ذاكرة الأفراح

ين وقت يضيع في متابعة أفعال الرئيس دونالد ترامب، ووقت يضيع في ملاحقة آراء ومواقف منتقديه، وقت قصير أخصصه لغذاء الروح وتنمية الأحاسيس.

يومها أفقت من النوم مبكرًا، كعادتي المستجدة منذ يوم تعرّفت فيه إلى طلاوة الصباح المبكر وفوائده العديدة. أتيت مكتبي ومقعدي غير المريح، وفي يدي كراستي التي أسجل على صفحاتها خلال النهار كل الأفكار التي شغلتني، السخيف منها والمفيد. أخاف عليها، أقصد الأفكار، من ذاكرة بدأت تخونني في السنوات الأخيرة.

قلّبت صفحات الكراسة حتى وصلت إلى آخر صفحة، صفحة الأمس، وقد سجلت عليها سطرًا يشي بأن حفيدي، المحامي الأميركي الشاب، قرر أن يعقد قرانه على الآنسة «كاري»، الأميركية مثله، في القاهرة. اتخذ هذا القرار يوم شعر، خلال مكالمة هاتفية جرت بيننا، أن خيبة أمل ألمّت بي عندما أبلغني أنه قد يعقد قرانه في شيكاغو، أي بعيدًا جدًا عني.

***

خطر على بالي أن هذا الشاب لم يفته ما رأى أو لمس من انفعالات شكّلت رد فعلي لما أقدم عليه خلال رحلته في العام الماضي مع الآنسة كاري إلى مصر، واصطحابه إياها في رحلة تعمّد أن تكون ليلية وقمرية على سطح النيل، ليتقدم لها، على ضوء القمر ونعومة النهر وروعة الحب، بطلب يدها، طلب أعرف عن ثقة أنه لا يمكن رفضه، وأعرف أيضًا عن معاشرة ومعرفة أكيدة أن طلبًا على هذا النحو، وضمن أجواء كهذه، سوف يهز مشاعر عائلتها الإيطالية الأصل والمنشأ، وهو ما حدث فعلًا كما بلغني.

مقدمة طويلة ولكن ضرورية. كان هذا القرار، أقصد قرار الحفيد عقد قرانه في القاهرة، الشرارة التي فجّرت ما تلاها من عمليات بحث وتنقيب عن خلفيات ومشاهد أفراح عائلتي على امتداد السنين، وتطورات الأحداث وتعاقب الأجيال. تكوّنت في ذاكرتي منذ وقت مبكر صورة مثلى للأفراح، وهي الأفراح التي كنا نُدعى إليها كعائلة، وتعقد في قصر عائلة «صباح» بحي الظاهر. كان الصباح أخوال أبي وأصدقاءه أيضًا. أذكرهم شخصيًا لأنهم كانوا يحتفون بي كطفل، في نظرهم مرموق وشاطر، عندما كنا نزورهم أيام الجمع مع أبي في وكالتهم التجارية في شارع الموسكي. أما أفراح القصر فكانت الفرصة لألتقي بالأطفال أقربائي، نجول فيه طابقًا بعد الآخر، ونلتف بعد العشاء الفاخر في شبه دائرة حول الفرقة الموسيقية، لنحيي الراقصة ونردد مع المغني ما نستحسن من مقاطع أو كلمات.

***

مددت يدي وسحبت حقيبة الصور والأوراق من موقعها الذي استقرت فيه خلف الأريكة منذ انتقلت من بيتنا بالمهندسين إلى بيتي في حي الشيخ زايد، البيت الذي بدأ مؤقتًا واستقر مطولًا، ورحت أقلب فيها وأستخرج الأوراق والصور ذات الصلة.

خرجت بين أصابعي مطوية اشتد صفارها، فككت رباطها لأكتشف أنني أمام دعوة عمرها أكثر من مائة وعشرين عامًا لحضور حفل كبير في بيت العائلة بحي السكاكيني. الدعوة موجهة، وللغرابة الشديدة، من اثنين: جدي محمد وعمي أحمد، الذكر الأكبر سنًا بين الأشقاء والشقيقات، وللغرابة نفسها تحدد الدعوة بيت السكاكيني مقرًا للحفل رغم أننا نشأنا لنعلم أن مقر سكن العائلة الدائم كان بحارة الوراق بالجمالية، وللغرابة أيضًا تخبرنا الدعوة بأن المناسبة عقد قران عريسين هما الشقيقان عبد العزيز وعبد المجيد. لا إشارة في بطاقة الدعوة للعروسين، وهما كما كنا نعلم أمي وابنة عمها. كان سن العريسين، كما قدرنا، في حدود العشرين لا أكثر، وسن العروسين لا يتجاوز الخامسة عشرة. لم أعثر، بطبيعة الحال، والزمن وتقاليد الأهل، على صور فوتوغرافية تسجل تفاصيل الحفل.

