“فورين بوليسي”: عملية “الغضب الملحمي” لن تُحدث التغيير
IRAN-CRISIS/BLAST

مع بدء الهجمات العسكرية الأميركية-الإسرائيلية على إيران (السبت)، وضعت واشنطن معايير عالية للنجاح في هذه العملية التي أسمتها "الغضب الملحمي". فهل يمكن اعتبار هذه العملية ناجحة أم فاشلة؟ هذا ما يحاول الاجابة عنه دانيال بايمان، من مجلة  "فورين بوليسي" (*) من خلال طرح ستة أسئلة محورية.

يشير بايمان في بداية تحليله إلى أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أعلن؛ في إطار عملية “الغضب الملحمي”، عن مجموعة واسعة من الأهداف الطموحة التي تسعى إدارته لتحقيقها. وبعد أن زعم (بأدلة شبه معدومة) أن إيران تُعيد بناء برنامجها النووي، وتطور صواريخ بعيدة المدى “ستهدّد الأراضي الأميركية قريباً”، وعد بأنه “لن يسمح لها بالحصول على سلاح نووي”، وتوعد بتدمير قوتها الصاروخية والبحرية وإنهاء “كل المخاطر التي تشكلها”. ولعلَّ الأهم من ذلك، والأشد خطورة، أن ترامب خاطب الشعب الإيراني مباشرة، قائلاً: “عندما أنتهي من كل ذلك، تولّوا أنتم زمام الأمور… فهذه هي اللحظة الفاصلة للحسم”.

ويرى  بايمان أن ترامب، ومن خلال عرض قائمته الطويلة من مطالباته ضدَّ إيران، قد رفع سقف التوقعات عالياً، متجنباً في الوقت نفسه أصعب مهام يمكن لقائد الحرب القيام بها، ألا وهي الاختيار بين الأهداف المتنافسة وتخصيص الموارد وفقاً لذلك، والسعي لتحقيق هذه الأهداف بالدبلوماسية والقوة معاً. ويسأل بايمان “نظراً لعدم رغبة ترامب في تقديم رؤية واضحة لما تسعى إليه إدارته، كيف يمكننا تقييم العملية العسكرية التي بدأها دون الوصول إلى الانهيار التام للنظام في إيران وتحويله إلى ديموقراطية موالية لواشنطن؟”.

ولتحديد ما إذا كانت عملية “الغضب الملحمي” ناجحة أم فاشلة، يطرح ستة أسئلة، هي:

1- من يفوز في معركة الصمود؟

يقول بايمان إن عملية “الغضب الملحمي” بدأت مع كثير من الإثارة. فقد تعمدت الولايات المتحدة وإسرائيل بالفعل تركيز أولى هجماتهما على اغتيال قادة إيرانيين كبار، بينهم المرشد الأعلى آية الله السيّد علي خامنئي، واستهداف مجموعة واسعة من الأصول العسكرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي، إلى جانب برنامج الصواريخ وقوات البحرية الإيرانية. ومع ذلك، ستجد الولايات المتحدة صعوبة في إدارة عمليات واسعة النطاق بوتيرة سريعة. فبالرغم من حجم الحشود العسكرية الأميركية، إلا أنها لا تزال قليلة مقارنة بالقوات التي جُمعت لغزو العراق عام 2003، ويبدو أن تكوين هذه الحشود أقرب إلى ما يُناسب حملة قصف مخطط لها أن تستمر لأيام معدودة أكثر منها إلى خوض حرب طويلة الأمد.

فقبل بدء الضربات، حذَّر رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال دان كين، من أن الولايات المتحدة لا تمتلك ما يكفي من ذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وأن غياب الدعم الإقليمي الكامل المطلوب من الحلفاء سيعيق سير العمليات.

ويرى بايمان أن إيران، من جانبها، لا تملك من خيار سوى الصمود. وأن خيار الصمود مهمة شاقّة وليست بالأمر اليسير، إذ أن إيران ستتكبد خسائر كبيرة في المنشآت والبُنى العسكرية التي راكمتها على مدار عقود طويلة، وكذلك ستخسر قادة عسكريين ورجال دين بارزين؛ وهي بالفعل قد خسرت منهم الكثيرين وفي مقدمتهم المرشد الأعلى. وبما أن الولايات المتحدة لم تُجهز قوة برّية على الأرض، وقد لا تفعل ذلك أبداً. فبالتالي، حتى لو خسر النظام الإيراني نصف قادته وأصوله العسكرية، فقد يظلُّ صامداً من الناحية العملية.

