إيران وتركيا وإسرائيل.. صُنّاع التحولات الإقليمية

شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة أعادت رسم خرائط النفوذ والصراع فيه، وكان لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب إيران بمؤسساتها السياسية والأمنية والعسكرية، دور بارز في هذه التحولات. فقد تجاوز تأثير هذه القوى حدود إدارة شؤون دولها، لتصبح من أبرز الأطراف التي أسهمت في إعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.
وبرغم الاختلاف الواضح في المرجعيات الفكرية والأهداف الاستراتيجية لكل دولة من هذه الدول، فقد اشتركت في السعي إلى توسيع هامش تأثيرها وإعادة تعريف موقعها الإقليمي. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل كانت هذه القوى صانعة للأزمات والحروب في الشرق الأوسط، أم أنها تحركت ضمن بيئة جيوسياسية دفعتها إلى تبني سياسات أكثر صدامية وتنافسية؟
أولاً: من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية
تُميز نظريات العلاقات الدولية بين القادة والدول الذين يكتفون بإدارة الأزمات القائمة، وبين أولئك الذين يسعون إلى إعادة هندسة البيئة السياسية التي تنتج تلك الأزمات. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى إسرائيل في عهد نتنياهو، وتركيا في عهد أردوغان، وإيران الخامنئي بمشروعها الإقليمي، بوصفها قوى سعت إلى تجاوز منطق التكيف مع البيئة الاستراتيجية نحو محاولة إعادة تشكيلها.
فنتنياهو لم يكتف بإدارة الصراع العربي ـ الإسرائيلي ضمن قواعده التقليدية، بل عمل على إعادة تعريفه وفق منطق التفوق الأمني الدائم ومنع أي تهديد مستقبلي لإسرائيل. وفي المقابل، لم يكتفِ أردوغان بإدارة المصالح التركية ضمن حدود الدولة القومية، بل أعاد تقديم تركيا كقوة إقليمية فاعلة تسعى إلى التأثير المباشر في محيطها الجغرافي والسياسي. أما إيران، فقد سعت منذ عقود إلى بناء شبكة نفوذ إقليمية واسعة تقوم على التحالفات السياسية والعسكرية، بما يضمن لها دوراً محورياً في معادلات المنطقة ويمنحها قدرة أكبر على مواجهة الضغوط والتهديدات الخارجية.
هذا الانتقال من التكيف مع البيئة الإقليمية إلى محاولة إعادة تشكيلها جعل من هذه الدول شركاء في معظم ملفات الشرق الأوسط الساخنة.
ثانياً: نتنياهو وعقيدة التفوق الأمني المستدام
ارتكز المشروع السياسي والأمني لنتنياهو على قناعة راسخة مفادها أن أمن إسرائيل لا يتحقق عبر الدفاع السلبي عن الحدود، بل عبر المحافظة على تفوق استراتيجي دائم يمنع ظهور التهديدات قبل اكتمالها.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، توسعت الاستراتيجية الإسرائيلية لتشمل عمليات عسكرية متكررة في غزة وسوريا ولبنان، إلى جانب المواجهة المستمرة مع إيران وشبكات حلفائها الإقليميين. ولم تعد إسرائيل، وفق هذا المنطق، تنتظر الخطر حتى يصل إلى حدودها، بل تسعى إلى ضربه في مراحله الأولى وأينما وجد.
غير أن هذه المقاربة تحمل تناقضاً استراتيجياً واضحاً؛ فكلما اتسع نطاق العمليات العسكرية واتخذت طابعاً استباقياً، ازدادت الجبهات المحتملة واتسعت دائرة الخصوم. وهكذا يجد المشروع الأمني نفسه أمام معضلة دائمة تتمثل في أن السعي إلى تحقيق الأمن عبر القوة قد يؤدي إلى إنتاج مصادر جديدة لعدم الاستقرار.
