترسانة الصاروخية، وشبكة الحلفاء الإقليميين. غير أن إضعاف هذه الركائز لم يكن كافياً لإسقاط النظام أو لإجباره على قبول تسوية تحقق المصالح الأميركية وحلفائها.
شرق أوسط أقل أماناً!
في الوقت نفسه، تغيرت طبيعة التهديد الإيراني بصورة لم تكن واشنطن مستعدة لها بالكامل. فالحرب لم تؤد فقط إلى اختبار قدرات إيران، بل سرعت عملية تكيفها الاستراتيجي. وخلال المواجهة استمرت جيوش المنطقة في الاعتماد على الولايات المتحدة في مجالي الدفاع الجوي والاستخبارات، لكن الردود الإيرانية أظهرت أن دول الخليج لم تعد بمنأى عن المخاطر التي كانت تعتقد سابقاً أنها بعيدة عنها.
وفي مفارقة لافتة للانتباه، كشفت الحرب عن فرص جديدة لتعزيز التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، إلا أن فجوة الثقة التي اتسعت بين الطرفين جعلت الاستفادة من هذه الفرص أكثر صعوبة. فدول الخليج باتت تطالب بضمانات أمنية أوضح، في وقت يتراجع فيه استعداد الرأي العام الأميركي والنخب السياسية لتحمل كلفة الانخراط العسكري طويل الأمد في المنطقة.
لذلك، لم يخرج الشرق الأوسط من الحرب أكثر أمناً أو استقراراً. وإذا كانت واشنطن قد أخفقت في تحقيق الأهداف الكبرى التي وضعتها قبل الحرب، فإن قدرتها على حشد الحلفاء في أزمات مقبلة ستتراجع، فيما سيشعر خصومها بثقة أكبر في مواجهة النفوذ الأميركي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للنهج الأميركي. فقاعدة الصناعات الدفاعية تحتاج إلى تسريع الابتكار وزيادة الإنتاج، كما يحتاج البنتاغون إلى تعديل خطط انتشاره وتطوير آليات التعاون مع الحلفاء. وفي ظل توجه دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، قد تجد واشنطن نفسها مضطرة للانتقال من دور “الضامن الأمني الوحيد” إلى دور “المنسق الرئيسي” لمنظومة أمنية إقليمية أوسع. وإذا أخفقت في تحقيق هذا التحول، فقد ينظر إليها حلفاؤها باعتبارها عبئاً على أمنهم أكثر من كونها رصيداً استراتيجياً لتعزيزه.
إنجاز باهر.. ولكن
بدأت الولايات المتحدة تعديل تموضعها العسكري في الشرق الأوسط قبل سنوات من الحرب. فبعد عقود من الاعتماد على قواعد كبرى في الخليج، اتجه البنتاغون تدريجياً نحو بناء شبكة انتشار أكثر مرونة تمتد من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، بهدف تقليل تعرض قواته للتهديدات الصاروخية الإيرانية.
وقبيل الحرب لم تلجأ واشنطن إلى حشد قوات ضخمة إضافية في القواعد التقليدية، بل افترضت مسبقاً أنها ستكون أهدافاً مباشرة للصواريخ الإيرانية، وعمدت إلى إخلاء أجزاء من قواتها ومنصاتها العسكرية. وفي المقابل، أدارت العمليات من مواقع أكثر تشتتاً، داخل المنطقة وخارجها، ما سمح لها بالحفاظ على وتيرة العمليات رغم الهجمات الإيرانية.
كما أظهرت الحرب نجاحاً لافتاً للانتباه في تنسيق منظومة دفاع جوي متعددة الجنسيات. فقد استفادت القيادة المركزية الأميركية من سنوات من العمل على دمج الرادارات وأنظمة الإنذار والدفاع الجوي لدى شركائها، مستفيدة من المناخ السياسي الذي وفرته اتفاقيات أبراهام. ونتيجة لذلك تمكنت غالبية دول المنطقة من اعتراض القسم الأكبر من الهجمات التي تعرضت لها.
واللافت للانتباه أن محاولات إيران لإحداث شرخ بين واشنطن وحلفائها الخليجيين جاءت بنتائج عكسية في المرحلة الأولى، إذ دفعت هذه الدول إلى مستويات أعلى من التعاون العسكري. كما سمحت بعض الحكومات الخليجية للقوات الأميركية باستخدام أراضيها ومجالاتها الجوية لتنفيذ عمليات مباشرة ضد إيران، وهو ما عكس مستوى غير مسبوق من التنسيق الأمني.
