يقوم هذا المقال على تعريف نظري حاسم:
الدولة ليست مؤسسات تُنشأ، بل معنى يُنتج؛ ولا تقوم إلا حين يصبح الانتماء إلى هذا المعنى شرطًا لكل انتماء آخر.
ومن هذا المنطلق، يُطرح مفهوم الانتماء إلى المعنى بوصفه المدخل الضروري للعقد الاجتماعي، أي الأساس الذي يمكن من خلاله إعادة تعريف المواطنة وبناء المجال السياسي وإنتاج الدولة.
بالانطلاق من هذا الإطار، لم تعد المسألة في لبنان تُصاغ ضمن سؤال الإصلاح، لأن هذا السؤال يفترض نظامًا قابلًا للتعديل، فيما تكشف التجربة اللبنانية – من الحرب الأهلية إلى ما بعد الطائف – أن الخلل لا يكمن في الأداء، بل في الشروط التي يقوم عليها النظام نفسه.
فالنظام الذي نشأ لإدارة الانقسام الطائفي لم يفشل في تجاوزه، بل أعاد إنتاجه بصيغ أكثر تعقيدًا، حتى تحوّل التوازن بين الجماعات إلى بديل دائم عن الدولة وعائق بنيوي يمنع تشكّل معنى سياسي جامع.
وفي هذا السياق، لا تظهر الطائفية كظاهرة اجتماعية فقط، بل كبنية سياسية مُؤسِّسة تعيد تعريف المجال العام وتمنع نشوء مرجعية جامعة يمكن أن يقوم عليها أي عقد اجتماعي فعلي.
من هنا، لا يعود السؤال كيف نُصلح النظام، بل ما إذا كان ما نعيشه قابلًا للإصلاح، وهو ما يعيدنا إلى مسألة أعمق:
كيف تقوم الدولة، وما الذي يجعل الأفراد يقبلون بالخضوع لقانون واحد داخل إطار سياسي مشترك؟
وفي هذا الإطار، لا يُعاد تأسيس لبنان حين تتوازن جماعاته، بل حين ينتمي أفراده إلى معنى واحد.
لم يكن الجواب واحدًا. فقد رأى “توماس هوبِز” أن العقد يبدأ من الخوف بوصفه مخرجًا من الفوضى، فيما انطلق “جون لوك” من أولوية الحقوق، وربط “جان جاك روسّو” قيام الدولة بإرادة عامة تُنتج وحدة سياسية.
غير أن هذه التصورات، برغم اختلافها، تلتقي عند حدّها: فهي تفسّر نشأة الدولة، لكنها لا تفسّر شرط إمكانها الدائم. إذ تفترض تجاوز الانتماءات الأولية، لكنها لا تفسّر كيف يصبح هذا التجاوز مستقرًا تاريخيًا.
وهنا تتحدّد نقطة الانفصال النظري:
ليست المشكلة في كيفية نشوء العقد، بل في الشروط التي تجعل قبوله ممكنًا ومستمرًا.
وفي الحالة اللبنانية، يتخذ هذا الغياب شكل تعدد مراكز الانتماء وغياب المركز السياسي الجامع، بحيث لا يعود الفرد منتميًا إلى الدولة بوصفها مرجعية، بل موزعًا بين ولاءات متنافسة تعيق تشكّل إرادة عامة.
وعليه، لا يُطرح سؤال إعادة التأسيس كخيار، بل كضرورة ناتجة عن استحالة الاستمرار ضمن الشروط القائمة، ما يقتضي انتقالًا يعيد تعريف مصدر السلطة من توازن الجماعات إلى المواطنة. غير أن هذا الانتقال لا يكفي بحد ذاته، لأن الدولة لا تُبنى بقرار ولا تُستحدث بإرادة منفصلة عن شروطها؛ فليس كل إعلان عن تأسيس ينتج دولة، كما أن تغيير البنية الدستورية لا يضمن قيام نظام جديد.
فالدولة تقوم على “معنى مشترك” قبل أن تقوم على مؤسسات: علاقة بين الأفراد تقوم على الاعتراف المتبادل، والخضوع لمرجعية واحدة تُعرّف الحقوق والواجبات. ومن دون هذا المعنى، تتحول المؤسسات إلى هياكل فارغة، ويصبح القانون نصًا بلا أثر.