استمر البحث. تصر الذاكرة على أنني كنت شاهدًا على عرس شقيقتي الكبرى. لن يصدق القارئ سبب إصراري على الإدلاء بشهادتي، شهادة ابن الثالثة من عمره. أذكر نفسي ممسكًا بفستان أمي وهي تحتفي بعريس قادم لتوه من ليفربول مزودًا بشهادة الدكتوراه، والملتحق فور وصوله بوظيفة المدرس بكلية المعلمين العليا، ليتزوج ابنة الثامنة عشرة، خريجة السنية الثانوية.

***

للمرة الثانية أتصدى لشهادة غير قابلة للتصديق الفوري. زعمت في المرة الأولى أنني، من موقعي داخل مشربية النافذة الرئيسة في بيت العائلة بالجمالية، كنت شاهدًا على مصلين يدخلون ويخرجون من جامع الحي المواجه لبيتنا، وكذلك على بائع البليلة وغيره من الباعة المصطفين بعرباتهم أمام مدخل الجامع. المعنى من وراء هذه الشهادة أن الشاهد، بحكم سعة المشربية، كان في عمر طفل لا يتجاوز السنتين.

كان منطقيًا أن يأتي ذكر حفل قراني بعد حفل قران أمي وأبي، حتى وإن كان بين المناسبتين ما يقترب من أربعين سنة، تخللهما عقد قران شقيقتي، وعمري وقتها كما ذكرت ثلاث سنوات، وقران شقيقي، وعمري لا يتجاوز اثني عشر عامًا. أذكر القليل جدًا من حفل قران شقيقي باستثناء الزفة، وكانت تقودها «سيدة حسن»، أشهر عالمة زفاف في تلك الأيام، هي التي غنت للعروس ليلتها، حسب ما سمعت: «نازلة السلالم يا ما شاء الله عليها»، وغنت للعريس: «مبروك عليك يا عريس يا خفة».

إقرأ على موقع 180  سيرة عاموس عوز.. من بيغن إلى بن غوريون! (3)

***

سافرت وأنا في الحادية والعشرين لألتحق ملحقًا بسفارتنا في نيودلهي. هناك، وبعد أربعة أيام من وصولي، تعرّفت إلى رفيف، وتزوجنا بعد ستة شهور. باستثناء صغر عمر العروسين، كان الحفل مختلفًا عما عهدته من أفراح في مصر قبل هذا التاريخ وبعده. كانت العروس على وشك أن تكمل عامها الثامن عشر، وكنت قد أكملت عامي الثاني والعشرين. حضر الحفل حوالي الألف، بينهم السفراء المعتمدون لدى الهند وزوجاتهم، وعدد من الوزراء، ومبعوث من رئيس الجمهورية الهندية، وعديد الشبان، بينهم عدد كبير من شباب السلك الدبلوماسي والمجتمع الحاكم، أصدقاء وصديقات العروسين، وزملاء العروس في جامعة دلهي. كلهم بالملابس الرسمية وملابس السهرة. تولت الترفيه فرقة موسيقى غربية شجعت المدعوين، وبخاصة الشباب، على الرقص بعد أن افتتحه أهل العروس والعروسان.

أعترف، ولأول مرة، أنني رغم كل مظاهر الفرح، وكل مشاعر الحب المتبادلة بيننا، العروس وأنا، وكل الحنان الفياض من أمها وأبيها، ورغم التفاف كل أعضاء السفارة حولي في رضا وسعادة، رغم كل هذا وذاك، أعترف بأنني لم أشعر بالاغتراب عن بلدي كما شعرت في ذلك اليوم، الاغتراب عن الزفة البلدي، وعن أمي وربتتها الحنون على خدي وظهري تشجيعًا أو استحسانًا، وعن رقص راقصة مصرية، وعن إيقاع طبال قدير في ليلة فرح.

وتوالت الأفراح… أفراح أولادي ثم أفراح أحفادي.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

دبلوماسي مصري سابق، كاتب متخصص في القضايا الدولية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  حجة شنكر.. وفم التنين!