لم يعد السؤال: هل ينجح التفاوض في اسلام آباد؟ بل: ضمن أي بيئة إقليمية يمكن أن يصمد، وما الشروط التي تحول دون انهياره قبل أن يترسّخ؟ فالمسار القائم لا يقتصر على الملف النووي الإيراني، بل يتصل ضمنياً بإعادة رسم حدود النفوذ، وضبط إيقاع الردع، وتحديد قواعد الاشتباك بين القوى الفاعلة. وفي هذا السياق، يبرز لبنان لا كملف هامشي، بل كساحة اختبار حقيقية لقدرة أي اتفاق على الاستمرار.
ما جرى يوم الأربعاء الماضي من استهداف إسرائيلي لبيروت غير مسبوق منذ اجتياح العام 1982 ذهب ضحيته أكثر من ثلاثمائة شهيد وأكثر من 1200 جريح، على مسافة أيام قليلة من بدء المفاوضات الأميركية الإيرانية، يعكس خللاً بنيوياً في مقاربة التفاوض، حيث جرى التعامل إسرائيلياً مع الجبهة اللبنانية كملف منفصل، برغم ارتباطها العضوي ببنية الصراع الإقليمي. في المقابل، برزت ضغوط أوروبية لإدراج لبنان ضمن أي وقف إطلاق نار شامل، انطلاقاً من إدراك أن استبعاده يهدد أي تهدئة بالانهيار.
بناءً عليه، لم يعد لبنان مجرد ساحة ملحقة، بل تحوّل إلى عنصر بنيوي في التفاوض. فإذا كان الهدف من الاتفاق هو “ضبط الصراع” لا حسمه، فإن استقراره يتطلب تحييد الساحات الأكثر قابلية للاستخدام كأدوات تفجير. ولبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، يمثل الحالة الأكثر تعقيداً: تماس مباشر مع إسرائيل، ارتباط استراتيجي بإيران عبر حزب الله، وهشاشة داخلية تفتح الباب أمام التأثيرات الخارجية. هذه العوامل تجعل منه نقطة تقاطع لا يمكن تجاوزها في أي تسوية جدية.
في قراءة موازية، يمكن التمييز بين ما هو قابل للتفاهم بين واشنطن وطهران، وما يبقى خارج نطاق التسوية السريعة. فالمستوى التقني—كالملف النووي ومضيق هرمز والعقوبات وقواعد الاشتباك—يبقى قابلاً للإدارة والتدرج. أما بنية النفوذ الإقليمي، بما تشمل من شبكات حليفة وقدرات صاروخية ووظائف الساحات، فهي أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتفكيك. ولبنان يقع تحديداً عند هذا الحد الفاصل: ليس مجرد ملف يمكن تجميده، بل جزء من معادلة الردع والنفوذ.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم التحول النسبي في المقاربة الإسرائيلية تجاه فكرة التفاوض مع لبنان. فبعد أن كان هذا الخيار مستبعداً، عاد ليُطرح في ظل واقع ميداني مختلف، حيث يجري توظيف الضغط العسكري لإعادة تعريف شروط التفاوض وعدم تفويت الفرصة السياسية (الاستثمار). لم يعد الهدف تسوية متكافئة، بل السعي إلى تفكيك عناصر القوة لدى حزب الله، وفصل لبنان وظيفياً عن إيران. أي أن التفاوض، في الرؤية الإسرائيلية، تحوّل من أداة لتنظيم العلاقة إلى وسيلة لإعادة تشكيلها وفق ميزان قوى جديد.
غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع لبناني معقّد. فالدولة اللبنانية، في وضعها الراهن، لم تستكمل شروط التحول إلى طرف تفاوضي سيادي كامل، ما يجعل أي مسار تفاوضي عرضة لاختلال التمثيل أو للضغط الخارجي. وهنا يبرز مأزق مزدوج: إما أن يبقى لبنان ورقة ضمن التفاوض الإقليمي، أو أن يُدفع إلى تفاوض مباشر قبل أن تتوافر لديه مقومات الدولة القادرة. في الحالتين، يبقى الخلل الداخلي عاملاً حاسماً في تحديد النتائج.
مع ذلك، لا يقتصر دور لبنان على كونه عنصر تهديد لمسار التفاوض، بل يمكن أن يتحول إلى مدخل للحل إذا أُعيدت مقاربته ضمن إطار مختلف. فنجاح أي اتفاق أميركي–إيراني يحتاج إلى ترجمة إقليمية ملموسة، ولا توجد ساحة أكثر قابلية لاختبار هذه الترجمة من لبنان. إن تثبيت وقف إطلاق نار فعلي، وإطلاق مسار تفاوضي بضمانات دولية، يمكن أن يحوّلا لبنان من ساحة اشتباك إلى نموذج أولي لإعادة بناء التوازن الوطني.
غير أن هذا التحول يظل مشروطاً بإعادة تعريف الهدف من التهدئة. فالمطلوب لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى إعادة بناء الدولة اللبنانية بوصفها الإطار الجامع للمصالح. فالاتفاقات التي تكتفي بضبط التوتر دون معالجة جذوره، إنما تؤجل الأزمات ولا تنهيها. أما إخراج لبنان تدريجياً من وظيفة “الساحة المستخدمة”، فيفتح المجال أمام استعادة السيادة وتفعيل مؤسسات الدولة.
في المحصلة، يتقاطع مسار التفاوض الأميركي–الإيراني مع ما يمثّله لبنان في بنية الصراع الإقليمي: ساحة اختبار لحدود النفوذ، ومؤشر على قدرة أي اتفاق على الصمود خارج إطاره النظري. فكما أظهر التباين بين مسار التهدئة الثنائية والتصعيد الميداني، لا يمكن لأي تفاهم أن يستقر ما لم تُدمج الساحات الأكثر حساسية ضمن مقاربته، وفي مقدمتها لبنان.
من هنا، لا يُقاس نجاح التفاوض بقدرته على إدارة الملفات التقنية أو ضبط الإيقاع العسكري فحسب، بل بمدى قدرته على إنتاج ترجمة إقليمية متماسكة، تعالج مكامن الهشاشة بدل الالتفاف عليها. ولبنان، بما يحمله من تعقيدات داخلية وتشابكات خارجية، يبقى الامتحان الأكثر دقة: إما أن يُعاد إدراجه ضمن رؤية تعيد الاعتبار للدولة وتُخرجه تدريجياً من وظيفة “الساحة”، أو أن يبقى نقطة رخوة قابلة لتقويض أي اتفاق عند أول اهتزاز.
وعليه، فإن مستقبل التفاوض لا يتحدد فقط على طاولة المباحثات، بل في كيفية مقاربة لبنان داخل هذه المعادلة: هل يُدار كملف أمني ظرفي، أم يُبنى كركيزة لاستقرار أوسع؟ عند هذا الحدّ بالذات، تتضح حدود الاتفاق.. وإمكاناته.