وفي هذا السياق، لا تُفهم الدولة الحديثة كإطار ينظم العلاقات، بل كمُنتِج للمعنى يعيد تعريف موقع الفرد داخل الجماعة السياسية، وينقل الانتماء من رابطة أولية إلى موقع داخل أفق مشترك. ومن دون هذا التحول، يبقى المجال السياسي عاجزًا عن إنتاج وحدة، إذ لا تقوم الدولة فوق المجتمع، بل تتكوّن حين يتغير المجتمع نفسه.
وهنا لا يعود ما يُسمّى “مزاج المجتمع اللبناني” معطًى ثقافيًا ثابتًا، بل نتيجة مباشرة لبنية سياسية – اقتصادية أعادت إنتاج الفرد ككائن تابع داخل شبكات الحماية، بدل أن يكون فاعلًا مستقلًا داخل المجال العام.
غير أن هذا الأفق يظل معلقًا على مفارقة أساسية: ماذا لو لم يكن المجتمع، في بنيته الحالية، قادرًا على إنتاج هذا المعنى أصلًا؟ وعند إسقاط هذه المفارقة على الحالة اللبنانية، يظهر أن النظام لا يفتقد إلى صيغ تنظيمية بقدر ما يفتقد إلى الأرضية التي تجعل أي صيغة قابلة للاستقرار، ما يجعل أي محاولة لإعادة التأسيس من داخله إعادة إنتاج له.
وبذلك، لا تكون إعادة تأسيس الدولة نقطة بداية، بل نتيجة لمسار يعيد تشكيل العلاقة بين الأفراد ويعيد تعريف المجال السياسي نفسه، بحيث لا تُفرض الدولة من الأعلى، بل تُبنى حين يصبح ممكنًا تحويل التعدد إلى وحدة سياسية داخل إطار قانوني مشترك، أي داخل معنى مشترك.
***
لا يُفهم العقد الاجتماعي بوصفه اتفاقًا يُصاغ بإرادة سياسية أو بنص دستوري، بل نتيجة لشروط تسبقه وتجعله ممكنًا؛ فهو لا ينشأ حيث يُعلن، بل حيث تتوافر الأرضية التي تسمح بقبوله.
ومن هنا يتبدل السؤال: ليس كيف نكتب عقدًا جديدًا، بل كيف يصبح ممكنًا أصلًا. فالعقد لا يبدأ من الدولة، بل من تعريف الإنسان داخلها، أي من تحديد صاحب السلطة، لا توزيعها، وهو ليس تنظيمًا للعلاقات بين جماعات، بل إعادة تعريف للعلاقة بين الأفراد بوصفهم مواطنين متساوين داخل إطار قانوني مشترك.
وفي الحالة اللبنانية، يكتسب هذا العقد طابعًا خاصًا، إذ لا يقوم على تجاوز اختلافات بسيطة، بل على إعادة تركيب مجتمع موزع تاريخيًا بين جماعات، ما يجعل قيامه مشروطًا بإنتاج مرجعية أعلى من كل الانتماءات، لا مجرد توازن بينها.
وفي هذا المستوى، لا يكون العقد مجرد صيغة للتعايش، بل إطارًا لإنتاج الشرعية، ويتخذ طابعًا أعمق يمكن تعريفه بوصفه العقد الأنطولوجي للمواطنة: أي التحول الذي يعيد تعريف الإنسان من ابن طائفة إلى مواطن، ومن كائن يُعرّف بانتمائه الأولي إلى ذات سياسية تتحدد داخل معنى مشترك. فالسلطة لا تستمد مشروعيتها من توازن القوى، بل من قبول عام بقانون واحد يُخضع الجميع، ومن خضوع ينبع من هذا القبول المشترك.
وهذا يعني أن المطلوب ليس إلغاء الطائفية بوصفها واقعًا اجتماعيًا، بل نزع وظيفتها السياسية، بحيث لا تعود مصدرًا للشرعية أو إطارًا لتنظيم السلطة.
ومن هنا، لا تكون الدولة جهازًا لإدارة التعدد، بل المجال الذي تتحقق فيه الحرية بوصفها علاقة قانونية متساوية، حيث تتحول المواطنة إلى انتماء إلى معنى، لا إلى مجرد إطار قانوني. غير أن ذلك يفترض تحولًا أعمق: انتقالًا من الانتماء إلى الجماعة بوصفه مصدرًا للحماية، إلى الانتماء إلى الدولة بوصفها منتجًا للمعنى ومصدرًا للحقوق، وهو انتقال لا يُفرض بقرار، بل يقوم على تحييد الانتماءات عن المجال السياسي.
