«القرنة البيضا».. القمة التي أنزلها يحيى جابر إلى الخشبة

هي المرة الثالثة التي يدعوني فيها يحيى جابر إلى مشاهدة "القرنة البيضا". اعتذرت عن الأولى بداعي السفر، وعن الثانية بداعي الحرب. أمّا الثالثة فقد انتصرت على الأعذار كلّها، فوجدت نفسي في مقعدي في مسرح مونو كأنني أستردّ فرحاً أفلت من يدي مرّتين.

يقولون إن الثالثة ثابتة، لكنّ أحداً لم يقل إنّها قد تضعك أمام سؤال أكثر إرباكاً: ماذا تكتب عن عملٍ كُتب عنه الكثير؟ ماذا تضيف إلى عشرات المقالات التي تناولت النصّ والأداء والبيئة والرموز؟

طارت السكرة وجاءت الفكرة.

أدركت أنّني لست أمام مسرحية جديدة فحسب، بل أمام محطة جديدة في مشروع يحيى جابر المسرحي؛ ذلك المشروع الذي يحاول منذ سنوات أن يرسم خريطة لبنان من خلال ناسه وحكاياته ولهجاته وذاكرته الشعبية. ففي “القرنة البيضا” يصل يحيى جابر إلى الشمال، إلى زغرتا وإهدن، حيث تتشابك الأسطورة مع الواقع، والخرافة مع التاريخ، وتخرج الحكايات من ضباب الجبال كأنها كانت تنتظر من يوقظها على الخشبة.

بهذا المعنى، لم أذهب لأبحث عمّا كُتب عن المسرحية، بل عمّا لم يُكتب بعد. ذهبت لأرى كيف يتحوّل المكان إلى بطل، وكيف يصبح الإنسان أسير ذاكرته وخوفه وحنينه، وكيف تستطيع ممثلة واحدة أن تحمل قرية كاملة على كتفيها. ومن هنا تبدأ حكايتي مع “القرنة البيضا”

***

منذ أن عُرضت مسرحية «القرنة البيضا» للفنان اللبناني يحيى جابر، انشغل معظم من كتبوا عنها بالحديث عن براعة النص، خفة السرد، أداء ماريا الدويهي الآسر، وقدرتها على التنقل بين الشخصيات والحكايات.

ركّزت المقالات النقدية على البعد الشعبي للعمل، وعلى استحضاره ذاكرة الشمال اللبناني، وعلى مهارة يحيى جابر في التقاط تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى مادة مسرحية نابضة بالحياة. وتوقفت قراءات أخرى عند الحضور النسائي الطاغي في العرض، وعند تلك العلاقة الحميمة التي تنشأ بين الممثلة والجمهور، حتى يبدو المسرح أشبه بجلسة اعتراف جماعية.

***

قبل أن أصل إلى خشبة مسرح “المونو”، كان عليّ أن أُمرّن ذاكرتي الشخصية مع تلك البلاد التي أخذنا يحيى إليها؛ ففي الشمال اللبناني، حيث تتشابك الأسطورة بالتاريخ، تقف زغرتا وإهدن كوجهين لحكاية واحدة؛ الأولى، متجذرة في الأرض كالسنديانة؛ والثانية، معلّقة بين الغيم والصنوبر كقصيدة لم تكتمل بعد. هناك ما زال اسم يوسف بك كرم يحضر كأحد أولئك الرجال الذين تحوّلوا إلى جزء من هوية المكان، لا مجرد صفحة في كتاب تاريخ.

أما أنا، فأعرف إهدن من باب آخر. من صيفيات العائلة في «Le Tournant»، حيث كنا نستأجر شاليهاً كل عام. كنا نصعد إلى الجبل محمّلين بضجيج المدن، ونعود محمّلين بصدى النفس المتعالية على الضجيج. أعرف طرقاتها التي تلتف بين الأشجار، وضبابها الذي كان يزور الشرفات قبل أن يزور الوديان.

أعرف نبع جوعيت الذي يخرج من قلب الصخر كأن الأرض تبوح بسرّها الأخير. وأعرف دير مار سركيس، حيث يصبح الصمت لغة كاملة، وحيث تبدو الحجارة العتيقة وكأنها تحفظ في مسامها صلوات القرون.

أما زغرتا، فقد عرفتها من باب الكرم. دعانا صديق من أهلها إلى خبز وملح، فإذا بالمائدة تتحول إلى احتفال كامل بالحياة. كبة نية، ومشوية، ومقلية، وأصناف لا تنتهي. يومها فهمت أن بعض المناطق لا تستضيفك، بل تتبناك أو تسرقك لساعات.

لهذا السبب لم أكن أشاهد «القرنة البيضا» من الخارج. كنت أدخل إليها من باب الذاكرة.

