من الحسم إلى الاستنزاف: تحوّل استراتيجي في الحرب على إيران

يواجه الشرق الأوسط منعطفًا بنيويًا تجاوز فيه الصراع منطق «الرسائل الردعية» المحدودة التي طبعت جولة 13 حزيران/يونيو 2025، لينزلق نحو استراتيجيات «تغيير الواقع» بالقوة الصلبة. تتمثل الإشكالية في التناقض الجوهري بين عقيدة «قطع الرأس» التي تتبناها الولايات المتحدة وإسرائيل لفرض حسم سريع، ومنطق «الاستنزاف الوجودي» الذي تنتهجه طهران ولسان حالها أنها طالما بقي النظام الإسلامي على قيد الحياة، فهذا هو الربح بحد ذاته.

السؤال المركزي: هل ستنجح الضربات العسكرية المكثفة في إسقاط النظام الإيراني وجعله يستسلم للأميركيين والإسرائيليين، أم أنّ إطالة أمد الصراع سيؤدي إلى تآكل «مركزية القوة» الأميركية الإسرائيلية وبالتالي انهيار التوازنات الهشة في كل من اليمن ولبنان والعراق؟

وهم الحسم السريع

تبنّت الولايات المتحدة وإسرائيل مقاربة «قطع الرأس» عبر استهداف الهياكل القيادية العليا في إيران، بافتراض أن تعطيل قمة الهرم سيقود حتمًا إلى شلل القاعدة. غير أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الأنظمة والفصائل العقائدية ذات البنية الدينية الصلبة والمشروعية الشعبية تميل إلى إظهار «مرونة بنيوية» في مواجهة الخسائر النوعية؛ إذ يتحول الاغتيال فيها إلى عنصر تعبئة لا إلى عامل انهيار، ويُعيد إنتاج القيادة ضمن الإطار العقائدي ذاته، تماماً كما حصل في حالة اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي واختيار نجله مجتبى خلفاً له.

وتكمن الدلالة الأعمق في كيفية تعامل الجمهورية الإسلامية وفصائل المقاومة في المنطقة مع عدوان يرقى إلى مستوى «وجودي»، لا سيما في ظل إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خطاب الحسم والخضوع، وإصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تغيير موازين القوى لصالح إسرائيل بالحديد والنار. في هذا السياق، يصبح البقاء على قيد الحياة بالنسبة لطهران ومحورها هو الطريق الوحيد لتحويل ما يُراد له أن يكون «عملية جراحية» سريعة إلى «استنزاف مفتوح» يبتلع الموارد العسكرية والاقتصادية للأطراف كافة، وفق منطق «عليّ وعلى أعدائي». فالخيار البديل هو الاستسلام، وهو ما رفضته إيران وحلفائها خلال جولات التفاوض السابقة.

«قانون القوة» VS «ميثاق الأمم»

تكشف الحرب الراهنة عن أزمة عميقة في بنية النظام الدولي. فالولايات المتحدة تبرر ضرباتها بمنطق «الدفاع الاستباقي»، فيما تستند طهران إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة (حق الدفاع عن النفس). غير أن القانون الدولي يبدو عاجزًا عن ضبط الإيقاع؛ إذ شهدت العقود الماضية تكرار اللجوء إلى القوة خارج إطار مجلس الأمن الدولي، وفرض عقوبات أحادية، وعمليات اغتيال، واستهداف مقدرات دول ذات سيادة.

هذا المسار يؤدي إلى تآكل القواعد الحاكمة للعلاقات الدولية، ويحوّل استخدام القوة خارج مظلة مجلس الأمن إلى «عرف سياسي». إنها صورة «روما الجديدة»، حيث تختصر إرادة القوة إرادات الآخرين، ويتكرس منطق الاستثناء الأمني والعسكري على حساب معيار قانوني موحّد.

الحل يكمن في الانتقال من «توازن الرعب» إلى «توازن المصالح»، وتفعيل «دبلوماسية الضرورة»، وإعادة الاعتبار لمجلس الأمن كمرجعية وحيدة لاستخدام القوة، منعًا لتحول الإقليم إلى ساحة تصفية حسابات خارج القانون.. والحل أيضاً أن يتولى أهل الخليج العربي إدارة الشأن الخليجي، بما يحفظ مصالح دول الخليج العربي وإيران وأمنهم القومي المشترك

الاختبار الوجودي الثاني

عندما اندلعت الحرب العراقية–الإيرانية عام 1980، واجهت إيران تهديدًا وجوديًا مباشرًا من دولة إقليمية (العراق) مدعومة دوليًا وإقليميا. كانت الحرب تقليدية بجبهة واضحة، برغم امتدادها الطويل واستنزافها العميق. وكلفتها البشرية والاقتصادية الهائلة، انتهت إلى تعزيز تماسك النظام الإيراني وتوسيع اعتماده على أدوات ردع غير متماثلة.