نداء للتعبئة
شكّل الدعم الذي قدمته المعدات الأميركية لإسرائيل ودول الخليج خلال الحرب دليلاً على استمرار أهمية الشراكات العسكرية الأميركية في المنطقة. كما أكدت الحرب أن الوجود العسكري الدائم في القواعد التقليدية لم يعد شرطاً أساسياً للحفاظ على النفوذ أو القدرة على التدخل، ما يعزز التوجه الأميركي نحو نماذج انتشار أكثر مرونة.
ومن المرجح أن يواصل البنتاغون تطوير ما يعرف بـ”شبكة الوصول الغربية”، عبر توسيع اتفاقيات الوصول العسكري ونشر المعدات على امتداد البحر الأحمر وفي إسرائيل. كما قد يعيد هيكلة القوات المخصصة لمهام مكافحة الإرهاب في العراق وسوريا بما يتناسب مع تراجع تلك المهام.
غير أن تحديث الانتشار العسكري الأميركي يواجه معضلة أساسية: فشركاء واشنطن الإقليميون قد يفسرون أي تقليص للوجود العسكري التقليدي على أنه تراجع في الالتزام الأميركي بأمنهم. ولذلك ستحتاج الولايات المتحدة إلى اعتماد صيغ جديدة للتمركز والتدريب، وربما إلى تخصيص مستوى ثابت من القوات للمنطقة على غرار ما تفعله في أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، بما يبعث برسائل طمأنة للحلفاء ويسهل التخطيط الدفاعي على المدى الطويل.
وقد مكّنت المخزونات الحالية للبنتاغون من التفوق على إيران، لكن ذلك جاء على حساب جبهات أخرى وأولويات مختلفة. ووفقاً لتقديرات “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”، فقد أنفقت أميركا كميات هائلة من الذخائر لضرب أهداف داخل إيران نفسها: أكثر من ألف صاروخ “توماهوك كروز” في غضون أسابيع قليلة، بينما لا تستطيع إنتاج سوى 90 إلى 100 صاروخ سنوياً. كما استخدمت ما لا يقل عن 190 صاروخاً اعتراضياً من طراز “ثاد” و1060 صاروخاً اعتراضياً من طراز “باتريوت” خلال الفترة من 28 شباط/فبراير إلى 8 نيسان/أبريل فقط. وتمثل هذه الأرقام حوالي 53% و46% من مخزون الولايات المتحدة قبل الحرب، على التوالي. وبالمعدلات التي تستطيع بها تجديد هذه الصواريخ الاعتراضية، لن تتمكن من مواجهة التهديدات الجوية في جبهات متعدّدة إذا دعت الحاجة..
لهذا، ستحتاج الولايات المتحدة إلى تسريع عمليات الشراء والتوريد العسكري، وإزالة القيود التي تعرقل نقل التكنولوجيا والتطوير المشترك مع الحلفاء، إضافة إلى الاستثمار في الذخائر الأقل كلفة والأكثر ملاءمة للحروب الحديثة. كما سيكون عليها الاستفادة بصورة أفضل من الخبرات التي راكمتها أوكرانيا وإسرائيل في مجالات الطائرات المسيّرة والحرب الشبكية.
التكيف الإيراني
إذا كانت الحرب قد أثبتت قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، فإنها أظهرت أيضاً قدرة طهران على التعلم والتكيف.
فبعد حرب حزيران/يونيو عام 2025، أعادت إيران النظر في أسلوب إدارة عملياتها العسكرية، وتوصلت إلى أن المركزية المفرطة في اتخاذ القرار تقلل من فاعلية الرد. لذلك اعتمدت نموذجاً أكثر مرونة يقوم على تفويض الصلاحيات إلى مستويات أدنى ومنح موافقات مسبقة على توسيع العمليات، ضمن ما تسميه “الدفاع الفسيفسائي”.
وعلى الرغم من الضربات التي استهدفت القيادة والسيطرة، حافظت الردود الإيرانية على قدر من التماسك والقدرة على المبادرة. كما غيرت طهران أسلوبها من استهداف إسرائيل والولايات المتحدة مباشرة إلى توسيع دائرة الضغط على دول الجوار التي تستضيف قواعد أميركية.
ولم تعد الطائرات المسيّرة تُستخدم فقط لضرب الأهداف، بل أيضاً لاستنزاف الدفاعات الجوية واختبار شبكات الرصد والإنذار. كما توسعت الهجمات لتشمل منشآت مدنية ومرافق حيوية، بما حوّل الحرب الاقتصادية والنفسية إلى جزء أساسي من الاستراتيجية الإيرانية.
