تاريخ المقاومات.. بين الخائن والجبان والناقم!

في كل أرضٍ داستها أقدام الغُزاة، وُلد خياران.. خيار الّذين حملوا البنادق، وخيار الّذين حملوا الأعذار.. وبينهما، كانت الشعوب تمشي على حدّ السكين، وتتأرجح بين الكرامة والخوف، بين البقاء أحياء بأيّ ثمن، أو الموت واقفين. يُفضي ذلك إلى القول إن المُقاومة لم تكن يومًا محطّ إجماع.. بل كانت دائمًا فعل قلّة، يُحيط بها صمت الأكثريّة، وتُثقلها الخيانات.

في أوروبا، وإبان الحرب العالمية الثانية، انكشفت هذه الثنائيّة بوضوح فاضح.. ففي فرنسا، لم يكن السقوط عسكريًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا.. حيث اختار فيليب بيتان أن يساوم على روح البلاد مُقابل وهم “الحفاظ عليها”، فأسّس نظامًا يتعايش مع الاحتلال. في المُقابل، كان شارل ديغول يَصرُخُ من المَنفى “فرنسا لم تسقط”.. آنذاك لم يكن يملك ديغول أرضًا ولا قوّةً عسكريّةً، لكنّه امتلك فكرة، والفكرة حين تتحوّل إلى قرار، تُصبح وطنًا وقوّةً ولو كانت مؤقّتة، حتّى يعود الوطن وطنًا على امتداد الزمن..

وفي النرويج، لم يحتج التاريخ إلى تحليل طويل ليحكم.. فاسم فيدكون كويزلينغ تحوّل إلى مرادف عالمي للخيانة في حينه، لأنَّ الرجل لم يكتفِ بالاستسلام، بل ساعد المُحتل على تثبيت أقدامه.. وهكذا تجلّت الخيانة كأداة بيد العدو، لا مُجرَّد ضحيّة له.

أمّا في الاتحاد السوفياتي، فقد اتخذت “الخيانة” شكلًا أكثر التباسًا.. مع معاهدة مولوتوف–ريبنتروب التي تمّت بين ألمانيا النازيّة بقيادة هتلر والاتحاد السوفياتي بقيادة ستالين، والتي اعتبرت في حينها تفاهمًا ثنائيًّا سريًّا استراتيجيًّا بين نظامين مُتعارضين أيديولوجيًّا، اجتمعا في تلك اللحظة التاريخيّة لمصلحة مُشتركة هدفها اكتساب الوقت لإعادة رسم النفوذ.. فبدا وكأنَّ القوّة التي ستقاتل النازيّة لاحقًا قد صافحتها كذلك مُؤقتًا.. لكنّ ذلك لم يكن خضوعًا، بل مناورةً، تكشف في الوقت عينه كيف يمكن للخوف الاستراتيجي أن يلبس ثوب البراغماتيّة، حتّى لو بدا أخلاقيًا كأنّه تنازل.

لكنّ الصورة الأوروبيّة في هذا السياق لا تكتمل دون ذكر حرب الاستقلال الإيرلنديّة، حيث لم تكن المسألة حيادًا بالمُطلق.. بل كانت مُقاومة شرسة ضِدَّ المملكة المُتّحدة.. هناك، قاتل الجيش الجمهوري الإيرلندي من أجل الاستقلال، بينما وقف آخرون مع التاج البريطاني، ودعوا إلى تسويات منقوصة.. إضافةُ إلى أنّه بعد نيل الاستقلال، انفجرت حرب أهليّة،  انقسم فيها المُقاومون أنفسهم بين من قبلوا بالاتفاق ومن رأوه خيانة لدماء كثيرة سُفكت.. وبذلك لم يعد الخائن غريبًا، بل صار ممَّن كان محسوبّا على الخندق ذاته.

***

من أوروبا إلى العالم العربي، تتكرّر المأساة بصوت أعلى.. ففي الجزائر، خلال الثورة الجزائريّة، واجهت جبهة التحرير الوطني الاستعمار الفرنسي، لكنَّ الاستعمار لم يكن وحده.. فقد كان هناك  “الحركيُّون”، وهُمُ جزائريُّون قاتلوا إلى جانب فرنسا، خوفًا، ومصلحةً وقناعةً بأنّ ميزان القوى محسوم.. ثمّ بعد الاستقلال، لم يُنظر إليهم كخاسرين فقط، بل كخونة، لأنّهم اختاروا الوقوف في الجانب الخاطئ من التاريخ..

