في وداع أحمد قعبور.. حين يصبحُ الصوتُ وطناً

في مدنٍ صاخبة كـبيروت، لا يُقاس حضور الفنان الملتزم بما تركه من أعمال فحسب، بل بما زرعه في الوجدان من أثرٍ عميقٍ لا يُمحى. هناك أصوات تعبر الزمن كأيّ صوتٍ عابر، وأخرى تتحوّل إلى جزء من ذاكرة المكان والناس، تُستعاد كلما اشتدّ الحنين أو اشتبك الواقع مع أسئلته الكبرى. في هذا الأفق، يبرز أحمد قعبور لا كمغنٍّ وحسب، بل كصوتٍ شكّل وجدان مدينة، وكتب ولحّن وغنى، بطريقته الخاصة، سيرةً موازيةً لبيروت وأهلها ولكل أولاد البلد من الشمال إلى الجنوب.

كان صوته يملأ كيان البيت،

يتسلّل من مذياعٍ صغير ويستقرّ في تفاصيلنا،

يُضفي على الأثاث المتواضع مسحةً من دفءٍ لا يُشترى.

لم يكن صوتًا عابرًا في الخلفية،

بل كان واحدًا منّا،

يجلس معنا دون أن نراه،

ويخاطبنا كأن بينه وبين قلوبنا معرفةً قديمة.

كنتُ أحسبه، ببراءة الطفولة،

واحدًا من أقرباء العائلة،

ذلك القريب البعيد الذي لا نلتقيه

لكننا نعرف نبرته جيّدًا،

ونألف حضوره دون أن نسأل عنه.

كان ينادينا عبر الإذاعة،

لا كجمهورٍ مجهول،

بل كأفرادٍ يعرفهم بالاسم،

كأن لكلّ واحدٍ منّا حصّةً خاصةً من صوته.

هكذا دخل حياتي،

لا كفنانٍ يُستمع إليه،

بل كقريبٍ يُصغى له..

وكصوتٍ سيبقى، حتى بعد الغياب،

جزءًا من ذاكرة البيت.

***

ليس من السهل أن نكتب رثاءً لمن لم يكن مجرد فنان، بل كان ذاكرةً كاملةً تمشي على قدمين، وصوتًا يشبه البلاد حين تحاول أن تنجو من نفسها.

برحيل أحمد قعبور، لا نخسر مغنّيًا فقط، بل نخسر طبقةً من وجداننا الجمعي، نخسر ذلك الخيط الرفيع الذي كان يربط بين الأغنية والكرامة، بين اللحن والالتزام، بين الفنّ والناس.

كان ابن بيروت الحقيقية، لا تلك التي تُختصر في الواجهات، بل التي تُعاش في الأزقّة، في المقاهي القديمة، في أصوات الباعة، وفي جدالات الناس التي لا تنتهي. بيروتيٌّ علمانيّ، بالمعنى العميق للكلمة، يرى في المدينة مساحةً للجميع، لا تُقسَّم على الطوائف بل تُروى بالحكايات المشتركة. في صوته شيءٌ من فسيفساء المدينة: من الميناء، من التعب، من الضحك المفاجئ وسط الأزمات، ومن تلك القدرة العجيبة على السخرية حتى في أقسى اللحظات.

علاقته بناس بيروت لم تكن علاقة فنان بجمهور، بل علاقة ابن بحيّه. كان يعرفهم ويعرفونه معرفة وجدانية؛ كأن صوته مرآة تعكسهم. لذلك، حين كان يغنّي، لم يكن يُنشد لهم، بل معهم. وفي هذا، يلتقي، ولو على نحوٍ مختلف، مع الفنان البيروتي عمر الزعني، الذي سبقه في التقاط نبض المدينة وتحويله إلى فنّ. كلاهما انحاز إلى الناس، لكن حيث مال الزعني إلى السخرية اللاذعة، جاء قعبور أكثر حنانًا؛ أكثر ميلًا إلى الشجن، كأنه يربّت على كتف المدينة بدل أن يوبّخها.

