الحرب على إيران: سبعة سيناريوهات محتملة

أمّا وقد بدأت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران بعد تحشيد عسكري غير مسبوق، وقُتل المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وعدد كبير من قيادات الصف الأول، في الساعات الأولى للحرب، ودخلت المنطقة في مدار فوضى تنتقل كالنار في الهشيم، فإنّ الأمور في مثل هذه الحروب تُقاس بالخواتيم لا بالبدايات.

على مسافة ساعات من طي صفحة الأسبوع الأول من الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، ثمة سيناريوهات عديدة حول مسارات هذه الحرب، تصعيداً أو خفوتاً، يُمكن اختزالها كالآتي:

السيناريو الأول:

منذ ما قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تم تداول سيناريو قيام الحرس الثوري بتنفيذ انقلاب على المشهد السياسي يُفضي إلى امساكه بالسلطة. صحيح أن الحرس الثوري لاعب أساسي في تركيبة النظام وهو متغلغل في المجتمع والدولة، ولكنّ المرشد كان يدير دفّة الحكم. الآن، وبعد اندلاع الحرب ورحيل خامنئي، وفي ظلّ عجز محتمل عن انتخاب مرشد جديد أو إطالة أمد العملية الإنتقالية، فإن الحرس الثوري بقيادة الجنرال أحمد وحيدي سيكون في صدارة المشهد والقرار السياسي..

السيناريو الثاني:
لا يستطيع الطرف الأميركي الاستمرار في هذه الحرب إلى ما لا نهاية، على الرغم من امتلاكه القدرات العسكرية والذخيرة الكافية. فنتائج الحروب لا تُقاس عادة بالقدرة العسكرية فحسب، بل أيضاً بالكلفة المترتبة عليها. وثمة كلفة اقتصادية وتجارية مرتفعة جداً، فضلاً عن مخاطر توسع نطاق الحرب. يضاف إلى ذلك وجود تيار داخلي معارض للحرب قد يمارس ضغوطاً على ترامب لوقفها، وهذا التيار لا يقتصر على الديموقراطيين، بل يمتد أيضاً إلى جهات فاعلة داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً في أوساط تيار «ماغا» (MAGA). هذه العوامل قد تدفع ترامب إلى توجيه ضربة قاتلة لإيران. ولا يُستبعد في هذا السياق احتمال استخدام واشنطن للسلاح النووي التكتيكي، خصوصاً أن ترامب لا يُظهر اهتماماً كبيراً بالقوانين الدولية. كما أنّ غرور هذا الرجل ونزعته النرجسية قد لا تتحملان وجود طرف يتحداه. وقد يلجأ ترامب أيضاً إلى إرسال قوات برية لغزو الأراضي الإيرانية، كما ألمح في إحدى تصريحاته. وهذا الاحتمال وارد، وقد يقدم عليه الرئيس الأميركي خلال فترة يُجيزها له الدستور الأميركي من دون تفويض من الكونغرس. أما بعد انقضاء هذه المهلة، فيصبح مضطراً للحصول على تفويض من الكونغرس، وهو أمر لا يرغب ترامب في الوصول إليه.

السيناريو الثالث:
أن تستمر هذه الحرب بالوتيرة الحالية، لتتحول لاحقاً إلى حرب استنزاف مكلفة للطرفين، على غرار ما شهدناه في الحرب الروسية – الأوكرانية. فقد ساد الاعتقاد عند اندلاع تلك الحرب أنّ القيادة الروسية قادرة على إنهائها خلال ثمانٍ وأربعين ساعة بسبب اختلال موازين القوى، قبل أن يتحول الصراع إلى مواجهة طويلة استمرت أربعة أعوام ودخلت عامها الخامس منذ عشرة أيام، غير أنّ عدم قدرة الطرف الأميركي – الإسرائيلي على حسم الحرب قد يترافق مع محاولات لتأليب قطاعات واسعة من الشعب الإيراني ضد النظام، أو تشجيع بعض القوميات والكيانات الداخلية على إطلاق حركات احتجاج أو تمرد تزيد من الضغوط الداخلية على النظام، خصوصاً في ظل وجود حركات انفصالية داخل إيران. وقد لا يناسب هذا السيناريو الطرف الأميركي لأنه لا يؤدي إلى نتيجة حاسمة بإسقاط النظام، لكنه قد يناسب الجانب الإسرائيلي لأنه يغرق إيران في حالة من الفوضى الداخلية ويعمل على تفكيكها من الداخل، وهو هدف لطالما سعت إليه تل أبيب.

ويبدو هذا السيناريو جدياً، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار ما أوردته وكالة «رويترز» في الرابع من آذار (مارس)، إذ نقلت عن مصادرها أنّ جماعات كردية إيرانية معارضة، بينها حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، تجري مشاورات سرية مع مسؤولين أميركيين بشأن تنسيق هجمات مشتركة أو تقديم دعم لوجستي لاستهداف قوات النظام الإيراني في المناطق الغربية من البلاد، بما في ذلك ضرب قواعد الحرس الثوري ومواقع استراتيجية أخرى.