وفي فلسطين، منذ النكبة حتَّى اليوم، لم تكن المعركة فقط مع الاحتلال، بل مع سرديَّات الانقسام الداخلي.. بين مقاومة ترى أنَّ لا حلَّ إلا بالمواجهة، وأصوات أخرى تراهن على التسوية أو تخضع لوقائع القوّة.. وفي كل مرحلة، يُعاد إنتاج السؤال ذاته، مَن الواقعي؟ ومن المُتنازل؟ ومن الذي يقترب من الخيانة دون أن يسمّيها كذلك؟ والمُفارقة أنّه وفي إبان البحث عن الإجابات.. كان المُحتل يقضم الحجر والبشر حتّى بات تحرير فلسطين أمرًا شبه مستحيل.

***

في لبنان، تجسدت هذه الثنائيّة في أكثر صورها تعقيدًا خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حيث نشأت جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة كفعل رفض، في وقتٍ اختار فيه آخرون التعاون مع العدو أو الصمت على ممارساته الوحشيّة أو الرهان عليه.. فلم يكن الانقسام سياسيًا فقط، بل وجوديًا على قاعدة أيّ لبنان يُراد له أن يكون؟ لبنان المقاومة أم لبنان التسويات والسلام؟ لكنّ نشأة هذه المُقاومة واستمرار عمليّاتها البطوليّة، كتبت التاريخ حيث انسحب جيش الاحتلال من بيروت لغاية ما كان يُعرف بالشريط الحدودي ومن ثَمَّ استكمل الفعل المقاوم ليخرج الاحتلال من كامل الأراضي اللبنانيّة في العام 2000.

في كل هذه التجارب، لا يظهر “الخائن” دائمًا ككائن شرّير واضح المعالم.. فأحيانًا يكون موظفًا يوقّع قرارًا، أو سياسيًا يُبرّر اتفاقًا، أو مواطنًا يختار الصمت.. ولا يظهر “الجبان” دائمًا كمن يَهرب من المواجهة، بل كمن يُقنع نفسه أنَّ المقاومة عبث.. وأنّ نجاة الذات أهمُّ من الكرامة الجماعيّة.. ويظهر “الناقم” السياسي الاجتماعي على خصمه الداخلي الذي يعارضه، وهو يقاوم عدوانًا خارجيًّا يستهدف نفس الوطن والشعب، يظهر على صورة كاتب أو صُحُفي أو إعلامي أو أكاديمي أو ناشط فايسبوكي أو يميني مُتطرّف له باعٌ في الجرائم الأهليّة أو يساري تخلّى عن تاريخه.

***

تشابه الدوافع هنا وهناك برغم اختلاف الجغرافيا.. الخوف من الموت وهو أمر طبيعي، القناعة بعدم جدوى القتال وهو أمر اختياري، الطموح الشخصي وهو موقف أناني، أو حتّى القراءة الخاطئة لموازين القوى وهذه مراهقة تحليليّة في السياسة.. في المقابل، تقف دوافع أخرى، الإيمان بالقدرة على الصمود وجدوى القتال وحتّى الانتصار، الكرامة، الغضب، الأخلاق الوطنيّة، الشعور المُطلق بالانتماء، القراءة الموضوعيّة والعلميّة للتحوّلات الكبرى وللأحداث الاقتصاديّة والسياسيّة والأيديولوجيّة والنفسيّة والاجتماعيّة والتكنولوجيّة، المحليّة والإقليميّة والدوليّة، وكذلك الرفض الداخلي لفكرة أنَّ الاحتلال يُمكن أن يُصبح أمرًا طبيعيًا.

لكنّ الحقيقة الأكثر مرارةً أنّ التاريخ لا يُنصف دائمًا في لحظته.. فما قد يبدو “واقعيًّا” حكيمًا في زمن الهزيمة، يُكتشف لاحقًا أنّه مَهّدَ للاستسلام.. ومن كان يبدو “متهوّرًا” مُغامرًا، يتحوَّل إلى رمز حين تتغيّر الموازين.. هكذا، فبين الخائن والجبان والناقم، ليس هناك خط واضح، بل مساحة رمادية واسعة تشمل الجميع، لا تُحسم إلا بعد أن يبرد الدم، ويكتب المُنتصرون الرواية؛ ومع ذلك، يبقى الشيء الوحيد العصيُّ على التزوير، أنَّ الشعوب لا تتذكَّر من عاشوا، بل من رفضوا أن يعيشوا بلا كرامة.

