ترامب وإيران: وهم الحسم السريع فى حرب عمرها نصف قرن

قد لا يعرف الرئيس دونالد ترامب موقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على خريطة العالم، وربما يجهل تاريخها وإرثها الحضاري، ناهيك عن تعقيدات علاقتها المركبة مع الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

منذ نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، جمع العداء بين واشنطن وطهران. وعلى مدى ما يقرب من نصف قرن، شهدت العلاقات بين الدولتين صورًا مختلفة من التصعيد والترهيب واحتجاز الرهائن والاشتباكات المسلحة والردع المتبادل وفرض العقوبات القاسية والتصنيفات بالإرهاب والتنكيل الدبلوماسي المباشر وغير المباشر. وأصبح العداء لإيران نوعًا من المسلَّمات في دوائر صُنّاع القرار الأمريكي، بغض النظر عن الانتماءات الحزبية؛ إذ لا يختلف الديموقراطيون عن الجمهوريين استراتيجيًا في العداء لإيران. لكن ترامب ينظر إلى هذا الإرث من زاوية واحدة، ناهيك عن دور إسرائيل؛ إذ يركز على حقيقة يدركها، وهي أن سبعة رؤساء أمريكيين سابقين تعاملوا مع إيران كتهديد، وعملوا فقط على إدارة الصراع دون حسمه منذ عام 1979.

يتطلع ترامب إلى حسم ملف العلاقات الأمريكية – الإيرانية مرة واحدة وإلى الأبد، وأن ينجح فيما فشلت فيه ثلاث إدارات جمهورية في عهود رونالد ريجان وجورج بوش الأب وجورج بوش الابن، وأربعة رؤساء ديموقراطيين هم جيمي كارتر وبيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن.

من هنا، استدعى ترامب خلال كلمته التي أعلن فيها بدء الهجمات الخلفية التاريخية للعلاقات، وقال: «على مدى 47 عامًا، ظل النظام الإيراني يردد شعار الموت لأمريكا». كما استعرض حوادث تاريخية، من اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز 52 رهينة لمدة 444 يومًا، إلى مقتل 241 من مشاة البحرية الأمريكية في بيروت عام 1983، والهجوم على المدمرة «يو إس إس كول» عام 2000، متهمًا إيران كذلك بالوقوف وراء مقتل وإصابة مئات الجنود الأمريكيين في العراق.

يتجاهل ترامب وكبار مستشاريه التاريخ والحضارة الإيرانيين، وكون إيران من الدول التي لم ينجح أحد في إخضاعها بالكامل عبر تاريخها الطويل؛ فهي دولة يمتد تاريخها لآلاف السنين، انتفضت مرارًا ضد أي قوة غريبة دفاعًا عن نفسها منذ عهد الإسكندر الأكبر

***

دخل دونالد ترامب التاريخ من أوسع أبوابه بعودته الثانية إلى البيت الأبيض في ثالث انتخابات خاضها، بعد إدانته جنائيًا بعشرات التهم. إلا أنه لا يكتفي بذلك، ويرى نفسه في مكانة مؤسس الدولة جورج واشنطن، أو قادتها التاريخيين مثل أبراهام لينكولن وثيودور روزفلت. وإلى جانب الدور الإسرائيلي، يتطلع ترامب إلى حسم ملف إيران مرة واحدة وإلى الأبد.

***

لكن ترامب يحتاج إلى إطار فكري يُغلّف به تحركاته الخارجية، وبخاصة ما يتعلق بشن الحروب، بعدما دأب في حملاته الانتخابية الثلاث على التعهد بعدم خوض أي حروب خارجية، خصوصًا في الشرق الأوسط. ويعتمد ترامب على مدرسة فكرية متطرفة لا ترى إلا ضرورة حسم الصراعات بصورة نهائية. وينطلق منطق حسم الصراع عند هذا التيار من رؤية تاريخية لصراعات القرن العشرين، وهي صراعات حُسمت بانتصارات واضحة وصريحة، وباعتراف كل أطرافها، ونجاحها في إنجاز سلام لاحقًا.

ويستشهد هذا التيار بحالة الهزيمة الكاملة لألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، حيث نعمت الدولتان بالسلام لاحقًا بعد اعترافهما بالهزيمة الكاملة واستسلامهما للمنتصرين. كما يستشهدون بحرب فيتنام، حيث هُزمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الجنوبيون، وحقق الشمال انتصارًا ساحقًا أدى إلى توحيد فيتنام، وهو ما سمح لاحقًا بقيام علاقات جيدة بين واشنطن وهانوي.

