لم تعد المسألة مرتبطة فقط بإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، بل بقدرة الأطراف على تصور شكل العلاقة المستقبلية، في ظل بيئة إقليمية تدار بمنطق الصراع المفتوح. ومن هنا، يصبح النقاش حول السلام مدخلاً أوسع لفهم طبيعة الحروب الجارية في الشرق الأوسط؛ تلك التي لم تعد تُخاض من أجل نهايات واضحة، بل تُدار ضمن توازنات تحول دون الحسم وتؤجل التسويات، بما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما يُعرض اليوم هو سلام فعلي، أم مجرد إعادة تنظيم للصراع بأدوات مختلفة؟
الحرب في الشرق الأوسط، في هذا السياق، لم تعد حدثاً طارئاً يُقاس ببداياته ونهاياته، بل صارت زمناً قائماً بذاته، يُدار أكثر مما يُخاض، ويُستثمر أكثر مما يُحسم. لم تعد المسألة فائض عنف بقدر ما هي غياب معنى نهائي لهذا العنف. فالحروب التي كانت، في التصور الكلاسيكي، وسائل قاسية لفرض تسويات سياسية، تبدو اليوم وقد انفصلت عن غاياتها، تدور في حلقة مغلقة، حيث لا سلام يُنتظر ولا نظام يُبنى، بل مجرد توازنات هشة يُعاد إنتاجها تحت ضغط النار.
في هذا الإطار، تكتسب المواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع إيران دلالتها الأعمق، لا بوصفها حرباً تهدف إلى إنهاء نفوذ أو فرض نظام جديد، بل كجزء من إدارة صراع طويل الأمد. الضربات، الرسائل العسكرية، والردود المحسوبة، كلها تشير إلى نمط لا يسعى إلى الحسم بقدر ما يسعى إلى ضبط الإيقاع. إيران بدورها لا تتصرف كطرف يسعى إلى نصر نهائي، بل كقوة تثبّت حضورها ضمن معادلة ردع معقّدة، فيما تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن سقف يمنع الانفجار الشامل دون أن يقترب من تسوية حقيقية. هكذا تتحول الحرب إلى مساحة تفاوض غير مباشر، لا تنتهي إلى اتفاق، بل إلى استمرار عسكري مضبوط.
الأمر نفسه ينسحب على الحرب الإسرائيلية على لبنان، حيث يتكرّس نموذج “اللاحسم المُدار” بأوضح صوره. لا حرب شاملة تُنهي الاشتباك، ولا سلام يُنهي العداء. هناك مستوى من العنف يكفي لإبقاء الجبهة مشتعلة، دون أن ينزلق إلى مواجهة كبرى. لبنان هنا ليس فقط ساحة، بل جزء من منظومة إقليمية لإدارة التوتر، حيث يُمنع الانتصار الكامل كما يُمنع الانهيار الكامل. النتيجة هي حالة وسطية دائمة، تتآكل فيها الدولة تدريجياً، ويتحول الصراع إلى عنصر ثابت في بنية الحياة السياسية والاقتصادية.
غير أن الأخطر من استمرار الحرب هو غياب أي تصور جدي للسلام. فالنقاش الدائر حول إمكانية السلام بين لبنان وإسرائيل لا يجري في فراغ، بل في بيئة داخلية منقسمة. جزءٌ من اللبنانيين يرى في أي تسوية ضرورة للخروج من دوامة الاستنزاف، فيما يعتبرها آخرون تنازلاً استراتيجياً يمسّ جوهر الصراع. هذا الانقسام لا يعكس فقط تبايناً سياسياً، بل غياب رؤية وطنية موحدة لمعنى السلام نفسه: هل هو إنهاء للحرب بأي ثمن، أم إعادة صياغة شاملة لتموضع لبنان الإقليمي؟
في هذا السياق، تبرز الضغوط الأميركية المتزايدة للدفع نحو لقاء محتمل بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في واشنطن، كجزء من محاولة نقل الصراع من حالة الإدارة العسكرية إلى مسار سياسي ولو شكلي. غير أن هذا الطرح، برغم ما يحمله من دلالات، يصطدم بواقع أكثر تعقيداً: كيف يمكن إنتاج سلام في بلد لم يحسم بعد تعريفه لنفسه، ولا موقعه في الإقليم؟ وكيف يمكن لأي لقاء، مهما كان رمزيّاً، أن يؤسس لمسار مستدام في ظل ميزان قوى داخلي وإقليمي لا يزال محكوماً بمنطق الاشتباك؟
المشكلة، في جوهرها، ليست في غياب المبادرات، بل في غياب المشروع. السلام ليس اتفاقاً تقنياً ولا مجرد وقف لإطلاق النار، بل تصور لنظام بديل. وحين يغيب هذا التصور، تتحول كل مبادرة إلى مجرد حلقة في سلسلة إدارة الأزمة. هذا ما يجعل الحروب في المنطقة تستمر، لا لأنها بلا أسباب، بل لأنها بلا نهاية متخيلة.
في لبنان، كما في الإقليم، يتجلى هذا المأزق بوضوح: الحرب لم تعد وسيلة للسياسة، بل بديلاً عنها، والسلام لم يعد نتيجة محتملة، بل سؤالاً مؤجلاً. وبينهما، يستمر نزيف بطيء، يستهلك الدول والمجتمعات دون أن يفتح أفقاً للخروج. من هنا، فإن أي حديث جدي عن إنهاء الحرب لا يمكن أن يبدأ من خطوط التماس، بل من إعادة طرح السؤال الأساسي: أي سلام نريد؟ هل هو سلام توازنات مؤقتة، أم سلام يعيد بناء العلاقات بين الداخل والخارج، بين الدولة ومواطنيها، وبين القوى المتصارعة نفسها؟
ما لم يُطرح هذا السؤال بجدية، ستبقى الحرب قائمة، لا كخيار، بل كواقع دائم. حرب لا تنتهي، لأنها ببساطة لم تعد تعرف كيف تنتهي.