وفي النهاية، ليست المقاومة مُجرَّد بندقيّة، بل قرار أخلاقي وإنساني ووطني، أن تقول “لا” حين يصبح الصمت أو التبرير أسهل..  وأن تدفع ثمن هذه الكلمة، مهما كان باهظًا.

***

إذن، من الغرب إلى الشرق، تتكرَّر الحكاية بأشكال مُختلفة، فمع كل تجربة مقاومة، يظهر من يقول “لنحافظ على ما تبقى”، بينما يردُّ آخر “ما تبقّى بلا كرامة.. لا يُحفظ”.. والمُفارقة أنّ الأوَّل يرى في التسوية حكمة.. والثاني يرى فيها انكسارًا. الأوّل يخاف من الفناء.. والثاني يخاف من الذل.

لكنَّ ما الذي يصنع “الخائن”؟ أهو من يتعاون مع العدو مقابل السلطة الأبديّة؟ أم من يقنع نفسه أنَّ الهزيمة حتميّة، فيسبقها بالتسليم؟ وما الذي يصنع “الجبان”؟ أهو من يرفض القتال لأنَّه يخشى الموت، أم لأنَّه لا يرى جدوى منه؟ وما الذي يصنع “الناقم”؟ هل هو شعوره بالضعف أمام خصمه السياسي؟ أم ممارسات خصمه التاريخيّة قبل أن يصبح مُقاومًا؟ أم مصالحه الشخصيّة الماليّة والاقتصاديّة؟ أم حبُّ البروز والشهرة على قاعدة “خالف تُعرف”؟ أم اغتنام الفرص وانتهازها للوصول إلى مراكز سياسيّة مُتقدّمة كان يحلُمُ بها؟.

وعليه، فإنّ عالم السياسة يُقدّم إجابات، لكنّها حتمًا إجابات باردة.. مثل الدول لا تُقاتل بالشجاعة، بل بالمصالح، والتحالفات، والموارد، والإمكانيّات والقدرات.. ومن جهة أخرى تُقدّم النفس البشرية إجابات أكثر هشاشة.. الخوف، التعب، فقدان الأمل، والرغبة في النجاة بأي ثمن.

***

في تجارب المُقاومة، لا يكون الخط الفاصل واضحًا دائمًا.. فبين الخيانة والبراغماتيّة مساحة رماديّة واسعة.. وبين الجبن والحكمة شعرة دقيقة.. وبين النقمة والتبرير خيط رفيع.. غير أنّ الشعوب، في لحظات التحوُّل الكبرى، تميل إلى إعادة كتابة هذه المساحة بلغة أخلاقيّة وإنسانيّة ووطنيّة صارمة، فتصنع أبطالها، وتُدين أعداءها، وتختصر التعقيد في حُكمٍ واحد وهو “مُواجهة المُحتل”.

إقرأ على موقع 180  اغتيال خامنئي في الصحافة العبرية بين نشوة الحسم وهاجس الاستنزاف

هكذا، لا يكون “الخائن” دائمًا وحده من باع وطنه على قاعدة أنّها السبيل الوحيد لإنقاذه.. ولا يكون “الجبان” فقط هو الذي سيطر عليه الخوف، بل من جعل من خوفه مبدأً عامًا ودعوة للاستسلام.. ولا يكون “الناقم” من يحقد على خصمه، بل من ينتقم من خصمه بعدوّه.. وبذلك فإنّ الثلاثة مُجتمعين يكونوا قد طعنوا المقاومة كفكرة بغض النظر عن الطرف الذي يقودها، ويكونوا قد باعوا وطنهم وهُم في نهاية المطاف يستحقّون المُقاضاة والمُحاسبة كلٌّ حسب جرمه.