وعند هذا التيار، المتغلغل في الدوائر المسيحية الصهيونية وفي إدارتي ترامب الأولى والثانية، فإن الصراعات التي لم تُحسم بهزيمة واضحة واعتراف كامل بالهزيمة لم يتحقق فيها سلام حقيقي. ويستشهدون بحالة الحرب الكورية (1950–1953)، التي انتهت بهدنة فقط، برغم سقوط ملايين الضحايا، ما أبقى النزاع مستمرًا. وبالمنطق نفسه، يرى مفكرو المسيحية الصهيونية أن عدم حسم إسرائيل انتصاراتها العسكرية، وعدم دفع الفلسطينيين والعرب إلى الاعتراف الكامل وغير المشروط بالهزيمة، هو ما يجعل الصراع مستمرًا حتى اليوم.

***

لا يعتبر ترامب نفسه رئيس حرب، بل يدّعي أنه رئيس سلام، مستشهدًا بما يعدّه وقفًا لإطلاق النار في قطاع غزة وفي سبعة نزاعات أخرى، مؤكدًا أنه لن يخون تعهداته بعدم التورط في حروب لا نهائية في الشرق الأوسط، إذ إنه — بحسب رؤيته — سيدمر القوة العسكرية ومقدرات الدولة الإيرانية بأقل تكلفة ممكنة وعن بُعد.

ويبرر ترامب حروبه وهجماته، التي طالت سابقًا أهدافًا داخل أراضي سوريا والعراق واليمن وليبيا ونيجيريا والصومال، بأنها «عمليات جراحية» مؤثرة لا ترقى إلى مستوى الحرب الشاملة. ويرى أن مهمة القوات الأمريكية ستنتهي بتدمير القدرات العسكرية الإيرانية، أو تركها دولة منزوعة السلاح، أو فرض مناطق حظر طيران، كما جرى مع العراق في تسعينيات القرن الماضي.

***

بعد إلغائه الاتفاق النووي عام 2018، وانتقاده لبنوده التي توصلت إليها إدارة الرئيس باراك أوباما، عرض ترامب في عدة مناسبات لقاء نظيره الإيراني للتفاوض على صفقة جديدة. وأعرب عن استعداده غير المشروط لعقد لقاء مباشر لبحث الخلافات والتوصل إلى اتفاق جديد يخدم مصلحة الطرفين.

وبعد عودته إلى البيت الأبيض، خدع ترامب إيران وانضم إلى العدوان الإسرائيلي عليها في حزيران/يونيو الماضي. وتصور أن تدمير المنشآت النووية الإيرانية، ثم حشد قوة عسكرية أمريكية ضخمة بالقرب من إيران، كفيل بأن يدفع طهران إلى الاستسلام للمطالب الأمريكية، غير أن ذلك لم يحدث.

لم تدرك القيادة الإيرانية طبيعة شخصية ترامب، كما أساءت تقدير عمق وتعقيد علاقاته بإسرائيل، وبخاصة أن من أدار ملف التفاوض من الجانب الأمريكي صهره جاريد كوشنر، وصديقه ستيف ويتكوف.

***

يتجاهل ترامب وكبار مستشاريه التاريخ والحضارة الإيرانيين، وكون إيران من الدول التي لم ينجح أحد في إخضاعها بالكامل عبر تاريخها الطويل؛ فهي دولة يمتد تاريخها لآلاف السنين، انتفضت مرارًا ضد أي قوة غريبة دفاعًا عن نفسها منذ عهد الإسكندر الأكبر.

وفي كلمته لإعلان بدء القتال، وجّه ترامب حديثه إلى الشعب الإيراني قائلًا: «أتوجه أخيرًا إلى الشعب الإيراني العظيم، وأقول لكم إن ساعة حريتكم قد حانت الليلة. ابقوا في منازلكم ولا تخرجوا، فالوضع في الخارج شديد الخطورة. ستتساقط القنابل في كل مكان. وعندما ننتهي، قوموا بالسيطرة على حكومتكم، وسينتقل زمام الأمور إليكم. وقد تكون هذه فرصتكم الوحيدة لأجيال قادمة».

وسبق أن وأدت الولايات المتحدة، عبر وكالة الاستخبارات المركزية، التجربة الديموقراطية الإيرانية بقيادة محمد مصدق عام 1953، ومن الصعب أن يصدق الإيرانيون ادعاءات ترامب، وبخاصة أنهم متيقنون من نوايا بنيامين نتنياهو.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  عندما تدعم إسرائيل أذربيجان ضد أرمينيا... ماذا عن إيران؟
محمد المنشاوي

كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  والي نصر: إستراتيجية الـ"لا صبر" الإيرانية تقيد إسرائيل وأميركا