2- ماذا يعني التدمير؟

عندما يتحدث ترامب عن تدمير البحرية الإيرانية وبرامجها الصاروخية وبنيتها التحتية النووية، لا يكون واضحاً تماماً ما الذي يعنيه ذلك عملياً، بحسب بايمان.

ففي بعض الحالات؛ كما هو الحال مع القوة البحرية الإيرانية- المتواضعة أصلاً؛ يُمكن اعتبار غرق مزيد من السفن الإيرانية في قاع مياه الخليج العربي مؤشراً على هدف ترامب: النجاح. أما فيما يتعلق بالأهداف الأميركية الأخرى، فإنّ تقييم النتنائج وإصدار الأحكام يصبح أكثر تعقيداً. فقد ادّعى ترامب مراراً وتكراراً أن البرنامج النووي الإيراني قد “دُمر” بفعل الضربات الأميركية والإسرائيلية في حزيران/يونيو 2025، مما يثير تساؤلاً بديهياً حول سبب الحاجة إلى مهاجمة إيران مجدداً! والحقيقة هي أن البرنامج النووي الإيراني يتكون من عناصر متعدّدة، تشمل مخزونات من اليورانيوم المُخَصَّب، وأجهزة الطرد المركزي، ومعدات أخرى، فضلاً عن المعرفة والخبرة النووية التي راكمها العلماء الإيرانيون، وهو ما يفسر لماذا إسرائيل تضع هؤلاء العلماء في خانة المستهدفين دائماً وتعمد إلى اغتيالهم عند أي فرصة. وقد دمرت الولايات المتحدة وإسرائيل بالفعل جزءاً كبيراً من هذا البرنامج في حرب الـ12 يوماً عام 2025، غير أن الضربات الجوية وحدها لن تُحقّق- في أحسن الأحوال- سوى تقدم محدود جداً ومكاسب طفيفة.. ولن تقضي على البرنامج.

النظام الإيراني سيصمد حتى لو خسر نصف قادته وأصوله العسكرية.. فهذا خياره الوحيد ولو أنه الأصعب

ويرى بايمان أن تقييم الدعم الذي تقدمه إيران للجماعات التابعة لها، مثل حزب الله في لبنان وجماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن، مسألة شديدة التعقيد. فإيران تنظر إلى هذه الجماعات بوصفها ركناً أساسياً من منظومة الردع الخاصة بها في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية، ويمكن القول إنها تلقت ضربة قوية جراء نجاح إسرائيل في تفكيك جزءاً كبيراً من قدرات حزب الله عام 2024.

كما ترتبط إيران بعلاقات أيديولوجية متينة مع بعض هذه الجماعات وقوى أخرى، وعلى رأسها حزب الله، فضلاً عن ميليشيات شيعية في العراق. وفي أسوأ الظروف والأحوال، قد توافق إيران على وقف دعم هذه الجماعات، لكنّ مهمة تتبّع دعمها المالي؛ على وجه الخصوص؛ سيكون بالغ الصعوبة، نظراً لاعتمادها على شبكات تمويل واسعة ومعقّدة.وبمجرد انحسار الضغوط، قد تعود إيران ببساطة إلى استئناف هذا الدعم ما لم يطرأ تغيير جوهري على طبيعة النظام.

3- هل تستطيع إيران المواجهة المُستدامة؟ 

برأي بايمان إيران ليست عاجزة عن الردّ والدفاع عن نفسها، وقد هاجمت بالفعل إسرائيل والقواعد الأميركية في الخليج العربي. وحتى عندما هاجمتها الولايات المتحدة وإسرائيل، العام الماضي، ردّت بضربات صاروخية موجعة وهجمات بطائرات مسيرة ضد إسرائيل، لكنها اكتفت بردّ رمزي على هدف أميركي، إذ سرّبت مسبقاً إشارات عن الضربة لتفادي الانزلاق إلى تصعيد أوسع.

كما تُعدّ القواعد الأميركية والمنشآت الدبلوماسية في المنطقة أهدافاً مُحتملة لإيران أو للجماعات المدعومة منها، مثل “كتائب حزب الله” في العراق، والتي أفادت تقارير بأن إسرائيل استهدفتها بالفعل.  وقد تتصرف إيران بحذر في المراحل الأولى هذه المرة أيضاً، لكن كلما تفاقمت المواجهة، ازدادت احتمالات توسيع قائمة أهدافها لتتجاوز المنشآت العسكرية.

