من 17 أيار إلى 14 نيسان.. تقاطع الإرادات الخارجية مع التوازنات اللبنانية

لا يمكن قراءة مسارات التفاوض اللبناني مع إسرائيل بوصفها قرارات سيادية مستقلة، بل كنتاج مباشر لتحوّلات عميقة في موازين القوى الدولية والإقليمية، وانعكاس لواقع داخلي مأزوم يقيّد قدرة الدولة على إنتاج قرار موحّد. وبين اتفاق 17 أيار/أيار 1983 ومسار 14 نيسان/أبريل 2026، تتبدّل السياقات وتتغيّر الأدوات، لكن المعادلة الحاكمة تبقى واحدة: التفاوض في لبنان هو تعبير عن ميزان القوة أكثر منه خياراً سياسياً معزولاً عن الواقع.
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، تشكّل اتفاق 17 أيار/مايو في قلب نظام دولي ثنائي القطبية تحكمه توازنات الحرب الباردة، حيث كان لبنان ساحة مواجهة غير مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وقد أتى الاتفاق في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982؛ الغزو الذي أحدث خللاً عسكرياً وسياسياً لمصلحة إسرائيل، وفتح الباب أمام محاولة أميركية لتحويل هذا التفوّق إلى تسوية سياسية شاملة. في ظل رئاسة أمين الجميّل للجمهورية اللبنانية خلفاً لبشير الجميل، بدا أن لبنان يتجه نحو الخروج من حالة الحرب، غير أنّ هذا المسار كان محكوماً منذ بدايته بقيود إقليمية صارمة.
فقد شكّلت سوريا، بقيادة حافظ الأسد، العامل الحاسم في إسقاط اتفاق 17 أيار/مايو، مستفيدة من حضورها العسكري المباشر داخل لبنان ومن موقعها كطرف رئيسي في معادلة الصراع العربي–الإسرائيلي ومن وزن حلفائها من الفصائل الفلسطينية التي كانت تتخذ من دمشق مقراً لها. ولم يكن اعتراض سوريا تفصيلاً سياسياً، بل تعبيراً عن إدراك استراتيجي بأن أي تسوية لبنانية منفردة تعني إقصاءها من ترتيبات الإقليم. وهكذا سقط الاتفاق لأنه افتقر إلى شرطين بنيويين: الغطاء الإقليمي والاجماع الوطني اللبناني.
يبقى التفاوض في الحالة اللبنانية مرآة لميزان القوى، لا تعبيراً عن سيادة مكتملة. وبين محاولة فرض تسوية في الثمانينيات وإدارة أزمة في الحاضر، يستمر لبنان في التحرّك ضمن هامش ضيّق، حيث يتكرّر المشهد بأدوات مختلفة، فيما تبقى المعادلة نفسها تحكم النتائج
أما في المرحلة الراهنة، فإن الشروط التي تدفع نحو مسار 14 نيسان/أبريل 2026 تنتمي إلى سياق دولي مختلف، حيث تراجعت الثنائية القطبية لمصلحة أحادية قطبية قادتها الولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، قبل أن تتجه لاحقاً نحو توازنات أكثر مرونة وتعدّداً في مراكز التأثير. وفي هذا الإطار، لم تعد واشنطن تسعى إلى فرض تسويات شاملة بقدر ما تعمل على إدارة الأزمات واحتواء التصعيد، مستفيدة من نفوذها، ولكن ضمن حدود أكثر واقعية.
إقليمياً، لم يعد الدور الحاسم بيد سوريا كما كان في الثمانينيات، بل برزت إيران كقوة إقليمية كبرى وفاعل رئيسي عبر دعمها لمحور المقاومة. وبذلك، انتقل مركز الثقل من حضور عسكري مباشر إلى نفوذ غير مباشر قائم على شبكات إقليمية وقدرات ردع متطوّرة، حيث لم يعد الصراع يُدار فقط عبر الجيوش النظامية، بل عبر معادلات ردع مركّبة تتداخل فيها القوة العسكرية مع البعد السياسي.
أما داخلياً، فإن المقارنة تكشف تحوّلاً في بنية التوازنات لا في طبيعتها. ففي عام 1983، كان لبنان يعيش ذروة التفكّك السياسي والعسكري في ظل الحرب الأهلية، حيث فاوضت الدولة من موقع هشّ، من دون أن تمتلك السيطرة الفعلية على أراضيها أو قرارها السيادي. أما في عام 2026، وفي عهد رئيس الجمهورية جوزاف عون، فتبدو مؤسسات الدولة أكثر تماسكاً من الناحية الشكلية، إلا أنّ القرار الوطني لا يزال يتأثر بتوازن دقيق بين الدولة وخيار المقاومة، الذي تمثّله قوى فاعلة، كرّست حضورها من خلال دورها في مواجهة إسرائيل وفرض معادلة ردع على الحدود الجنوبية.
ويزداد هذا التعقيد في ظل الانهيار الاقتصادي غير المسبوق الذي يعيشه لبنان اليوم، والذي يضع الدولة أمام ضغوط داخلية قاسية تدفعها إلى البحث عن الاستقرار كضرورة ملحّة. ففي حين كان الاقتصاد اللبناني في الثمانينيات متضرّراً من الحرب، لكنه لم يبلغ مستوى الانهيار الشامل، يأتي مسار 2026 في ظل أزمة مالية واجتماعية عميقة، تترافق مع تراجع الثقة بالمؤسسات وتبدّل أولويات المجتمع.
ضمن هذه البيئة، لا يُطرح مسار 14 نيسان/أبريل كمدخل إلى اتفاق سلام شامل، بل كقناة محدودة لإدارة النزاع، برعاية أميركية، تهدف إلى ضبط التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة. وهو ما يعكس تحوّلاً في وظيفة الوساطة الأميركية، من محاولة فرض تسوية نهائية  للصراع مع إسرائيل عام 1983 إلى إدارة تدريجية في المرحلة الراهنة.
وعليه، فإن المقارنة بين 17 أيار/مايو و14 نيسان/أبريل تكشف مفارقة واضحة: تغيّرت البُنى الدولية، وتبدّلت مراكز النفوذ الإقليمي، وتطوّرت معادلات القوة داخل لبنان، لكن جوهر الإشكالية بقي ثابتاً. فالتفاوض مع إسرائيل لم يكن يوماً قراراً لبنانياً صرفاً، بل ظلّ مرتبطاً بتقاطع الإرادات الخارجية مع التوازنات الداخلية.
في الخلاصة، يبقى التفاوض في الحالة اللبنانية مرآة لميزان القوى، لا تعبيراً عن سيادة مكتملة. وبين محاولة فرض تسوية في الثمانينيات وإدارة أزمة في الحاضر، يستمر لبنان في التحرّك ضمن هامش ضيّق، حيث يتكرّر المشهد بأدوات مختلفة، فيما تبقى المعادلة نفسها تحكم النتائج.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  لبنان الحلم الكبير أو الرحيل الكبير!
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  إنتخابات نقابة المهندسين.. خرقٌ يتيمٌ للتغييريين!