النقطة الأولى في مكامن الضعف تتمثل في غياب الإجماع داخل الولايات المتحدة حول أحقية الحرب وضرورتها. هذا الانقسام لم يعد محصوراً في الأوساط الشعبية أو الإعلامية، بل برز بوضوح داخل المؤسسات الدستورية، ولا سيما في لجان مجلس الشيوخ التي أبدت تحفظات جدية على جدوى الانخراط في مواجهة مفتوحة مع إيران. كذلك ظهرت مؤشرات تردد داخل المؤسسة العسكرية نفسها، حيث عبّرت أوساط في البنتاغون عن قلقها من الانزلاق إلى حرب استنزاف في بيئة جغرافية وسياسية معقدة. هذا التباين في التقديرات ينعكس بطبيعة الحال على استدامة القرار السياسي، إذ يصعب على إدارة أميركية أن تواصل حرباً طويلة من دون غطاء مؤسساتي متين.
النقطة الثانية تتمثل في موقف الرأي العام الأميركي، الذي يبدو في غالبيته معارضاً للانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط. فقد تراكمت في الذاكرة الجماعية الأميركية تجربتا العراق وأفغانستان، وما حملتا من أكلاف بشرية واقتصادية وسياسية، الأمر الذي جعل المزاج العام أكثر ميلاً إلى الانكفاء والتركيز على التحديات الداخلية. هذا الواقع يفرض ضغطاً متزايداً على صناع القرار، خصوصاً في الأنظمة الديموقراطية حيث تشكل الانتخابات والرقابة البرلمانية والإعلام الحر عناصر كبح لأي مغامرة عسكرية مفتوحة.
النقطة الثالثة تتصل بطريقة إدارة التحالفات. تعامل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بداية الحرب مع حلفائه من موقع التفوق المطلق، متجاهلاً حساسياتهم ومصالحهم. هذا السلوك القائم على الشعور المفرط بالقوة أدى إلى تهميش شركاء أساسيين كان يمكن أن يشكلوا رافعة سياسية وعسكرية للحرب. ومع امتداد العمليات واتساع نطاقها، اكتشفت واشنطن أنها في حاجة ماسة إلى هؤلاء الحلفاء، سواء لتأمين غطاء داخل مجلس الأمن الدولي، أو لمنع تشكل محور دولي رافض لاستمرار الحرب، أو حتى لتأمين دعم ميداني ولوجستي في مسار العمليات.
ترتبط هذه النقاط أو الأخطاء الثلاثة إلى حد بعيد بطبيعة القيادة السياسية التي اندفعت نحو الحرب انطلاقاً من قناعة بإمكان حسمها سريعاً، إلا أن الزمن بدأ يعمل باتجاه معاكس. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الدول الديموقراطية، وبرغم تفوقها العسكري، تجد صعوبة في خوض حروب طويلة لأنها تتعرض تدريجياً لتآكل داخلي ناجم عن الانقسامات السياسية والضغوط الاقتصادية وتبدل المزاج الشعبي. وهنا تكمن مفارقة أساسية وهي أن القوة التي تسمح ببدء الحرب ليست بالضرورة كافية لإنهائها.
هذا يقود إلى سؤال محوري يتعلق بمعايير إعلان “إنجاز المهمة”. ففي حرب العراق، جرى تصوير إسقاط تمثال صدام حسين في بغداد في العام 2003 على أنه لحظة رمزية كافية لإعلان نهاية العمليات الكبرى. أما في الحالة الإيرانية، فإن غياب توغل بري واسع وعدم السيطرة على مراكز القرار أو البنية التحتية الحيوية للنظام يجعل من الصعب تحديد لحظة مماثلة. حتى العمليات النوعية، مثل اغتيال شخصيات قيادية رفيعة المستوى، لم تنتج تأثيراً حاسماً، إذ تمكن النظام من إعادة ترتيب هرم القيادة بسرعة، ما حرم الإدارة الأميركية من فرصة استثمار الحدث سياسياً لإعلان نهاية الحرب.
وما يزيد من تعقيد المشهد أن التقديرات الأميركية بدت في بدايات الحرب أقل دقة مما كان متوقعاً. فقد فوجئت واشنطن بقدرة النظام الإيراني على الصمود، سواء من خلال تماسك مؤسساته أو من خلال شبكات النفوذ الإقليمية التي شكلت عمقاً استراتيجياً له. هذا الصمود لم يكن عفوياً، بل نتاج استراتيجية طويلة الأمد قامت على توزيع عناصر القوة وتفادي الاعتماد على مركز واحد قابل للضرب. في المقابل، بدا أن إيران تراهن على عامل الوقت لأجل استنزاف الولايات المتحدة ومن خلالها الإقتصاد العالمي (اقفال مضيق هرمز)، مدركة أن كل يوم إضافي من الحرب يزيد من كلفتها السياسية والاقتصادية على خصومها.
من هنا يبرز السيناريو الأكثر ترجيحاً، وهو أن تنتهي الحرب بالعودة إلى طاولة المفاوضات. هذه المفاوضات لن تكون سهلة، إذ ستتناول أربعة ملفات رئيسية متفاوتة التعقيد. الملف النووي قد يكون الأسهل نسبياً، لأنه خضع في السابق لمسارات تفاوضية طويلة ويمكن إعادة تفعيل آليات مشابهة. أما البرنامج الصاروخي البالستي فيبقى أكثر حساسية، نظراً لارتباطه المباشر بمفهوم الردع الإيراني. ويزداد التعقيد في ملف الأذرع الإقليمية الذي يمس توازنات قوى راسخة في أكثر من ساحة. في المقابل، يبدو ملف النفط قابلاً للتسوية ضمن مقاربات براغماتية توازن بين العقوبات والمصالح الاقتصادية الدولية.
وفي خلفية هذا المشهد، تبرز فرضية أن الولايات المتحدة كانت تفضّل في مرحلة ما تجنب الحرب المباشرة مع إيران، وترك حليفها الإسرائيلي يخوض مواجهة تعويضية مع قوى حليفة لطهران في المنطقة، بما يحقق مكاسب سياسية داخلية ويعيد رسم قواعد الاشتباك. غير أن تطورات الميدان أظهرت أن ديناميات التصعيد قد تجر صانع القرار إلى خيارات لم يكن ينوي الذهاب إليها. وهكذا يجد نفسه في خضم حرب باتت خواتيمها مرهونة بتوازنات داخلية وخارجية معقدة ومتشابكة من جهة، وبقدرة الخصم على الصمود والمناورة من جهة أخرى.
في الخلاصة، تشي هذه الحرب أن الزمن عنصر حاسم في الصراعات الكبرى، وأن من ينجح في استثماره قد يُعوّض فجوات القوة الصلبة بقدرة أعلى على التحمل وإعادة إنتاج الخيارات واستثمار الموارد. وفي هذا المعنى، تبدو الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران نموذجاً كلاسيكياً لصراع الإرادات الذي لا يحسمه الصاروخ وحده.