بهذا المعنى، لا يكون العقد حلًا لمجتمع منقسم، بل مسارًا يعيد تشكيله، إذ يحول الأفراد من أعضاء في جماعات إلى مواطنين داخل فضاء عام مشترك، ويغدو شرطًا لقيام الدولة وحدًا فاصلاً بين نظام يُدار بالتوازنات ودولة تُبنى على القانون والمعنى. ومن هنا، لا يفتقد لبنان إلى صيغة لإدارة التعدد، بل إلى الإطار الذي يجعله قابلًا للاندراج في وحدة سياسية؛ فالمشكلة ليست في غياب اتفاق، بل في غياب شروطه، أي في غياب المعنى الذي يجعله ممكنًا.
وانطلاقًا مما سبق، لا تقوم هذه الشروط تلقائيًا، إذ يفترض العقد بنية تسمح بقبوله، لا إرادة سياسية أو نصوصًا معزولة عن المجتمع. أولها وجود الفرد بوصفه وحدة سياسية مستقلة، إذ لا يقوم العقد بين جماعات بل بين أفراد متساوين، فيما يؤدي تعريف الفرد عبر انتمائه إلى إنتاج توازنات بدل الحقوق. ويلي ذلك وجود مجال عام مشترك يُعاد فيه تعريف الخلاف بوصفه شأنًا عامًا، لا امتدادًا لصراع هويات، لأن غيابه يحوّل السياسة إلى إدارة مسافات، لا إنتاج إرادة. أما الشرط الثالث، فهو وجود قانون كمرجعية عليا تُخضع الجميع لمعيار واحد، إذ إن تعدد مصادر الحماية يفقده صفته الجامعة.
وفي ضوء ذلك، لا تكمن المشكلة في لبنان في غياب عقد اجتماعي فحسب، بل في غياب شروطه، ما يجعل المدخل إلى إعادة التأسيس تفكيك البنية التي تمنع قيامه، أي إعادة بناء المعنى الذي يقوم عليه.
وعند تحقق هذه الشروط، يقوم العقد على منظومة مبادئ مترابطة، أولها المواطنة بوصفها المرجعية الوحيدة للعلاقة بين الفرد والدولة، بما يفصل الهوية عن السلطة ويجعل القانون مرجعية عليا تُحسم ضمنها النزاعات. ويرتبط بذلك احتكار العنف المشروع، لأن القانون بلا قوة يفقد أثره، كما تكتمل المنظومة بالعدالة المتساوية وبوجود مجال عام يُعاد فيه تعريف العلاقة بين المواطنين كشركاء داخل إطار سياسي واحد. وبذلك، لا يكون العقد اتفاقًا لإدارة التعدد، بل انتقالًا من التوازن إلى القانون، ومن الانتماء المغلق إلى انتماء إلى معنى مشترك.
وعند هذه النقطة، تتجسد الدولة بوصفها نتيجة للعقد، لا منطلقًا له، كتعبير مؤسسي عن علاقة قانونية بين الأفراد، لا كجهاز منفصل عن المجتمع. ومن هنا، لا تكون مؤسساتها أدوات محايدة، بل تجسيدًا للعقد نفسه: تمثيل لإرادة عامة، وقضاء كمرجعية للمساواة، وسلطة تنفيذية لتطبيق القواعد. كما أن السيادة، بمعنى احتكار القوة، شرط لقيام القانون، فيما يشكل الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد قائم على المواطنة جزءًا من إعادة بناء الدولة.
***
في هذا السياق، لا يمكن فصل البنية الاقتصادية عن إنتاج المعنى. فالاقتصاد الريعي في لبنان لم يكن مجرد نموذج تنموي، بل آلية لإعادة إنتاج الانتماءات الأولية، عبر ربط الحقوق بالخدمات، والخدمات بالولاء، والولاء بالجماعة، ما أعاق تشكّل المواطنة بوصفها انتماءً إلى معنى مشترك، وعطّل إنتاج المعنى نفسه، عبر منع تشكّل المواطن كذات مستقلة داخل المجال السياسي.