***

منذ بداياته، لم يكن أحمد قعبور مشروع نجمٍ تقليدي، بل كان مشروع موقف. خرج من الطريق الجديدة في بيروت؛ من مدينة كانت تتكوّن على إيقاع التحولات، حاملاً صوته كمن يحمل قضية، لا كمن يسعى إلى شهرة. لم تكن الأغنية عنده ترفًا، بل ضرورة؛ لم تكن زينةً لغوية، بل شهادة. وحين أطلق أغنيته الشهيرة “أناديكم” في غمرة الحرب الأهلية، لم يكن يدرك ربما أنه لا يكتب لحظة عابرة، بل يزرع نشيدًا سيبقى عالقًا في حناجر أجيال.

تميّز بقدرته على جعل البساطة عمقًا. لم يكن صوته مدجّجًا بالتقنيات، لكنه كان مشحونًا بالصدق. تلك النبرة التي تشبه حديثًا بين صديقين، أو اعترافًا في ساعة متأخرة من الليل، كانت سرّ وصوله إلى القلوب. لم يكن يغنّي من فوق المسرح، بل من قلبه؛ من تلك المنطقة الحساسة التي يلتقي فيها الفنّ بالوجع.

***

في مسيرته الطويلة، لم ينفصل أحمد قعبور عن قضايا الناس. كان ابن الحرب اللبنانية، لكنه لم يستسلم لبلاغتها القاسية. غنّى للطفولة حين كانت تُسلب، وللوطن حين كان يتشظّى، وللحبّ حين كان يختبئ خجلًا خلف الركام. لم يساوم على لغته، ولم يخفّف من حدّة رسالته، بل ظلّ وفيًّا لذلك الخطّ الدقيق بين الجمال والالتزام.

وإذا كانت الساحة الفنية قد شهدت تحولات كثيرة، فإنه بقي ثابتًا في جوهره. لم ينجرف نحو السوق، ولم يُغرِه بريق الاستهلاك، بل ظلّ يؤمن بأن الأغنية يمكن أن تكون موقفًا أخلاقيًا.

وفي زمنٍ تراجعت فيه الكلمة أمام الإيقاع، ظلّ أحمد يراهن على المعنى، وعلى تلك القدرة الخفية للكلمات أن تُذكّر.

***

لم يكن حضوره مقتصرًا على الغناء فحسب، بل امتدّ إلى العمل الثقافي والتربوي، حيث ساهم في تشكيل وعيٍ جديد حول دور الفنّ في المجتمع. كان يرى في الطفل مشروع إنسان حرّ، وفي الأغنية وسيلةً لتربية الحسّ الجمالي والإنساني معًا. هكذا، لم يكن إرثه مجموعة أغانٍ فقط، بل منظومة قيم.

***

في وداعه، لا يمكننا أن نفصل بين الشخص والفنّ. لم يكن يؤدي أدوارًا، بل كان يعيش ما يغنّي. لذلك، حين نسمع صوته اليوم، لا نشعر أنه غائب. هناك شيء فيه يقاوم الفناء، شيء يشبه الذاكرة حين ترفض أن تُمحى.

نرثيه اليوم، لكننا في الحقيقة نرثي جزءًا منّا. نرثي تلك القدرة على الحلم التي كانت أغانيه توقظها فينا. نرثي ذلك الإيمان البسيط بأن الفنّ يمكن أن يكون إلى جانب الإنسان، لا عليه. ومع ذلك، لا يبدو هذا الوداع نهايةً كاملة، بل تحوّلًا.

إقرأ على موقع 180  صناعة الحروب.. وأوهام السلام

***

أحمد قعبور، أيها الذي غنّى كأنك تكتب وصيّةً للحياة، نودّعك اليوم لا بصمت، بل بما تركته لنا من ضوء. سنحمل أغنياتك كما تُحمل الأمانات، ونردّدها كلما حاول العالم أن يقنعنا بأن لا جدوى من الغناء.

لأنك علّمتنا، ببساطةٍ نادرة، أن الأغنية قد لا تُغيّر العالم، لكنها قادرة أن تُبقي القلب حيًّا…

وهذا، في زمنٍ كهذا.. يكفي كي نواصل.

Print Friendly, PDF & Email
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  غضب "آلهة الموساد".. ماذا لو نزل على قادة حماس؟