النظام الاقليمي Archives - 180Post

800-2.png

شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة أعادت رسم خرائط النفوذ والصراع فيه، وكان لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب إيران بمؤسساتها السياسية والأمنية والعسكرية، دور بارز في هذه التحولات. فقد تجاوز تأثير هذه القوى حدود إدارة شؤون دولها، لتصبح من أبرز الأطراف التي أسهمت في إعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.

Losing-at-His-Own-GameWEB.jpg

ثمة ضرورة لإخضاع الموقف المتقلّب للرئيس الأميركي دونالد ترامب إزاء التصعيد الإسرائيلي الأخير في لبنان لتحليل عقلاني، بعدما بدت السياسة الأميركية "سوريالية" مع التخبط المستمر في التعامل مع أزمات غزة وأوكرانيا وإيران ولبنان وغيرها. لكن "السوريالية" المشكو منها ربما تكون مطلوبة إذا كانت استراتيجية واشنطن هي نفسها تحتمل أن تكون "استراتيجية اللا استراتيجية".

96F6D176-F336-44DA-A62F-1ED81B9EF7F1.jpeg

القراءات التي تحصر الحدث في سؤال الردع الموضعي، وفي معادلات الضربة والرد، تبقى عند حافة المشهد. نحن أمام حرب تتجاوز حسابات الصاروخ والهدف، إلى صراع على المعنى الجيوسياسي للمنطقة كلها: من يملك حق رسم الحدود المقبلة للنفوذ؟ من يدخل إلى النظام الإقليمي الجديد كقوة مقرِّرة؟ ومن يجلس على هامشه كقوة مستهلكة للأزمات؟

Online2093_0.jpg

تجاوز الصراع في منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات مفهوم المواجهة العسكرية التقليدية ليصبح عملية مستمرة لإعادة توزيع النفوذ وإعادة تعريف مواقع القوى، وتحديد أي الساحات تبقى مترابطة ضمن معادلة إقليمية واحدة، وأيها يجري فصلها وإخراجها من سياق الاشتباك الشامل.

Games_Of_Crowns_-_Del_Rosso_-1.jpg

مع الحرب الوجودية التي خاضتها إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فرضت نفسها عقدةً مركزية في معركة إعادة تشكيل النظامين الإقليمي والدولي. فإيران اليوم لم تعد مجرد دولة تتنافس على النفوذ في الشرق الأوسط، بل تحوّلت إلى نقطة ارتكاز في الاشتباك المتصاعد بين واشنطن من جهة، والمحور الأوراسي الصاعد بقيادة الصين وروسيا من جهة أخرى.

Attack-on-Trump.jpg

لم تأتِ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتضيف فصلاً جديدًا إلى كتاب الشرق الأوسط الملتهب فحسب، بل لتطرح أسئلة اعتقد العالم أنه تجاوزها: ما هي حدود القوة؟ أين تنتهي فاعلية السلاح وتبدأ تعقيدات السياسة؟ وهل يمكن اختزال صراع بحجم الصراع الأميركي-الإيراني بمعادلة عسكرية أو صفقة تفاوضية؟

799.jpg

عقب انتهاء الحرب الباردة في بداية تسعينيات القرن الماضي، واعتقاد النخبة الأميركية بانتصار نموذجها (السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي)، هيمن ما أصبح يُعرف باسم «إجماع واشنطن» (Washington Consensus)، وهو الإيمان المطلق بدعم العولمة الاقتصادية والديموقراطية السياسية، استنادًا إلى هيكل أمني عسكري قوي لدى صانعي القرار الأميركي. وتعامل البيت الأبيض، سواء حكمه الديموقراطيون في عهد الرئيس بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، أو الجمهوريون في عهد رونالد ريغان وجورج بوش (الأب والابن)، من منطلق هيمنة القطب الأميركي الأوحد على النظام العالمي.

800-44.jpg

لا أذكر يومًا، خلال سنوات النضج، كنت فيه عاشقًا لنظرية أو أخرى من نظريات التطرف والخرافة والتآمر السياسي، ولا باحثًا عنها. وفي الوقت نفسه، لا أذكر أنني كنت، إذا فوجئت بواحدة منها، أهملت متابعتها والتحقق من مصادرها ودوافعها، ودراسة آثار ما صنعت وخلفت.

Hormuz_Trump.jpg

لم تكن القوة في التاريخ كافيةً وحدها لصناعة الهيبة، ولا كان التفوّق العسكري ضمانةً للاستقرار. فقد أثبتت تجارب الدول الكبرى، من روما إلى الإمبراطوريات الحديثة، أن اللحظة التي تتحوّل فيها القوة من أداةٍ إلى غاية، هي ذاتها اللحظة التي تبدأ فيها بالتآكل من الداخل. من هنا، لا يمكن قراءة سياسات دونالد ترامب بوصفها مجرد خيارات عابرة، بل كأعراض لخلل أعمق في فهم دور القوة وحدودها. خللٌ يجعل من الاخضاع والاستعراض بديلاً عن الاستراتيجية، وهذا ما يضع العالم أمام معادلة خطيرة: قوة عظمى تتصرف، دولياً، بلا ضوابط أخلاقية، في ظل نظام دولي لم يعد يحتمل المزيد من الاختلال.

750-7.jpg

تطرح هذه الدراسة فكرة أن الشرق الأوسط لا يعيش مجرد حالة عدم استقرار، بل يشكّل فضاءً بنيويًا يُعاد فيه تعريف النظام الدولي من خلال التفكك المُدار. فبدل أن يكون التفكك مؤشرًا على انهيار النظام، أصبح أحد شروط اشتغاله، حيث لا تُحلّ الصراعات بل تُدار وتُضبط ضمن توازنات مرنة. ومن خلال ربط ديناميات الحرب في أوكرانيا، والمواجهة مع إيران، والتوتر حول تايوان، يبيّن النص كيف تتقاطع هذه الساحات ضمن إطار عالمي واحد، يتجسد أثره الأوضح في الشرق الأوسط. كما يقدّم مفهوم “الاستقرار المُدار” بوصفه النمط الغالب في المرحلة القادمة، حيث يُعاد تعريف الأمن لا عبر إنهاء النزاعات، بل عبر التحكم بإيقاعها. وفي هذا السياق، تبرز القضية الفلسطينية بوصفها اختبارًا بنيويًا لشرعية أي نظام إقليمي قادم، بما يعكس أزمة أعمق تتعلق بقدرة النظام الدولي على إنتاج معنى مستدام لوجوده.