فالعديد من الجماعات الحليفة لإيران تجد نفسها اليوم في مأزق، عالقة بين شعوب أنهكتها الحروب، ومخاوفها من التعرض لاستهداف واسع من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وبين علاقاتها وارتباطاتها المالية والعسكرية مع إيران. ولعل حزب الله، الذي يُعدّ أهم شركاء إيران، يمرّ بحالة من الضعف بعد سنوات من الصراع والمواجهات مع إسرائيل، ولا يبدو متحمساً لخوض جولة أخرى في الوقت الراهن. مع ذلك، قد تستجيب بعض هذه الجماعات لنداءات طهران بالتحرك، وهو أمر مرجحٌ للغاية إذا شعر النظام الإيراني بأن بقاءه نفسه بات مهددًا أو أنه يقترب من حافة الانهيار.

إقرأ على موقع 180  "الناتو" يخرق قواعد الإشتباك.. عسكرة مُفرطة!

وتمتلك طهران أيضاً عناصر وشبكات منتشرة في أنحاء مختلفة من العالم قد تشنُّ هجمات انتقامية: ففي الماضي، هاجمت إيران منشآت إسرائيلية في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وأوروبا، فضلاً عن الولايات المتحدة، وخططت لاستهدافها. ومن بين الخيارات الأخرى التي قد تلجأ إليها استهداف حركة الملاحة في الخليج، عبر استخدام الألغام البحرية أو شنّ هجمات بزوارق مفخخة ضدّ ناقلات النفط، ومحاولة تعطيل إمدادات النفط العالمية.

ويوضح بايمان كيف أن الهجمات التي تسفر عن مقتل أعداد كبيرة من الأميركيين أو الحلفاء، وخاصة المدنيين، تُشكل مخاطرة جسيمة بالنسبة لإيران، وكذلك الحال بالنسبة لمحاولات تعطيل إمدادات النفط. فمن جهة، تُتيح مثل هذه العمليات للنظام أن يُظهر لشعبه أنه يردُّ على الضغوط والهجمات. وفي ظلّ الفتور النسبي في التأييد الشعبي للحرب داخل الولايات المتحدة، قد تعتقد طهران أنها قادرة على إجبار واشنطن على التراجع ووقف الحرب من خلال تصعيد مدروس من قبلها.

لكدن من جهة أخرى، فإن ضربة بهذا الحجم (قتل عدد كبير من الأميركيين أو شلّ إمدادات النفط) قد تؤدي؛ على الأقل في المدى المنظور؛ إلى تعزيز الدعم الأميركي الداخلي للحرب، بما يمنح إدارة ترامب مبرراً لمواصلة العمليات العسكرية وربما توسيعها. وقد أظهرت التجارب السابقة أن محاولات استهداف إمدادات النفط لم تؤدِ إلى انكفاء أميركي، بل إلى زيادة الانخراط العسكري الأميركي.

4- هل ينتفض الإيرانيون على النظام؟

يرى بايمان أنه رغم تراجع شعبية النظام لدى معظم الإيرانيين، نتيجة سنوات من الحصار والعقوبات والفساد وسوء الإدارة الاقتصادية (…)، إلا أن دعوة ترامب للشعب الإيراني إلى الانتفاض ضدّ النظام تقوم على افتراض خاطئ مفاده أن إسقاط النظام سيكون أمراً سهلاً عقب الضربات العسكرية. غير أن قوى المعارضة تفتقر إلى السلاح والتنظيم، كما أن النظام نفسه أثبت مراراً وتكراراً أنه سيستخدم العنف في سبيل البقاء. ثم أن هذه الحرب لم تكن مفاجئة لأحد، وخاصة للقادة الإيرانيين، وهم على الأرجح قد أعدوا أنفسهم جيداً لاحتمال اندلاع اضطرابات داخلية. إضافة إلى ذلك، فإن النظام ليس مكروها من الجميع- فهو ليس دكتاتورية فردية- وحتى بعد اغتيال خامنئي وغيره من كبار المسؤولين، هناك الكثيرون ممن سيحلون محلهم.

