لماذا لم تخسر إيران هذه الحرب؟

في خضمّ الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية: لماذا لم تخسر إيران هذه الحرب رغم الفارق الكبير في موازين القوة؟ فالصراعات الحديثة لم تعد تُحسم بالتفوق التكنولوجي أو القوة النارية وحدها، بل تتداخل فيها عوامل أكثر تعقيداً تتعلق بالإرادة السياسية، والقدرة على إدارة الصراع، واستثمار الزمن، والتعامل مع عنصر المفاجأة.

تحدّث كبير فلاسفة الحرب الجنرال البروسي كارل فون كلاوزفيتز عن “ثُلاثية متناقضة” (paradoxical trinity) تتكوّن من الإرادة والعقل والصدفة، بوصفها عناصر متشابكة تحدّد طبيعة الحرب. فالإرادة (Will) تمثل البعد النفسي والعاطفي، أي قوة العزم والعاطفة الشعبية أو السياسية التي تدفع نحو الاستمرار في الحرب. أما العقل (Intellect) فالمقصود به هنا هو الجانب المنظّم والعملي، أي التخطيط العسكري، التفكير الاستراتيجي، والقدرة على إدارة العمليات بوعي وتحليل. تبقى الصدفة (Chance) التي تعكس عنصر عدم اليقين، أي ما يطرأ من أحداث غير متوقعة، أخطاءً، أو ظروفاً طارئة قد تغيّر مسار الحرب.

كلاوزفيتز وصف هذه العناصر بأنها “مفارِقة” لأنها لا تتكامل بشكل سلس، بل تتفاعل في توتر دائم: الإرادة قد تتعارض مع الحسابات العقلية، والعقل قد يُربكُه عنصر الصدفة. هناك عنصر رابع لا يقل أهمية في الحروب لم يضعه كلاوزفيتز ضمن العناصر الحاسمة وهو عامل الوقت. أشار إليه الفيلسوف والجنرال الصيني المعروف صن تزو واعتبره جوهرياً في الحرب، إذ شدّد على أن اختيار اللحظة المناسبة للهجوم أو الانسحاب يحدد النصر أو الهزيمة، وأن السرعة والمبادرة قد تعادل القوة نفسها[1]. فالطرف الذي يُحسن توظيف عامل الزمن لصالحه، هو الأقدر على ترجيح كفّة النصر على خصمه.

في الحرب الدائرة حالياً بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى، تتفوق الإرادة عند الإيرانيين في العقيدة الثورية للنظام، وفي خطاب المقاومة الذي يعبّئ الشعب ضد عدوان خارجي، ويتعاظم تدريجياً وعي داخلي بأن هذه الحرب لها بعد وجودي سواء فيما يخص بقاء النظام، أو حتى فيما يخص بقاء إيران كدولة موحدة ذات مقومات للاستمرار.

أما الولايات المتحدة وإسرائيل، فالإرادة السياسية لديهما تتمحور حول حماية الأمن القومي، ولا سيما بالنسبة لإسرائيل، ومنع إيران من امتلاك قدرات نووية، وهي إرادة قوية داخل المجتمع الإسرائيلي لكنها ضعيفة داخل أميركا حيث لا يرى المواطنون الأميركيون خصوصاً لدى جماعة “أميركا أولاً” حوافز كافية لشن حروب ضد أخطار غير ثابتة. فالداخل الأميركي غير مقتنع بجدوى الذهاب إلى حرب لا تهمه أهدافها بشكل كاف، وتترتب عليها أكلاف مادية وبشرية دون عائدات واضحة لمجتمع يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية. وهذا يشكل بالتأكيد عامل خوف لدى الإدارة الأميركية الذاهبة بعد بضعة شهور إلى انتخابات نصفية.

فيما يتعلق بعنصر التخطيط والتنظيم، كانت الخطة الأميركية – الإسرائيلية للحرب قائمة على عقيدة “الصدمة والرهبة” (Shock and Awe)، أو ما يُطلق عليها أيضًا “الهيمنة السريعة” (Rapid Dominance)[2]. وقد ثبت منذ الأيام الأولى فشل هذه الخطة حيث أثبتت إيران أنها متماسكة سياسياً وعسكرياً، وأنها تحضرت جيداً لهذه الحرب، ولم تنهر تحت الضغط كما حدث في بغداد عام 2003. من الناحية السياسية والاجتماعية، يستند النظام الإيراني إلى خطاب تعبوي يقوم على فكرة “المقاومة”، ما يمنحه قدرة على امتصاص الخسائر العسكرية دون انهيار سياسي سريع. بخلاف العراق عام 2003، فإن المؤسسات الإيرانية أكثر تماسكاً، وتستند إلى قاعدة شعبية صلبة معبّأة بشكل كبير. كما ثبت أن خطة العمل التي اتبعتها حتى اليوم فعّالة وأنها قادرة على تحويل الحرب إلى استنزاف طويل الأمد.

