بيّن المسح الدولي أنّ جميع هذه المنظّمات، سواءً كانت تابعة للأمم المتحدة أم دوليّة أو محليّة، تعاني من إشكاليّات في توصيل المساعدات إلى السوريين وتوزيعها على المحتاجين أو صرفها على المشاريع الإنسانيّة. أهمّ هذه الإشكاليّات هي حبس السيولة والتحديد المفروض على السحوبات، نتيجة سياسات يتّبعها المصرف المركزي السوري منذ أكثر من سنة. كذلك فيما يخصّ منعها من التعامل بالعملات الصعبة في بلدٍ أصبح فيه التداول بهذه العملات عادياً في الأسواق. وأيضاً بيّن المسح الصعوبات في إيصال الأموال إلى هذه المنظّمات من الخارج إلى داخل سوريا، برغم امتلاك معظمها حسابات في المصارف السوريّة. فبقي أكثر من نصفها يلجأ إلى نظام “الحوالة”، على غرار زمن العقوبات الماليّة، ما يجعل الأموال المعنيّة خارج النظام المصرفي السوري.
وعندما تتمّ مقارنة أسعار صرف الدولار الأميركي بين الليرة السوريّة والتركيّة، يظهر جليّاً أنّ مصرف سوريا المركزي قد اعتمد منذ بضعة أشهر سياسة ضبط سيولة وسحوبات لتثبيت سعر الصرف بين العملتين. وذلك بعد أن كانت الليرة التركية، التي تُدار بحيث تتراجع تدريجيّاً أمام الدولار الأميركي (تراجعت بمقدار 50% مقارنةً مع أوائل عام 2024)، قد اكتسبت أكثر من 40% مقارنةً مع الليرة السورية. أي أنّ المنتجات التركية أضحت منذ بداية عام 2025 أرخص بأكثر من 40% بالنسبة للسوريين، في حين أنّ تركيا أكبر مُصَدِّر لسوريا.
يحقّ هنا التساؤل: لماذا اعتمد مصرف سوريا المركزي سياسة تثبيت سعر الصرف على سعرٍ لا يناسب تجارة البلاد الخارجيّة؟ وكذلك لماذا يقوم بذلك عبر كبح السيولة والسحوبات، ما يعيق نهوض الاقتصاد السوري والتعافي؟ ولماذا لم يُصرِّح المصرف المركزي عن موجوداته بالعملات الأجنبيّة حين أطلق العملة الجديدة، في حين أنّه تحدّث فقط عن موجودات الذهب؟ وكذلك لماذا ما زالت شركات الصرافة في سوريا تسلّم ليرات سوريّة “قديمة”، لكن جديدة غير مستعملة، عندما يتمّ صرف عملة صعبة؟ في حين أنّ المصرف المركزي صرّح أنّه سيتمّ إخراج هذه الليرات القديمة من التداول خلال فترة قصيرة.
في هذا المجال، يُحذِّر أغلب الخبراء من مخاطر تثبيت سعر الصرف بعملة مبالغ في تقدير قيمتها، الأمر الذي يضرّ بالنموّ الاقتصادي ويُعطّل التعافي بعد النزاعات، كما يجعل من الصعب على الاقتصاد استيعاب المساعدات وتحويلات المغتربين دون إثارة ضغوط تضخّميّة إضافية، وبالتالي يجعل التخفيض الذي سيجري حتميّاً تماشياً مع الواقع الاقتصادي أكثر إيلاماً من التعديل التدريجي.
المحور الآخر للإشكاليّات التي يطرحها مسح مجموعة العمل المالية هو صعوبة التحويلات إلى سوريا بشكلٍ عام، ما يعني أنّه بالرغم من الرفع الاسمي للعقوبات التي كانت الولايات المتحدة قد وضعتها على سوريا (قانون قيصر مثلاً)، ما زالت معظم المصارف الأجنبيّة تُحجِم عن التعامل مع المصارف السوريّة، وبخاصّةً مصرف سوريا المركزي.
هنا، ليست القضية حقّاً هي نظام “السويفت” للتحويلات المالية، إذ بقي هذا النظام يعمل طوال سنوات الصراع بين مصارف سوريّة خاصّة وبين المصارف التي كانت تقبَل أن تكون مراسلة لها في الخارج، ومثال ذلك المصارف السوريّة التابعة لمصارفٍ في دول الخليج. لكن ثمة حالة من الحذر الشديد من ماهية هذه التحويلات والتخوّف من مساهمتها في “تبييض أموال” أو “تمويل إرهاب”، وهذا في الواقع ما يُصعِّب قبول مصارف أجنبيّة أخرى أن تكون مصارف مراسِلة.