السيناريو الرابع:
أن يتمكن الطرف الأميركي من إيجاد ما يشبه الفنزويلية «ديلسي رودريغيز» في إيران، أي شخصية أو جهة من داخل دوائر النفوذ الإيرانية تقوم بانقلاب داخلي يمكّنها من الإمساك بزمام السلطة، وتبدي استعداداً للانفتاح على مسار تصالحي مع الولايات المتحدة وفق شروط معينة، أبرزها التموضع الاستراتيجي تحت سقف الولايات المتحدة، وقف التخصيب النووي، تقليص القدرات الباليستية وقطع الدعم عن الحلفاء الإقليميين، مقابل تعهد أميركي – غربي بمساعدة إيران اقتصادياً ومالياً. غير أنّ هذا السيناريو يبدو مستبعداً، نظراً إلى عدم وضوح مستقبل النظام السياسي بعد، في ظل عدم انتخاب مرشد جديد خلفاً لخامنئي.

السيناريو الخامس:
أن يؤدي تكثيف الضربات الإيرانية التي تستهدف دول الخليج إلى تحرك عسكري من قبل مجلس التعاون الخليجي ضد طهران، وهو ما ألمح إليه بعض المسؤولين السعوديين والإماراتيين خلال الأيام الأخيرة. فدول الخليج تتحمل جزءاً كبيراً من تداعيات هذه الحرب، إذ بات أمنها واستقرارها – اللذان عملت على بنائهما خلال السنوات الماضية – مهددين بشكل يومي، فضلاً عن الكلفة الاقتصادية المتزايدة نتيجة استمرار الضربات الإيرانية وتصاعدها، وما يُمكن أن يقف حائلاً دون هذا السيناريو تلويح جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) في شمال اليمن بانضمامهم إلى الحرب في حال انضمت إليها دول الخليج العربي.

إقرأ على موقع 180  هاكابي.. وإعلانُ الحربِ المُوازية

السيناريو السادس:
أن تدفع كلفة الحرب البشرية والاقتصادية، إلى جانب احتمال تحولها إلى صراع إقليمي ودولي أوسع، الطرفين إلى إدراك استحالة حسمها عسكرياً. غير أنّ غرور الإمبراطورية الأميركية ونرجسية ترامب، مقابل قناعة طهران بأنّها تخوض حرباً وجودية، كلها عوامل تقلل من فرص اللجوء إلى هذا السيناريو في الوقت الراهن. ومع ذلك، فإن نهاية كل الحروب تكون في النهاية عبر المفاوضات، ولكن بعد محاولة كل طرف تعديل ميزان القوى لمصلحته.

السيناريو السابع:
في الحسابات الجيوسياسية، فإن سقوط إيران ووقوعها بالكامل تحت الهيمنة الأميركية لا يخدم مصالح روسيا والصين. وإذا كانت موسكو غير قادرة حالياً على دعم طهران بشكل مباشر بسبب انشغالها في حرب أوكرانيا ورغبتها في تجنب مواجهة مباشرة مع ترامب، فإن الوضع يختلف بالنسبة إلى بكين، التي لا يناسبها سقوط إيران. فالصين تدرك أن الحرب على إيران تهدف في جوهرها إلى تطويقها وخنقها اقتصادياً وطاقوياً، كما تدرك أهمية إيران في مشروع «الحزام والطريق» وموقعها الجغرافي الذي يجعلها بوابة عبور نحو عمق آسيا. هذه العوامل قد تدفع الصين إلى تعميق تعاونها مع إيران لمنع نجاح المخطط الأميركي، وهو خيار مستبعد إلى حد كبير حتى الآن.

في المحصلة، تبدو الحرب الدائرة اليوم أبعد بكثير من مجرد مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فهي في جوهرها صراع على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وعلى موقعه في توازنات النظام الدولي الآخذ في التشكل. وبين سيناريوهات الحسم العسكري، أو الاستنزاف الطويل، أو التسويات المتأخرة التي غالباً ما تضع حداً للحروب الكبرى، يبقى الثابت الوحيد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من عدم اليقين.

لقد اعتاد الشرق الأوسط أن يكون مسرحاً لتقاطعات المصالح الدولية الكبرى، لكن ما يجري اليوم يشي بأننا أمام فصل أكثر تعقيداً من هذا التاريخ المضطرب. فنتائج هذه الحرب لن تتوقف عند حدود إيران أو إسرائيل، بل ستطال بنية التوازنات الإقليمية، وخرائط الطاقة، وممرات التجارة العالمية، وربما طبيعة الاصطفافات الدولية نفسها. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد إن كانت هذه الحرب ستنتهي، بل كيف ستنتهي، وعلى أي صورة سيستيقظ الشرق الأوسط بعد انقشاع دخانها؟

Print Friendly, PDF & Email
عطالله السليم

كاتب وباحث سياسي

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الشباب أعداء إسرائيل الجُدد في الشرق الأوسط