يبقى عامل عدم اليقين الذي يفرض نفسه في كل حرب. فهل تنجح خطة جعل النظام الإيراني ينهار من داخله؟

حتى الآن، وبرغم الضخ الإعلامي الهائل للحض على الثورة والتمرد، تشي التقارير الواردة من داخل إيران وحتى من الإيرانيين في الخارج أن هذه الفرضية مستبعدة إلى حد كبير.

وهل تنفذ الصواريخ الإيرانية وينهار الجسم الإيراني المقاتل؟

من غير المرجح حصول هكذا أمر. فإيران تمتلك واحدة من أكبر القدرات الصاروخية في الشرق الأوسط، إضافة إلى منظومات الطائرات المسيّرة، وهي قدرات تقوم على إنتاج محلي متجدد برغم العقوبات الدولية[3].

كما أن مفهوم “الجسم الإيراني المقاتل” لا يقتصر على الجيش النظامي، بل يشمل الحرس الثوري وقوات الباسيج، إضافة إلى شبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين مثل حزب الله في لبنان، أنصار الله في اليمن، والحشد الشعبي في العراق. هذا التوزيع الجغرافي والاستراتيجي يجعل من انهيار القوة الإيرانية أمراً بالغ الصعوبة.

حتى الآن لا دليل على تعب الإيرانيين، فهل ينجح ترامب ونتنياهو في حشد تحالف دولي يخوض هذه الحرب إلى جانبهما؟

لم ينجح الجانبان الأميركي والإسرائيلي في تحشيد معسكر الحلفاء إلى جانبهما؛ معظم الدول الكبرى إما متحفظة أو منتقدة علناً، بينما اقتصرت بعض المواقف على دعم محدود في مجالات أمنية أو لوجستية دون مشاركة عسكرية مباشرة.

إلى جانب هذه الثلاثية الكلاوزفيتزية، يبرز عامل الوقت كبُعد رابع لا يقل أهمية. فالزمن ليس إطاراً محايداً، بل يُستخدم بوصفه سلاحاً استراتيجياً بحد ذاته. إيران تراهن على إطالة أمد المواجهة، إذ ترى أن مرور الوقت يرهق ويستنزف خصومها سياسياً واقتصادياً ويزيد من احتمالات تغيّر المزاج الدولي، وبخاصة مع إمساكها بورقة النفط وخنقها للاقتصاد العالمي مع إغلاقها لمضيق هرمز وتلويحها بورقة باب المندب عبر حلفائها في اليمن، وشلّ الحياة الاقتصادية والانتاجية لدول الخليج العربي.

إقرأ على موقع 180  العلم الفلسطيني.. والصلافة السياسية

في الخلاصة، تعتمد إيران على الإرادة وحسن التخطيط والزمن بينما فشل رهان الولايات المتحدة وإسرائيل على التفوق التقني والعسكري؛ وهذا ما يفسّر لماذا من الصعب أن تخسر إيران هذه الحرب برغم الفارق الكبير في القدرات العسكرية، إذ يمكن للإرادة الشعبية المجبولة بالعقيدة والعوامل الزمنية وغير المتوقعة أن تُحدث انعطافات حاسمة في مسارات الصراعات على مر التاريخ.

[1] – Sun Tzu. The Art of War. Translated by Lionel Giles, Digireads.com Publishing, 2009. Originally published ca. 5th century BCE.

[2] – Harlan K. Ullman & James P. Wade, Shock and Awe: Achieving Rapid Dominance, National Defense University, 1996.

[3] – Anthony H. Cordesman, Iran’s Military Forces and Warfighting Capabilities, Center for Strategic and International Studies, 2020.

Print Friendly, PDF & Email
هالة أبو حمدان

أستاذة القانون العام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  ما أشبه اليوم بالأمس!