ثالثاً: أردوغان وعقيدة النفوذ خارج الحدود
على الضفة الأخرى، بنى أردوغان رؤيته للأمن القومي التركي على فكرة أن استقرار تركيا يبدأ خارج حدودها وليس عندها. في هذا السياق جاءت جملته الأخيرة بأن أمن بلاده لا يبدأ من ولاية هاتاي التركية، بل من حلب ودمشق وبيروت. من هذا المنطلق، توسع الحضور التركي في ملفات عديدة شملت شمال سوريا والعراق وليبيا وفلسطين ولبنان وشرق المتوسط والقوقاز، إضافة إلى الانخراط المتزايد في العديد من قضايا المنطقة.
وقد أدى هذا النهج إلى انتقال تركيا من دولة تركز على حماية حدودها إلى قوة إقليمية تسعى إلى إدارة فضاء نفوذ أوسع يمتد إلى عدة ساحات جغرافية. غير أن هذا التمدد جعلها أيضاً طرفاً مباشراً في عدد متزايد من النزاعات الإقليمية، وفتح الباب أمام احتكاكات مستمرة مع قوى إقليمية ودولية متعددة.
وبذلك أصبحت تركيا لاعباً محورياً في معادلات الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه باتت أكثر عرضة لتداعيات الأزمات التي تسعى إلى التأثير فيها.
رابعاً: إيران وعقيدة النفوذ عبر الشبكات الإقليمية
أما إيران، فقد اعتمدت مقاربة مختلفة نسبياً تقوم على بناء عمق استراتيجي خارج حدودها من خلال شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في عدد من الساحات العربية والإقليمية. وقد انطلقت هذه الاستراتيجية من قناعة مفادها أن حماية الأمن القومي الإيراني لا تبدأ عند الحدود الجغرافية للدولة، بل عبر امتلاك أوراق قوة وتأثير في البيئات المحيطة بها.
وقد مكّنت هذه المقاربة إيران من التحول إلى لاعب أساسي في ملفات العراق وسوريا وغزة ولبنان واليمن، ومن امتلاك قدرة مؤثرة في التوازنات الإقليمية. إلا أن هذا التوسع جعلها أيضاً في قلب معظم الصراعات الكبرى التي شهدتها المنطقة، وأدخلها في مواجهات مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة وعدد من القوى الإقليمية.
خامساً: الأمن والنفوذ كمدخلين لإدارة المنطقة
على الرغم من اختلاف الأدوات، تلتقي إسرائيل وتركيا وإيران عند نقطة أساسية تتمثل في النظر إلى الشرق الأوسط من زاوية القوة والأمن والنفوذ أكثر من زاوية التسويات السياسية الشاملة.
بالنسبة إلى نتنياهو، يشكل التفوق العسكري والردع أساس الاستقرار. أما بالنسبة إلى أردوغان، فإن توسيع النفوذ السياسي والعسكري هو الطريق إلى ضمان الأمن القومي التركي. وفي المقابل، ترى إيران أن بناء شبكة نفوذ إقليمية متماسكة يشكل الضمانة الأساسية لأمنها ومكانتها الاستراتيجية.
إلا أن التجربة التاريخية للمنطقة تظهر أن الشرق الأوسط لم يعانِ يوماً من نقص في القوة أو النفوذ، بل من غياب التفاهمات الإقليمية المستقرة والآليات القادرة على إدارة التنافس بصورة سلمية. ولذلك فإن الاعتماد المفرط على القوة كثيراً ما أدى إلى إنتاج أزمات جديدة بدلاً من إنهاء الأزمات القائمة.
سادساً: في عصر الحروب الشبكية
تزامنت هذه المرحلة مع تحولات جوهرية في طبيعة الصراعات المعاصرة. فلم تعد الحروب تقتصر على المواجهات التقليدية بين الجيوش النظامية، بل أصبحت تشمل الحروب بالوكالة، والحروب الاقتصادية، والمواجهات السيبرانية، والصراعات الإعلامية والمعلوماتية.
وفي هذا السياق، ساهمت سياسات الأطراف الثلاثة في تكريس هذا النموذج الجديد من الصراع. فإسرائيل باتت تخوض مواجهات متعددة المستويات مع فاعلين غير دولتيين وشبكات إقليمية متنوعة، بينما وجدت تركيا نفسها تتعامل مع بيئات أمنية متحركة تتداخل فيها التنظيمات المسلحة مع المصالح الدولية والإقليمية، في حين اعتمدت إيران بصورة كبيرة على أدوات النفوذ غير المباشر والشبكات الإقليمية لتعزيز حضورها الاستراتيجي.. وهكذا تحول الشرق الأوسط تدريجياً إلى ساحة مفتوحة لحروب مستدامة يصعب تحديد بداياتها أو نهاياتها.