***

وأنا أتابع فقرات المسرحية شعرت أنني لا أجلس في مقعد داخل مسرح مونو، بل أمشي في أعطاف قلبي. كنت أتنقل بين مشهد وآخر كما يتنقل المرء بين غرف عمره؛ أفتح باباً فتخرج منه رائحة صيف بعيد، وأفتح آخر فتطل منه وجوه غابت وبقي أثرها.

نجح يحيى جابر في تحويل “القرنة البيضا” من موقع جغرافي إلى استعارة كبرى. أما ماريا الدويهي فكانت أشبه بدليل جبلي يقود الجمهور في تضاريس الذاكرة والحنين والضحك والوجع. لم تكن تروي الحكايات فقط، بل كانت تستخرجها من داخلنا.

لكن ثمة أمر ينبغي التوقف عنده.

فالقرنة البيضا لا تبدو عملاً منفصلاً في تجربة يحيى جابر، بل امتداداً طبيعياً لمشروع مسرحي راكمه هذا الفنان الدؤوب بهدوء وصبر طوال ثلاثة عقود من الزمن. فمن “إلىيللي.. خلق علق”، “ابتسم أنت لبناني”، “يا يحيى خذ الكتاب بقوة”، “بيروت.. الطريق الجديدة” و”بيروت فوق الشجرة”، وصولاً إلى تجاربه مع أنجو ريحان، ثم ماريا الدويهي، يواصل يحيى جابر الحفر في الذاكرة الاجتماعية اللبنانية، ملتقطاً الشخصيات الهامشية واللهجات المحلية والعادات والخسارات الصغيرة، وأشكال العيش التي نادراً ما تجد مكاناً لها في المسرح التقليدي.

***

لا تكمن ميزة يحيى جابر في الكتابة وحدها، بل في امتلاكه ما يشبه حاسة التنقيب المسرحي عن الأصوات والوجوه القادرة على حمل هذا النوع من السرد. فهو لا يختار ممثليه بوصفهم مؤدين لنصوصه فحسب، بل بوصفهم خزانات للذاكرة، وأصحاب حضور قادر على تحويل الحكاية الفردية إلى تجربة جمعية. ولعل تجربته مع أنجو ريحان (“شو منلبس” و”مجدرة حمرا”)، ثم مع ماريا الدويهي في «القرنة البيضا»، تكشف عن قدرة خاصة لديه على اكتشاف ممثلات يمتلكن موهبة نادرة في الجمع بين الأداء التمثيلي وفن الحكواتي، وبين الكوميديا الرشيقة والقدرة على استدعاء الحنين من دون الوقوع في الابتذال أو النوستالجيا السهلة.

إقرأ على موقع 180  دراسة عبرية: فرص الاتفاق النووي والتداعيات المحتملة على إسرائيل

بهذا المعنى، تبدو «القرنة البيضا» أقل شبهاً بمسرحية قائمة بذاتها، وأكثر شبهاً بمحطة جديدة في مشروع فني يعمل على إعادة اكتشاف لبنان من أطرافه، ومن ذاكرة ناسه، ومن تلك الأمكنة التي تبدو هامشية على الخريطة، لكنها تحتل موقعاً مركزياً في الوجدان اللبناني.

لكن ثمة أمر آخر ينبغي أيضاً التوقف عنده؛ فالمسرحية، في جوهرها، ليست عن القرنة البيضاء إطلاقاً. إنها عن المسافة بين القمة والإنسان. عن ذلك التوق الغامض الذي يدفع البشر دائماً إلى الصعود، لا للوصول بل للبحث. البحث عن معنى، أو ذكرى، أو مصالحة مؤجلة مع الذات.

فالقرنة البيضاء في العرض ليست جبلاً من صخر وثلج، بل صورة لما تبقى من لبنان في مخيلتنا. لبنان الذي نصعد إليه في ذاكرتنا كلما هبط الواقع إلى درك جديد من الخيبة.

ولهذا خرجت من المسرح وأنا أفكر أن يحيى جابر لم يضع الجبل على الخشبة ولا الخشبة على الجبل.

لقد جعل المسرح يتخلى عن جدرانه وأضوائه ليصبح طريقاً وعراً، ووادياً، وريحاً، وبيتاً قروياً، وموقدة حطب، وامرأة تحمل حكايات الناس كما يحمل الرعاة قناديلهم في العتمة.

ذلك ما لم يقاربه أحد، على الأقل كما شعرت به أنا.

باختصار؛ «القرنة البيضا» ليست مسرحية تُشاهد، بل مكان يُزار.

وحين نغادر القاعة لا نخرج منها متفرجين، بل عائدين من رحلة طويلة في جبل يسكن داخل كل واحد منا، وفي لبنان آخر ما يزال ممكناً في الذاكرة، حتى لو استعصى على الواقع.

 

Print Friendly, PDF & Email
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  سياسة حياد إيجابي ناشط.. ضرورة للبنان