والمُفارقة الكبرى تكمن في أنّ هؤلاء يتكلّمون بلغة العقل التي تبدو منطقيّة ومؤثرّة في أذهان الجماهير.. بيد أنّها تُخفي تحتها تنازلاتٍ عظيمة، وكذلك فإنّهم يستندون إلى “الواقعيّة” كما سبق وذكرت. والواقعيّة عندهم، في ظاهرها، ليست خيانة، بل هي قراءة من موقع الضعف، وحساب مادّي للكلفة مُجرّد بالكامل من العاطفة الوطنيّة، ومحاولة لتجنّب الكارثة في منطق التحايل.. لكنّ أخطر ما في الأمر، أنّها في لحظة مُعيّنة، يُمكن أن تتحوَّل إلى غطاءٍ نفسيّ وأيديولوجي لتبرير العجز، أو تجميل الاستسلام، أو تلميع الغدر.. فالخائن لن يقول إنّه خائن، بل سيقول إنّ الخائن هو ذلك المُقاوم الذي يريد بالمواجهة تدمير بلاده وتمزيق أوصاله.. وبذلك يمارس سياسة تبرئة القاتل (عدوّه) وتجريم المُقاوم (إبن وطنه).. والخائف لن يقول عن نفسه أنّه خائف.. بل سيُعيد تعريف نفسه كحكيم عاقل يرفضُ “المغامرة غير المحسوبة”.. والناقم لن يقول بأنّه ناقم.. بل سيُقدّم نفسه علىى أنّه الخيار الذي يُتيج للبلاد أن تتغيّر وأنّ وصوله سيكون فيه خير للأرض والشعب.. وهنا تحديدًا، يبرز دور النخب كما سمّاها فلاديمير لينين، حيث قال “إنّ المثقفين هم الأكثر قدرة على الخيانة، لأنّهم الأكثر قُدرة على تبريرها”.. فالمثقف لا يبيع موقفه دائمًا بثمن مباشر، بل يُعيد صياغته بلغةٍ تبدو أخلاقيّة، عقلانيّة، بل وأحيانًا “تقدميّة”.

***

في تجارب بعض تيارات اليسار عالميًا، يظهر تناقض صارخ يتمثّل في تأييد غير مشروط تقريبًا لكلّ حركات التحرُّر والمقاومة، ما دامت بعيدة جغرافيًا.. فتُرفع الشعارات، وتُكتب البيانات، وتُبنى السرديّات الثوريّة الصلبة.. لكن حين تقترب النار، ويتحوّل الاحتلال من خبرٍ إلى واقع محلّي، يبدأ الخطاب بالتبدّل وتصبح الأسئلة مختلفة، هل المقاومة مُجدية؟ هل الكلفة أكبر من الفائدة؟ هل موازين القوى تسمح؟ وهل الأفضل البحث عن تسوية؟

في سياق نقيض، قد لا يخرج دائمًا ما يخرج من مواقف بدافع “الخيانة” بالمعنى المباشر، وقد يكون نتيجة تداخل مُعقّد بين الخوف، والقهر، والبراغماتيّة، وأحيانًا فقدان الثقة بالقدرة على التغيير.. لكن المؤكّد أنّ المُشكلة تبدأ حين يُقدَّم هذا التحوّل كحقيقة مُطلقة، لا كخيارٍ من بين خيارات.

ففي العراق مثلاً، خلال غزوه عام 2003، اتخذ الحزب الشيوعي العراقي موقفًا أثار جدلًا واسعًا، حين بدا أقرب إلى القبول، أو التعاطي الإيجابي مع الاحتلال الأميركي، تحت مُبرِّرات إسقاط الدكتاتوريّة وبناء نظام جديد.. بالنسبة لمؤيِّديه، كان ذلك خيارًا “واقعيًا” في لحظة تاريخية مُعقّدة.. أمّا بالنسبة لمُنتقديه، فقد كان انزلاقًا خطيرًا نحو تبرير الاحتلال، مهما كانت الذرائع.

وفي لبنان اليوم، ومع كل ما يعيشه من حروب وضغوط، يظهر انقسام داخل بعض قوى اليسار، بين من يتمسَّك بخط المُقاومة بوصفه خيارًا مبدئيًا ضدّ الاحتلال، وبين من يميل إلى خطاب يُشكّك في جدوى المواجهة، أو يضعها في خانة “المُغامرة”.

هذا التناقض يكشف أمرًا أعمق.. أنّ الموقف من المُقاومة ليس دائمًا مسألة مبدأ، بل أحيانًا مسألة موقع.. فمن السهل أن تكون ثوريًا حين لا تدفع الثمن، ومن الأصعب أن تبقى كذلك حين يصبح الثمن يوميًا، أو شخصيًا، أو مفتوحًا على كلّ الاحتمالات.