ويظهر ذلك بوضوح في بنى مثل القطاع المصرفي والوظيفة العامة وشبكات الخدمات، حيث لا تُوزَّع الموارد وفق منطق الحق، بل وفق منطق الولاء، ما يحوّل الدولة من مرجعية قانونية إلى وسيط زبائني، ويعيد إنتاج الانتماء خارج إطار المواطنة.
ومن هنا، لا يكون تفكيك هذا النموذج خيارًا اقتصاديًا فقط، بل شرطًا سياسيًا لإعادة التأسيس، لأنه المدخل الفعلي لتحرير العلاقة بين الفرد والدولة من منطق التبعية. وعلى هذا الأساس، يتحول هذا المسار إلى برنامج، لا كخارطة تقنية، بل كتجسيد عملي للعقد الاجتماعي داخل المؤسسات، أي ترجمة مؤسسية لفكرة الانتماء إلى معنى، بحيث يُعاد تشكيل التمثيل، ويُخضع القضاء السلطة للقانون، وتُفكك البنى الريعية التي تعيد إنتاج الولاءات.
غير أن هذا المسار لا يتحقق دفعة واحدة، بل عبر بنية انتقالية تقوم على تفكك تدريجي للمنطق القائم مقابل تشكّل شروط جديدة، بحيث لا يبدأ بإلغاء الطائفية، بل بنزع وظيفتها السياسية، ولا يقوم على إسقاط النظام دفعة واحدة، بل على إضعاف قدرته على إعادة إنتاج نفسه عبر توسيع المجال العام وربط الحقوق بالمؤسسات.
وفي الحالة اللبنانية، يتغذى هذا المسار من لحظات الانكشاف البنيوي، كما في الأزمة المالية عام 2019، حيث ظهرت حدود النموذج القائم وانكشفت هشاشة الدولة بوصفها وسيطًا لا مرجعية. وفي مثل هذه اللحظات، يتحول الانهيار إلى إمكانية تاريخية، إذ يبدأ الفاعل بالتشكل من تقاطع قوى فقدت قدرتها على الاستمرار داخل النظام. وهذا الفاعل لا يتشكل في الفراغ، بل ينشأ من مساحات داخل المجتمع اللبناني تتراجع فيها تبعية الفرد لشبكات الحماية التقليدية، سواء داخل قطاعات مهنية أو فضاءات مدنية أو مبادرات اقتصادية ومعرفية تخرج تدريجيًا من منطق الزبائنية، وتعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجال العام.
ومع ذلك، يصطدم هذا المسار ببنية متجذّرة تعيد إنتاج نفسها، لا بالقمع فقط، بل عبر جعل الخروج منها مكلفًا، ما يجعل النخب متمسكة بها والمجتمع معتمدًا عليها.
وعند هذا الحد تحديدًا، يبقى كل ما سبق معلقًا ما لم يقترن بفاعل لا يولد من داخل النظام، بل يتشكل عند تقاطع قوى تتجاوز منطق الانتماء، ويتحول من إدراك إلى مشروع قادر على حمل العقد الاجتماعي.
وهنا، لا يعود لبنان مسألة نظام يحتاج إلى إصلاح، بل سؤالًا مفتوحًا حول إمكانية قيام مجتمع سياسي قادر على إنتاج معنى مشترك. ولا تكون الدولة ممكنة في لبنان ما دام الانتماء موزعًا بين جماعات، بل حين يصبح الانتماء إلى المعنى المشترك شرطًا لكل انتماء آخر.
فإعادة التأسيس ليست بناء مؤسسات جديدة، بل إنتاج معنى جديد للدولة بوصفها مرجعية للحقوق، لا ساحة لتوازن الجماعات.
وعليه، يتحدد مستقبل لبنان لا بإصلاح نظامه، بل بقدرته على إنتاج هذا المعنى: تحويل المواطنة إلى انتماء إلى المعنى، والعقد إلى أساس أنطولوجي يجمع أبناءه.
وهنا تحديدًا، لا يعود قيام الدولة في لبنان احتمالًا، بل يصبح نتيجة تاريخية ممكنة حين تتوافر شروطها، لا مجرد رغبة سياسية تُعلن.
أخيراً، لا دولة حيث يبقى الانتماء موزعًا؛ الدولة تبدأ حين يصبح المعنى هو الانتماء!
(*) يأتي هذا المقال ضمن سلسلة فكرية حول أزمة الكيان اللبناني، بعد نصّين تناولَ أولهما “أزمة الكيان” والثاني بعنوان “استحالة الإصلاح“.
