النظام الاقليمي Archives - 180Post

Hormuz_Trump.jpg

لم تكن القوة في التاريخ كافيةً وحدها لصناعة الهيبة، ولا كان التفوّق العسكري ضمانةً للاستقرار. فقد أثبتت تجارب الدول الكبرى، من روما إلى الإمبراطوريات الحديثة، أن اللحظة التي تتحوّل فيها القوة من أداةٍ إلى غاية، هي ذاتها اللحظة التي تبدأ فيها بالتآكل من الداخل. من هنا، لا يمكن قراءة سياسات دونالد ترامب بوصفها مجرد خيارات عابرة، بل كأعراض لخلل أعمق في فهم دور القوة وحدودها. خللٌ يجعل من الاخضاع والاستعراض بديلاً عن الاستراتيجية، وهذا ما يضع العالم أمام معادلة خطيرة: قوة عظمى تتصرف، دولياً، بلا ضوابط أخلاقية، في ظل نظام دولي لم يعد يحتمل المزيد من الاختلال.

750-7.jpg

تطرح هذه الدراسة فكرة أن الشرق الأوسط لا يعيش مجرد حالة عدم استقرار، بل يشكّل فضاءً بنيويًا يُعاد فيه تعريف النظام الدولي من خلال التفكك المُدار. فبدل أن يكون التفكك مؤشرًا على انهيار النظام، أصبح أحد شروط اشتغاله، حيث لا تُحلّ الصراعات بل تُدار وتُضبط ضمن توازنات مرنة. ومن خلال ربط ديناميات الحرب في أوكرانيا، والمواجهة مع إيران، والتوتر حول تايوان، يبيّن النص كيف تتقاطع هذه الساحات ضمن إطار عالمي واحد، يتجسد أثره الأوضح في الشرق الأوسط. كما يقدّم مفهوم “الاستقرار المُدار” بوصفه النمط الغالب في المرحلة القادمة، حيث يُعاد تعريف الأمن لا عبر إنهاء النزاعات، بل عبر التحكم بإيقاعها. وفي هذا السياق، تبرز القضية الفلسطينية بوصفها اختبارًا بنيويًا لشرعية أي نظام إقليمي قادم، بما يعكس أزمة أعمق تتعلق بقدرة النظام الدولي على إنتاج معنى مستدام لوجوده.

EditorialCartoon_TrumpCrisisManagement_4_7_26.jpg

نادراً ما تكون الحروب الكبرى في الشرق الأوسط مجرد مواجهات عسكرية معزولة عن السياسة والاقتصاد. ثمة معادلات ترسمها النيران تتعلق بمن يملك حق تحديد قواعد نظام إقليمي جديد سيرسم ملامح النظام الدولي الجديد. في هذا السياق، تكتسب المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران معناها الحقيقي بوصفها صراعاً على ما بعد الحرب، لا على وقائعها الميدانية المباشرة فقط. 

IMG_2026-04-06-english.jpg

الحرب العسكرية الدائرة اليوم في منطقة الخليج انتهت ولو لم يُعلن وقف النار رسمياً. انتهت بمعناها السياسي والاستراتيجي. العجز عن الحسم العسكري (لا إيران قادرة على هزيمة أميركا وإسرائيل ولا يبدو حتى الآن أن الأخيرتين قادرتان على اسقاط النظام الإيراني وهزيمته) يُحيلنا إلى الأبعاد الاستراتيجية التي ستتشكل بعد توقف المواجهة المباشرة.

800.jpg

في لحظة تتكثّف فيها الصراعات دون أن تُحسم، لم تعد الحروب مجرّد أدوات صراع، بل تحوّلت إلى مرآة تكشف حدود النظام الدولي نفسه. في هذا السياق، تبدو الحرب على إيران تعبيرًا مكثّفًا عن أزمة أعمق: تآكل المعنى الذي كان يمنح هذا النظام شرعيته وقدرته على الاستمرار.

China_Hard-Power_Iran-War-1.jpeg

يكشف العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران التحديات الاستراتيجية التي تواجه الصين في حماية مصالحها وشراكاتها في ظلّ التنافس المتجدّد بين القوى العظمى، ويُبرز أن الاعتماد على النفوذ الاقتصادي وحده لا يكفي لضمان المصالح والشراكات. لذلك تعمل بكين على تعزيز قدراتها العسكرية والردعية، وبناء آليات بديلة للتمويل وسلاسل الإمداد، وتطوير قدرات ردع متعددة المجالات، لضمان مرونة شبكة شركائها ورفع كلفة أي محاولات لتقويض مصالحها، بما يرسخ مصداقيتها الدولية، بحسب دينغ يوين في "فورين بوليسي".

800-8.jpg

أمّا وقد بدأت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران بعد تحشيد عسكري غير مسبوق، وقُتل المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وعدد كبير من قيادات الصف الأول، في الساعات الأولى للحرب، ودخلت المنطقة في مدار فوضى تنتقل كالنار في الهشيم، فإنّ الأمور في مثل هذه الحروب تُقاس بالخواتيم لا بالبدايات.

800-18.jpg

تتعامل القراءات السياسية مع مفهوم التحالفات الدولية بوصفه التزامًا أخلاقيًا طويل الأمد أو رابطة وجدانية متينة، فيما تثبت الوقائع المتراكمة أن العلاقات بين القوى الكبرى تُدار بمنطق المصالح الباردة والحسابات الجيوسياسية الدقيقة. في هذا السياق، يبدو الرهان على اندفاعة عسكرية من موسكو أو بكين لنجدة طهران في حال نشوب مواجهة مباشرة مع واشنطن أو تل أبيب نوعًا من الترف السياسي الذي يفتقر إلى الواقعية. فالمظلة الشرقية التي يجري الحديث عنها لا تتجاوز كونها إطارًا لتنسيق المصالح وتبادل المنافع، لا خندقًا مشتركًا لخوض الحروب بالنيابة عن الآخرين.

800-2.png

أدت جولة المفاوضات بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب في مسقط الجمعة، غرضها. إذ أثبتت أن الديبلوماسية لديها فرصة للاشتغال مرة أخرى، سعياً إلى ردم الهوة الاستراتيجية التي تفصل بين الولايات المتحدة وإيران، منذ عام 1980.