***

يتكرر السؤال الجوهري نفسه: هل الواقعيّة نقيض المُقاومة؟ أم أنَّ المُقاومة نفسها يُمكن أن تكون فعلًا واقعيًا في سياقٍ معيّن؟

ربّما لا يُعطي التاريخ إجابة واحدة.. ففي بعض المحطّات، أنقذت التسويات شعوبًا ودولاً من الفناء كما حدث إبان أزمة الصواريخ الكوبيّة عام 1962.. وفي بعضها الآخر، كانت تلك التسويات بداية لانهيار طويل كما حدث في فلسطين بعد اتفاقيّة “أوسلو” عام 1993.. كما أنّه حسب التاريخ فإنّ مُقاومات بدت “إنتحاريّة” في بدايتها، لكنّها تحوّلت لاحقًا إلى نقاط تحوّل تاريخيّة كما جرى في فيتنام وغيرها.

من هنا، فإنّ ما يمكن قوله بثقة، هو أنّ الخطر لا يكمن في الخيانة والجُبن والنقمة بحدّ ذاتهم، بل في تحويلهم إلى نظريّة وممارسة.. ولا يكمن الخطر في البحث عن حلول، بل في سلخ فكرة المُقاومة بالكامل، تحت شعار “الواقعيّة”.. فبين الخيانة والجبن والنقمة، تقف أحيانًا فكرة رابعة أكثر خفاءً.. كأن يُقنع الإنسان نفسه، ببلاغةٍ عالية، أنّ الاستسلام، هو الخيار الأكثر عقلانيّة.

***

في نهاية كل هذا السرد، وبعد كل هذا التداخل بين الخوف والواقعية والخيانة والتبرير والنقمة والخصومة، يبقى سؤال واحد لا يمكن الهروب منه، ماذا يجب أن تفعل الشعوب حين تُحتل؟ فالتاريخ، بكلّ تناقضاته، يُقدّم إجابة شبه ثابتة، مع اختلاف الأزمنة والأمكنة، أنّ المقاومة، برغم كلفتها الباهظة، كانت دائمًا الطريق الذي يعيد للأوطان معناها، لا مُجرد حدودها.

ففي الجزائر، لم تكن الثورة الجزائريّة نزهة، بل كانت بحرًا من الدماء.. ومع ذلك، لم تُذكر التضحيات كخسارة، بل كثمنٍ للحريّة.

وفي فلسطين، وبرغم كلّ الانكسارات، لم تنجح كلّ مشاريع التسوية في إنهاء فكرة المُقاومة، لأنّها لم تكن مُجرّد خيار سياسي، بل تعبيرًا عن حقّ لا يسقط.

وفي لبنان، أثبتت تجارب المقاومة اللبنانيّة أنَّ الاحتلال، مهما طال، فهو ليس قدرًا أبديًا، وأنّ الانسحاب يُمكن أن يُفرض حين يصبح بقاؤه مُكلفًا.

صحيح أنّ المقاومة تُدفِّعنا ثمنًا من الدم والدمار، لكنّ التاريخ يُظهر أنّ غيابها يُدفِّعنا ثمنًا أكبر.. فُقدان السيادة، تآكل الكرامة، وتحوُّل الوطن إلى مساحةٍ قمع يوميّة أبديّة يُديرها المُحتل تكون فيها الشعوب مسيّرة وليست مُخيّرة.

أمّا الواقعيّة التي تُستخدم لتبرير الاستسلام، فقد أثبتت في كثير من الأحيان أنها لا تحمي الأوطان، بل تؤجّل خسارتها.. لأنّ الاحتلال لا يُنهي نفسه، بل يُنهيه فقط من يرفضه؛ وهنا، تتضّح المُفارقة الكبرى، أنّ ما يُوصف أحيانًا بـ”المُغامرة” هو ما يصنع التحوّل الجذري، وأنّ ما يُقدَّم كـ”حكمة” قد يتحوّل إلى غطاءٍ دائم للهزيمة.

فالمُقاومة ليست فعلًا رومانسيًا، ولا اندفاعًا أعمى نحو الموت، بل قرار تاريخي بأنّ الكلفة، مهما كانت قاسية، تبقى أقل من كلفة الاستسلام؛ فهي إيمان بأنّ الشعوب لا تُقاس فقط بعدد من نجا، بل أيضًا بمن رفض أن يعيش بلا سيادة، وفي النهاية، لا يُخلّدُ التاريخ أولئك الذين برّروا الواقع، بل أولئك الذين غيّروه.

Print Friendly, PDF & Email
أيمن مروة

كاتب سياسي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  من يصنع الشرق الأوسط الجديد؟