مع الوقت، تبين أن أداء الإيرانيين في هذه الحرب كان مختلفاً بأشواط عما كان عليه في حرب الـ12 يوماً في حزيران/يونيو 2025. كذلك تبين أن أداء المقاومين في جبهة الجنوب لم يكن في حسبان أحد لا في المواجهة البرية ولا القدرة الصاروخية ولا حتى في قدرة الرصد والاستطلاع؛ وهذان المشهديتان رفعتا معنويات البيئة التي تحتضن المقاومة في لبنان.
لكأن حزب الله يرد للإسرائيلي ما أوقعه فيه. فقد كان جلياً أن الجيش الإسرائيلي نصب فخاً استراتيجياً للحزب طوال سنة من عمر “حرب الإسناد” التي خيضت دعماً للمقاومة في غزة، إذا تبين أن مناورات تل أبيب للفصل بين الجبهتين الفلسطينية واللبنانية، جعلت الحزب أكثر اطمئناناً إلى أنه يمسك بزمام المبادرة، وعندما جاءت “ساعة الصفر” كشف الإسرائيلي أوراقه الواحدة تلو الأخرى.
ولا شك أن حرب العام 2024 شهدت إخفاقات مميتة لحزب الله، كانت فاتحتها في 17 أيلول/سبتمبر مجزرة البيجرز، وفي اليوم التالي تفجير أجهزة اللاسلكي، وبعد أقل من 48 ساعة أبادت مقاتلات إسرائيلية قيادة وحدة “الرضوان”، في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، لتكر سبحة الاخفاقات بعدما تبين أن الإسرائيليين تمكنوا من خرق “داتا” وحدة الأمكنة في الحزب وأيضاً معظم منظومات الاتصال الداخلية، الأمر الذي جعل الحزب المنكشف، كما لم ينكشف في اي مرحلة، يُخلي معظم المنشآت التي كلّفت سنوات من الجهد المضني، ولكن بعد أن كان قد دفع أثماناً كبيرة بسقوط أمينه العام السيد حسن نصرالله شهيداً ومن ثم السيد هاشم صفي الدين وعدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية البارزة.
وعلى الرغم من ذلك، خاضت المقاومة معركة البر طوال 66 يوماً بروحية استثنائية، حيث بدا أن عناصر الاخفاق قابلها نجاح مئات لا بل آلاف المقاومين في خوض مواجهة برية ميدانية حالت دون تقدم الجيش الإسرائيلي في العمق الجنوبي ولا سيما في الخيام التي قدّمت نموذجاً يتكرّر في المواجهة الجديدة.
أما اليوم، فمن الجلي أن المقاومة استعدت للمواجهة بعد 15 شهراً من الترميم والتعافي، مستندة إلى ما تبقى لها من منشآت غير مكشوفة ومنصات ما زالت قائمة، وتخلت عن استراتيجية الصد لتحل مكانها استراتيجية “الدفاع المرن” وعدم الثبات والتحرك الدائم، وهي استراتيجية لامركزية تشبه إلى حد كبير تشكيلات المقاومة إبّان فترة الاحتلال. وعليه؛ وبعد انقضاء ثلاثة أسابيع على الحرب، ما زالت المعارك قائمة في البلدات الحدودية التي كان الجيش الإسرائيلي يقتحمها يومياً في إطار “حرية الحركة” التي حكمت تعامله مع الوقائع التي تلت وقف اطلاق النار.
بهذا المعنى، نجح حزب الله في نصب فخ استراتيجي للإسرائيليين، وبالمقابل، فاجأ جمهوره الذي لم يُصدق في أولى ساعات هذه المعركة أن الحزب قد تعافى إلى حد كبير وبات قادراً على خوض مواجهة من نوع جديد، وبأساليب جديدة مختلفة عن تلك التي كانت معتمدة في العامين 2023 و2024.
وبما أن هذه الحرب من منظور إسرائيلي قامت لتُنهي التهديد القائم في الشمال، ولم يعد جائزاً تأجيل الإنجاز المتعثر إلى حرب لاحقة، كما حصل في اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. بات من الضرورة بمكان، أن يعود الإسرائيلي إلى استراتيجيته السابقة، والتي كانت سائدة قبل عملية “طوفان الأقصى”، أي استراتيجية الاحتواء، أو ما تعرف بـ”استراتيجية إدارة المخاطر”.
وليس مستبعداً أن يُقلع الجيش الإسرائيلي عن استراتيجية “الدفاع المتقدم”، أو “الدفاع الهيكلي” التي تحدثت عنها ورقة الإحاطة التي قدمها مركز «ألما» الإسرائيلي، المختص في إعداد دراسات عن لبنان، والقاضية بوجوب التخلص من حزب الله على مختلف المستويات، العسكرية والسياسية والمالية والاجتماعية أيضا. وبالتالي التعايش مجدداً مع تهديد قائم في الشمال والتسليم بتغيير قواعد الاشتباك وصولاً إلى الكف عن ممارسة “حرية الحركة” أو ما يعرف بـ”التعقب الساخن”.
