حرب المعنى: كيف يُصنع الوعي المهزوم؟

لم تكن الحروب يومًا مجرد بارود ونار؛ بل هي في جوهرها صراع على «المعنى». تسعى السلطة الغاشمة لتأبيد سيطرتها بقتل الجسد والفكرة التي حرّكته ليكون مشتَبِكًا ثوريًّا، وتقوم بذلك عبر تفكيك لغته وقيمه وذاكرته ومؤسساته، حتى يصبح وجوده بلا معنى. وهذا ما يجعلنا على تخوم مفهوم «الإبادة الثقافية»، لا سيّما في فلسطين ولبنان، من خلال تدمير الثقافة وتفكيك المجتمع واستئصال ذاكرته الخاصة بما يكون له أثر يفوق الرصاص وأكثر؛ فالرصاص يقتل الجسد، أما "الإبادة الثقافية" وكيّ الوعي فيقتلان المعنى الذي يجعل الجسد قادرًا على النهوض من جديد.

في البداية، ثمّة سؤال إشكالي ملحّ يتطلّب منا الإجابة: كيف يتكوّن «الوعي المهزوم»؟ وكيف يُطبَّق في لبنان على وجه التحديد ليتبرعم في دواخل الأفراد والجماعات، حيث لا يرى ذاته جديرة بالبقاء إلا بشرط التخلي عنها؟

تعتمد القوى المهيمنة على ما أسماه نعوم تشومسكي «صناعة الإجماع»؛ وهي استراتيجية لا تقوم على الكذب الفجّ، بل على هندسة الزوايا الإعلامية وتكرارها حتى تتحول الهزيمة إلى «منطق عقلاني» وحيد. في هذا السياق، يُصوَّر المتمسك بالهوية والحق بـ”المجنون» أو «المتخلف»، ويُدفَع إلى الخجل من روايته الخاصة والتشكيك في جدوى مقاومته.

«كيّ الوعي» هذا، يهدف إلى إنتاج مجتمع حيّ من الخارج، لكنه ميت من الداخل، يتحرك على أساس منظومة فكرية غريبة عنه، بل هي السبب في تيهه وضعفه. وهنا تبرز خطورة «الوعي المهزوم» حين لا يرى الفرد ذاته جديرة بالبقاء إلا بشرط التخلي عن جوهرها، فتتحول عبارات مثل «نحن لا نقدر» أو «نحن فاشلون بطبعنا» من مجرد شعور بالإحباط إلى عقيدة جماعية راسخة.

وفي هذا السياق، يصبح مفهوم «صناعة الإجماع والمقبولية» مهمًا، ليس لأن كل ما يُقال «كذب»، بل لأن انتقاء الزوايا وتكرارها يخلقان «عقلانية» ويجترحان منطقًا مهيمنًا ينسف ما عداه باعتباره جنونًا وجنوحًا وضلالًا عن جادة الصواب. وتكون النتيجة تبريرًا للقهر داخل الضحية نفسها، وليس فقط أمام العالم: أن تُخجل من لغتها، وأن تشكّ في روايتها، وأن ترى مقاومتها «تخلّفًا».

نموذج الهنود الحمر: تأبين الضحية!

يختصر التاريخ هذه الفلسفة في مقولة ريتشارد هنري برات (1892) الشهيرة بخصوص الهنود الحمر:

«أقتل الهندي في داخله وأنقذ الرجل».
“Kill the Indian in him, and save the man.”

كان النموذج الأميركي مثالًا مبكرًا على تلازم الإبادة الجسدية مع «الاستيعاب القسري»، حيث حُوِّلت الضحية لاحقًا إلى مجرد «مادة توثيقية» أو نصب تذكاري لعرق زائل، للإجابة عن تساؤلات المنتصر حول طبيعة من كان يعيش على هذه الأرض. فمع وصول أول موجة استعمارية كبيرة إلى فرجينيا وتأسيس مستعمرة «جيمس تاون» عام 1609، تحوّلت العلاقة مع قبيلة «البواتان» من تبادل تجاري إلى صدام دموي، ثم تدرّجت أدوات الضغط من حرق المحاصيل إلى أساليب الغدر، كما حصل في «حفل السلام» الذي انتهى بمقتل 157 شخصًا من ممثلي “البواتان” ممّن وثقوا بالدعوة إلى السلام.