فقد تكون النتيجة حمّام دم ينتصر فيه الأسوأ. وقد حدث من قبل أن دعت الولايات المتحدة شعوباً إلى مقاومة أنظمتها، ثم وقفت متفرجة بينما كانت تلك الأنظمة تطلق النار على المتظاهرين في الشوارع، تماماً كما حدث في المجر عام 1956، وفي العراق بعد حرب الخليج عام 1991. قد لا يكترث ترامب بزرع الآمال ثم تحطيمها، لكن ذلك من شأنه أن يزيد الشعب الإيراني تشاؤماً ويعمّق ريبته تجاه الولايات المتحدة ويعزز شكوكه في نواياها.

5- من يتولى السلطة إذا سقط النظام؟

ويظلُّ السؤال الحيوي “ماذا بعد؟” سؤالاً مصيرياً بالنسبة للشعب الإيراني والولايات المتحدة، بحسب بايمان. فحتى لو سقط النظام، يبقى من غير الواضح مَنْ أو ما الذي سيحلّ محله. فقيام جمهورية ديموقراطية هو السيناريو الأقل ترجيحاً في حال انهيار النظام، في حين أن تفكّك الدولة، أو سيطرة الحرس الثوري الإيراني على مقاليد السلطة، يظلُّ الاحتمال الأكثر ترجيحاً.

إن تحول إيران إلى دولة فاشلة سيؤدي إلى مزيد من الخسائر في الأرواح، وتدفقات اللاجئين، ومشكلات أخرى. وتُعدّ التجارب الحديثة في العراق وليبيا وسوريا واليمن تذكيراً مؤلماً بأهوال الحروب الأهلية.

صحيح أن سيطرة الحرس الثوري الإيراني على السلطة قد تمنع اندلاع حرب أهلية، فإن ذلك يعني في الواقع ببساطة استبدال إيران لحاكم يرتدي عمامة بآخر يرتدي زياً عسكرياً.

وبالرغم من أن مصير الكثير من الأمور سيتوقف على مدى واقعية القيادة الجديدة، فإن الحرس الثوري الإيراني عموماً ينظر إلى الولايات المتحدة وإسرائيل كعدوين، ويؤمن بأن إيران يجب أن تدعم الجماعات الحليفة- وهي بالضبط الممارسات التي يسعى ترامب إلى القضاء عليها.

6- هل يؤيد الشعب الأميركي الحرب؟

بدأت الولايات المتحدة هذه الحرب ضدّ إيران دون ذريعة واضحة – فقد كان خطاب ترامب مجرد سردٍ لمظالمٍ قديمة، لا حجة لوجود تهديدٍ وشيك – وإدارته لم تُبذل أي جهودٍ لحشد تأييد الكونغرس. في الواقع، لم تُخاطب الإدارة الشعب الأميركي حتى بدء العملية، ولم تُقدّم تصريحات كبار القادة مبرراً واضحاً للحرب. وبذلك، يبقى أمر تأييد غالبية الأميركيين لهذه الحرب غير واضح.

ترامب شخصية غير شعبية، والعمليات العسكرية السابقة التي نفذها، مثل اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والضربات الصاروخية على إيران عام 2025، لم تشفع له ولم تجعله محبوباً ولم تجعل شعبيته أفضل في الداخل. إذا بدا أن عملية “الغضب الملحمي” تُحقق نجاحاً ملموساً، فقد يكون بعض الأميركيين مستعدين لدعم استمرار الضربات، وربما تكون سنوات الصراع في المنطقة قد جعلتهم غير مُبالين بتكاليف ومخاطر استخدام القوة.

ويختم بايمان بالقول: مع ذلك، إذا نجحت إيران في إلحاق خسائر بشرية بالولايات المتحدة، أو إذا بدت العمليات مع مرور الوقت غير مُجدية (أو إذا تسببت العمليات الأميركية في مقتل أعداد كبيرة من الأبرياء)، فقد لا يكون هناك تأييد لمواصلة حرب بأهداف غير واضحة. ترامب نفسه معروف بميله للتراجع حتى بعد لو كُتب له النصر. وقد تنتهي عملية “الغضب الملحمي” بالموت والدمار في إيران، ولكن دون تغيير يُذكر على المدى البعيد.

– ترجمة بتصرف عن “فورين بوليسي“.

(*) دانيال بايمان، أستاذ في كلية الخدمة الخارجية- جامعة “جورجتاون” ومدير “برنامج الحرب والتهديدات غير النظامية والإرهاب” في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

 

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  تركيا: مشروع الغاب.. للتحكم بمياه سوريا والعراق (4)