سابعاً: ما وراء نتنياهو وأردوغان وإيران
مع ذلك، فإن تحميل هذه الأطراف وحدها مسؤولية أزمات المنطقة يبقى تبسيطاً مفرطاً للواقع. فسياساتها لا يمكن فصلها عن السياق الدولي والإقليمي الأوسع الذي يشهد تنافساً مستمراً بين القوى الكبرى على النفوذ والموارد والمواقع الاستراتيجية.
فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على موقعها القيادي في المنطقة، بينما تحاول روسيا استعادة حضورها الجيوسياسي، وتتقدم الصين تدريجياً عبر أدوات اقتصادية واستثمارية متنامية. وفي الوقت نفسه تستمر التنافسات الإقليمية على النفوذ والأمن والطاقة والممرات الاستراتيجية. ولا يجب أن يغيب عن البال دور مصر التي تبين لها بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أن سياسة الانكفاء إقليمياً لن تحمي حدودها بل على العكس، حيث باتت مزنرة بالنار من سيناء وغزة والسودان وليبيا وسد النهضة وحتى التنافس على الغاز في شرق المتوسط. وهناك الدور السعودي الذي لم يعد يحتمل أيضاً المضي في سياسة الانكفاء، بل صار مطلوباً من المملكة الانخراك أكثر فأكثر في أي مشروع يحمي الأمن الإقليمي وإلا سيصيبها ما أصاب مصر، خاصة وأن النار قابلة للتدحرج من بيروت إلى الرياض.
ضمن هذا المشهد المعقد، يمثل نتنياهو أحد أبرز وجوه المشروع الأمني الإسرائيلي، ويجسد أردوغان نموذج القوة الإقليمية الساعية إلى توسيع استقلاليتها ودورها الجيوسياسي، فيما تمثل إيران نموذج الدولة التي تسعى إلى تعزيز مكانتها الإقليمية عبر بناء منظومة نفوذ عابرة للحدود. أما الدول العربية الوازنة مثل مصر والسعودية، فإنها لم تبلور أي مشروع خارج حدودها حتى الآن.
خاتمة
لا يمكن القول إن نتنياهو وأردوغان وإيران هم وحدهم من أشعلوا حروب الشرق الأوسط أو أعادوا تشكيل أزماته، فالصراعات الراهنة هي نتاج تراكمات تاريخية وبنيوية معقدة، وتداخل مستمر بين العوامل المحلية والإقليمية والدولية. إلا أن سياساتهم أسهمت بوضوح في تعميق الاستقطابات والنزاعات الإقليمية.
لقد شكّل التفاعل بين المشروع الأمني الإسرائيلي، والمشروع الإقليمي التركي، والمشروع الاستراتيجي الإيراني أحد أبرز العوامل التي أعادت رسم الخريطة السياسية والأمنية للشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين. فكل طرف سعى إلى تعزيز أمنه القومي ومكانته الإقليمية، إلا أن تداخل هذه المشاريع وتنافسها المستمر أدى في كثير من الأحيان إلى إنتاج مزيد من التوترات والصراعات بدلاً من بناء منظومة إقليمية أكثر استقراراً.
ولعل المفارقة الأبرز أن الفاعلين الإقليميين الذين سعوا إلى ترسيخ الأمن وتعزيز النفوذ الاستراتيجي لدولهم أصبحوا من أبرز رموز مرحلة تاريخية تحولت فيها الحرب من حدث استثنائي إلى حالة إقليمية شبه دائمة، ومن أداة سياسية محدودة إلى بنية مستمرة تحكم تفاعلات الشرق الأوسط المعاصر.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أوهام المعارضة والموالاة.. وحقيقة الدائرة الفردية
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  إيران والغرب.. يدٌ على "الزناد" وأخرى ممدودة للتفاوض