تكمُن الإشكاليّة هنا في أنّ أغلب التعاملات المالية في سوريا أضحت، بعد كانون الأوّل/ديسمبر 2024، تتمّ إمّا نقداً (كاش) أو عبر “الحوالات” وشركات الصرافة والتحويل، وكذلك عبر منظومة “شام كاش” الإلكترونيّة، التي لا يبدو أنّها خاضعة لقانون النقد والتسليف السوري، والتي تشكِّل إحدى نقاط المخاطر للمصارف الأجنبيّة.
وكانت تركيا قد أسّست منظومة تحويل ودفع في شمال غرب سوريا، عبر مكاتب البريد التركي (PTT). وحقّاً قامت هذه المكاتب بدورٍ كبيرٍ في صرف المساعدات في الداخل السوري، مع بعض الضمانات للجهات القائمة على هذه المساعدات، بما أنّ البريد التركي خاضع لرقابة المصرف المركزي التركي، كما أنّ شركات التحويل السورية العاملة انطلاقاً من تركيا قامت بدور مماثل.
وهنا تأتي أهميّة التصريح الأخير حول تسريع التعاون السوري-التركي في أنظمة المدفوعات كي يصبح مؤسسيّاً أكثر. بالطبع، سيسهِّل قبول مصرف تركيا المركزي أن يكون مراسلاً لمصرف سوريا المركزي التعاملات مع بقية البلدان في ظلّ حذر المصارف المركزيّة الأخرى. كما أنّ مقايضة العملة بين البلدين ستسهِّل التجارة بينهما وتشكّل جزءاً من سياسة تثبيت سعر الصرف مؤخّراً مقابل الليرة التركية. كما سيساعد قيام نظام مدفوعات عابر للحدود وترخيص مصارف تركية في سوريا على الحدّ من هيمنة الحوالات ونظام الكاش.
ولكن يحقّ التساؤل هنا عن ترخيص مكاتب البريد التركي في سوريا، التي يبدو أنّها ما زالت تعمل، وكذلك عن التعاون السوري-التركي لإيجاد صيغة قانونيّة لمنظومة “شام كاش”، وبخاصّةً أنّ مقاصّاتها النهائيّة كانت، ويبدو أنّها ما تزال، تجري في تركيا.
اختصاراً، لا يُمكن تعافي الاقتصاد السوري والخروج من الآليّات المالية التي فرضتها العقوبات سوى بتفعيل النظام المصرفي السوري وجلب الثقة مجدّداً للإيداع فيه، بدل تحديد السحوبات وكبح السيولة، وضبط إيقاعه كي يلعب، من خلال ادّخارات المواطنين وتحويلات المغتربين، دوراً في تأمين تمويل دفع العجلة الاقتصادية والنموّ.
هذا كلّه مع الأمل بمزيد من الشفافيّة بخصوص مُجمَل القضايا النقديّة والمالية والاقتصادية في سوريا.
وفي هذا السياق، لا بدّ من الارتياح إلى أنّ أرقاماً أولى صدرت مؤخّراً عن وزارة المالية السورية، إلاّ أنّها خلقت الكثير من التساؤلات، مثلاً حول تقدير الناتج المحلي الإجمالي، إذ إنّ نموّه سنة 2025 كان حوالى 6%، ليصل إلى 30.6 مليار دولار، علماً أنّه تمّ الإعلان قبلها عن نموّ أكبر يصل إلى 30% أو أكثر، وعلماً أنّ تقريراً للبنك الدولي صدر الصيف الماضي تحدّث عن نموّ سنة 2025 بحدود 1%. كلّ هذا دون تبيان الأطراف جميعاً أنّ حساب الناتج والنموّ سنة 2024 كان عن المناطق الخاضعة للسلطة السابقة، وأنّ سنة 2025 ضمّت مجمل الشمال الغربي (وأنّ 2026 ستضمّ أغلب الشمال الشرقي).
في الخلاصة؛ يدرك الجميع أنّ النهوض بسوريا بعد 15 عاماً من الصراع، وما سبقها من سياسات غير رشيدة، ليس سهلاً. ولكن لا يُمكن لهذا النهوض أن يتحقّق، خاصّة في الظروف الحاليّة مع تداعيات الحرب القائمة وآثارها، دون قدرٍ أكبر من الشفافيّة والوضوح وسيادة الدولة والقانون.
إنّ السوريّين يعانون كثيراً على المستوى المعيشي، وضَحَّوا وما زالوا يُضَحّون، وهم لا يطلبون من المسؤولين عن البلاد اليوم المستحيل، بل الحدّ الأدنى من المصداقيّة ووضع معيشتهم وسبل عيشهم أولويّةً أولى.