أما اليوم، فالمواجهة لا تدور على جبهة واحدة، بل في بيئة مترابطة اقتصاديًا وأمنيًا. استنزاف 1980 كان إقليميًا؛ أما استنزاف اليوم، إذا طال، فسيكون عابرًا للقارات، يمس أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية (الأسمدة والكبريت إلخ..)، ويستهدف بنية النفوذ الإقليمي بأكملها. وكذلك عندما خاض حزب الله حرب الـ ٦٦ يوماً على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، فإنه خاضها بمفرده وتحمل العبء الأكبر نتيجة تنصل إسرائيل من اتفاق وقف النار بعد سقوط النظام في سوريا.

أمام القيادة الإيرانية ومحورها الممتد إلى لبنان والعراق واليمن خياران لا ثالث لهما:

  • احتواء العاصفة بقبول الشروط الأميركية والانكفاء إلى الداخل، بما يُفسَّر كهزيمة استراتيجية شبيهة بما فعلته اليابان عام 1945 حين أعادت توجيه قدراتها نحو البناء الاقتصادي، وهذا الأمر يبدو مستبعداً نظراً إلى استبسال طهران في المواجهات الحربية الدائرة في الخليج وإسقاطها كل الخطوط الحمر المفترضة، ولا سيما إقفال مضيق هرمز، الورقة الأثمن بيدها حتى الآن.
  • المواجهة المفتوحة وتحويل الإستنزاف إلى عقيدة قتالية ضد خصوم يخشون خسارة الكثير على مستوى الرفاه والاستقرار المالي. وهذا ما تظهره وقائع المواجهات العسكرية الجارية، ويفسر لجوء طهران إلى إغلاق مضيق هرمز واستهداف القواعد الأميركية وأماكن تواجد الضباط والجنود والموظفين الأميركيين في دول الخليج، وفي ذلك خروجاً عن دائرة الحذر في التعاطي مع دول الخليج، وكذلك انضمام ساحتي العراق ولبنان إلى المواجهات العسكرية، ما يؤكد أنّ هذا المحور يخوض معركة وجودية لاستنزاف الخصم بشتى السبل المتوفرة، واسقاط كلّ التحفظات التي تلت حرب الـ٦٦ يوماً في العام ٢٠٢٤، وبرغم أن هذا الخيار محفوف بكلفة باهظة، وقد يُنظر إليه كمسار انتحاري عند بعض المراقبين، إلا أنه يبقى بالنسبة لأصحابه “الخيار الأنسب” ضمن منظور الاستنزاف المفتوح  باعتباره الباب الوحيد الذي قد يؤدي الى جعل كلفة إسقاط النظام في إيران عالية على الجميع، إقليمياً ودولياً، ما يمكن أن يؤدي في النهاية الى صياغة اتفاقية جديدة تعيد إنتاج وقفاً للنار على الصعيد الإقليمي وليس الإيراني ووفق قواعد متوازنة وعادلة.
إقرأ على موقع 180  فورين بوليسي: شيك واشنطن المفتوح للإمارات STOP!

نحو «هندسة أمنية» بديلة

الاستمرار في نهج «الحسم العسكري» ضد قوة إقليمية متجذرة لن ينتج سوى فوضى مستدامة. فإذا استطاعت طهران إطالة أمد الحرب والصمود مع حلفائها في لبنان والعراق واليمن، فإنها ستستنزف موارد خصومها ولا سيما على الصعيد الاقتصادي ومنظومات الدفاع (أرض/ جو).

الحل يكمن في الانتقال من «توازن الرعب» إلى «توازن المصالح»، وتفعيل «دبلوماسية الضرورة»، وإعادة الاعتبار لمجلس الأمن كمرجعية وحيدة لاستخدام القوة، منعًا لتحول الإقليم إلى ساحة تصفية حسابات خارج القانون.. والحل أيضاً أن يتولى أهل الخليج العربي إدارة الشأن الخليجي، بما يحفظ مصالح دول الخليج العربي وإيران وأمنهم القومي المشترك.

فالمنتصر في «الحرب الإقليمية الثانية» لن يكون من يملك السلاح الأقوى؛ بل من يملك القدرة على تحمّل «كلفة الوقت». وإذا لم يُحتوَ الصراع سريعًا، فإن المنطقة تتجه نحو إعادة رسم خرائط النفوذ بمداد الاستنزاف.. وللبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  فورين بوليسي: شيك واشنطن المفتوح للإمارات STOP!