لم يتوقف مشروع «الاستيعاب القسري» عند منطق القتل، بل تعدّاه إلى منطق «التمدين» و«التعليم» عبر التنصير والتجميع في ما سُمّي «بلدات الصلاة الهندية» أو المدارس الاستعمارية، وصولًا إلى التهجير غربًا بعد عام 1640 والاستيلاء على الأرض والممتلكات. ثم حلّت المفارقة الأكثر قسوة ودلالة عندما تحوّلت الضحية إلى موضوع توثيق، وهذا يظهر بوضوح عندما بدأت وزارة الحربية الأميركية في عشرينيات القرن التاسع عشر بجمع وتوثيق ما يتعلّق بالشعوب الأصلية، والتعاون مع الرسّام «جورج كاتلين» الذي زار 48 قبيلة ورسم 470 لوحة، معتبرًا عمله «نصبًا تذكاريًا لعرق زائل»، ليجيب بتوثيقه عن سؤال وزير الحربية آنذاك «جيمس باربر»: أيّ إنسان كان الهندي الأميركي الأحمر؟

كيف تُصنع الانهزامية لبنانيًا؟

قد يبدو لدى البعض أن ما يجري حاليًا في لبنان لا يتطابق مع مشهدية التاريخ في ما يتعلّق بصناعة «الوعي المهزوم»، وأن ما يجري في غزة والضفة، وقبلها في أراضي 1948، لا يرقى إلى مستوى الإبادة الثقافية، وأن الحالة الشعبية والرسمية، العربية والإسلامية، لم تصل إلى مستوى الانهزام الشعوري؛ ولكن من ينكر أن حرب «المعنى» تتكرر بأشكال جديدة: اقتصاد، قانون، إعلام، وخطاب دولي؟

فتحت حرب الـ66 يومًا عام 2024 وتداعياتها شهية خصوم المقاومة في لبنان للعمل بأقصى ما يملكون من قوة إعلامية وسياسية، حيث أصبح ملف المقاومة وسلاحها أحد أكثر المواضيع جاذبية لإنتاج «وعي مهزوم»، عبر تصوير المقاومة باعتبارها «الشيطان الأكبر»، وتحميلها تراكم الفشل الوطني على مستوى هشاشة الاجتماع اللبناني، وهشاشة الدولة كمنظومة قهرية، وهشاشة الاقتصاد كطريق إلى الدعة والرخاء والاستقرار، بكل ما يحمل ذلك من معاكسة لمنطق التاريخ والعامل الواحد. فيما يعرف هؤلاء – في قرارة أنفسهم – أن الإفقار في لبنان سياسة متعمدة لا تتحملها جهة واحدة، وأن الفشل العميم ناشئ من أسباب عديدة وتراكمات تمتد لسنوات وعقود خلت.

وحين تُربط إعادة الإعمار والدعم الدولي بشروط سياسية – وبخاصة ملف السلاح – فهذا لا يضغط على القرار فقط، بل يضغط على الوعي، ويجعل الناس ترى أن لقمة العيش لا تأتي إلا من بوابة تغيير جوهر «القضية». هنا تتجسد «صناعة الوعي المهزوم» في قالب حديث، ليس عبر إسقاط كلمة «مقاومة» من البيان الوزاري فقط، بل عبر جعلها تبدو عقبة أمام الخلاص اليومي، حتى لو كانت الأزمة اللبنانية أعقد بكثير.

إقرأ على موقع 180  عن يوتوبيا العروبة.. وإنكار الهزيمة!

من أين تبدأ مقاومة الوعي المهزوم؟

إذا كانت الإبادة الثقافية «تدميرًا للثقافة وتفكيكًا للمجتمع»، فإن مقاومة «الوعي المهزوم» ليست فعلًا خطابيًا، بل عمل معاكس تمامًا:

  • استعادة السردية بكل مآلاتها وواقعيتها وتدوينها ونشرها، لتكون الركيزة التي على أساسها يكون التعلّم والاستفادة من أخطاء الماضي ونجاحاته؛ فكتابة التاريخ يجب أن تكون من منظور الناس لا من منظور القوة، ومن منظور الحقيقة المعلَّلة لا من زاوية التقديس الجامد.
  • تمكين الإرادة المقاومة وتحصين تفكيرها، لأنها تظلّل الفعل المقاوم وتنبهه وتجعله محكومًا بالضرورات والمصالح والظروف المؤاتية، وتشجيع التفكير النقدي البنّاء الذي يسأل ويشاكس لتعميق الفهم وتجذير وعيه بقضيته.
  • التركيز على إعادة إعمار وترميم ما تهدّم وتهشّم من نفوس وبيوت، وتنظيم المجتمع الأهلي، ابتداءً من الأحياء إلى القرى والمدن، وتقديم النموذج البنّاء والصادق والراقي للمواطن في لبنان. فمقاومة «الوعي المهزوم» تحتاج إلى أصحاب الهمم والرؤية الثاقبة، إلى المثقفين المرتبطين بهموم الإصلاح والنهوض.
  • كسر البيئة الإعلامية المغلقة والموجَّهة التي تستهلك «إجماعًا» جاهزًا، وتحويل الإعلام من منصة دفاع إلى منصة هجوم، ومن منبر تكراري إلى منبر وعي وسؤال وحلول.

ختامًا، تُصنع الهزيمة ليس بإسكات الصوت فقط، بل بتحويله إلى «صوت غير مُصدَّق» حتى في وعي صاحبه. ويُصنع الوعي المهزوم لا باعتباره حربًا على الماضي فقط، إنما بكونه حربًا على المستقبل؛ لأن من يربح المعنى يكسب القدرة، ومن يمتلك القدرة سينهض – لا محالة – في القادم من الأيام.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  مصر والحرب والقمح.. توازن دقيق لتأمين الدقيق