أما المجال البحري فبرز بوصفه نقطة القوة الأهم لإيران. فبدلاً من مواجهة التفوق البحري الأميركي مباشرة، اعتمدت طهران على مزيج من القوارب السريعة والطائرات المسيّرة والألغام ووحدات الإطلاق الساحلية لخلق حالة دائمة من عدم اليقين الملاحي في مضيق هرمز. وقد نجحت هذه الاستراتيجية في تعطيل جزء مهم من حركة التجارة ورفع تكاليف التأمين والنقل وإحداث ضغوط واسعة على الأسواق العالمية.
التكيف أو الفناء
أثبتت الحرب أن الجيش الأميركي، بالتعاون مع إسرائيل، قادر على إضعاف خصومه بسرعة كبيرة. لكنها أظهرت أيضاً أن إيران أصبحت قادرة على فرض كلفة مرتفعة على خصومها بوسائل جديدة، وأن قدرتها على التكيف أثناء النزاع كانت أكبر مما توقعته واشنطن.
وبذلك لم تقتصر نتائج الحرب على قياس حجم الخسائر التي تكبدتها إيران، بل كشفت أيضاً قدرتها على تحويل نقاط ضعفها التقليدية إلى أدوات ضغط جديدة. وأدى ذلك إلى زيادة هشاشة البيئة الأمنية في الخليج وإلى رفع مستوى المخاطر المرتبطة بالطاقة والتجارة البحرية العالمية.
لكن المعضلة الأكبر بالنسبة إلى الولايات المتحدة تبقى في عجزها عن تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب استراتيجية مستدامة. ففي الوقت الذي تتطلع فيه دول المنطقة إلى ضمانات أمنية إضافية، يتزايد التردد داخل الولايات المتحدة تجاه توسيع الالتزامات العسكرية الخارجية.
وقد برز ذلك بوضوح خلال ما عُرف بـ”مشروع الحرية” لإعادة فتح مضيق هرمز، حين فرضت بعض الدول الخليجية قيوداً مؤقتة على استخدام أراضيها ومجالها الجوي بعد شعورها بأن واشنطن لم توفر رداً كافياً على بعض الهجمات الإيرانية. ورغم عودة التعاون لاحقاً، فإن هذه الحوادث كشفت هشاشة الثقة المتبادلة وإمكانية تكرارها مستقبلاً.
وفي الوقت نفسه، تواصل دول الخليج تنويع مصادر تسليحها وشراكاتها الدفاعية، وهو اتجاه مرشح للتوسع مع سعي قوى دولية أخرى إلى تعزيز حضورها في المنطقة. ومن هنا تبرز حاجة واشنطن إلى التعامل مع هذا التحول باعتباره فرصة لإعادة تعريف دورها، لا تهديداً لنفوذها.
وقد يشكل الانتقال من دور “الضامن الأمني الوحيد” إلى دور “المنسق الأمني الرئيسي” أساساً لاستراتيجية جديدة تقوم على تقاسم الأعباء وتوسيع التعاون متعدد الأطراف. كما أن تنامي الدعوات إلى أطر دفاعية جماعية في المنطقة قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية أكثر توازناً وأقل اعتماداً على الولايات المتحدة وحدها.
الخلاصة
في المحصلة، أظهرت الحرب على إيران القيمة العملياتية الكبيرة التي ما زالت الولايات المتحدة تمثلها لحلفائها، لكنها كشفت في الوقت نفسه اتساع الفجوة بين التفوق العسكري والتأثير السياسي. فواشنطن نجحت في إدارة واحدة من أكبر الحملات العسكرية في تاريخ المنطقة الحديث، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في فرض نتائج استراتيجية دائمة.
ولهذا قد تُذكر هذه الحرب مستقبلاً بوصفها مثالاً صارخاً على مفارقة القوة الأميركية في القرن الحادي والعشرين: قدرة هائلة على تحقيق الانتصار العسكري، مقابل صعوبة متزايدة في تحويله إلى نفوذ سياسي مستدام، وفي لحظة بدأ فيها الشرق الأوسط يتحرك تدريجياً نحو نظام إقليمي أقل اعتماداً على الهيمنة الأميركية وأكثر تنوعاً في شراكاته وتحالفاته.
– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.
* دانا سترول، مديرة الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، شغلت منصب نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الشرق الأوسط (2021 – 2023).
