ترامب فى بكين.. قمة الضرورة لا الثقة

فى الأسبوع الماضى، أعلن البيت الأبيض عن زيارة مهمة يقوم بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية بكين فى ١٤ و١٥ مايو/أيار الجارى، ومنذ ذلك الحين خرجت العديد من التحليلات والمقالات والتقارير عن ظروف الزيارة المرتقبة وتفاصيلها وما قد ينتج عنها سياسيًا واقتصاديًا على المستوى الدولى، خاصة فى ظل ظروف عالمية يعتريها عدم الاستقرار، وفى ظل نظام دولى مرتعش اليد أمام نزوات الكبار التى أعطت للقانون الدولى إجازة لا يبدو أنها ستكون قصيرة!

تاريخيًا، لطالما حظيت القمة الأمريكية – الصينية بأهمية كبرى منذ الزيارة الشهيرة التى قام بها الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون إلى بكين فى فبراير/شباط ١٩٧٢، والتى كانت بمثابة لحظة تحول مهمة فى الحرب الباردة. وبحسب الموقع الرسمى لوزارة الخارجية الأمريكية، تلت زيارة نيكسون ١٢ زيارة لرئيس أمريكى إلى الصين، بدءًا من زيارة الرئيس جيرالد فورد فى ١٩٧٥، وحتى الزيارة الأخيرة التى قام بها ترامب نفسه فى فترته الأولى (تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٧). وبحسب موقع وزارة الخارجية الصينية، فإن عدد الزيارات الرسمية التى قام بها زعيم صينى فعلى إلى الولايات المتحدة منذ ذلك الحين بلغ عشر زيارات، بدءًا من زيارة الزعيم الصينى دنج شياو بينج عام ١٩٧٩، وحتى آخر زيارة قام بها شى جين بينج فى ٢٠٢٣، علمًا بأن هذا العدد يستثنى الزيارات التى قام بها زعيم صينى إلى الولايات المتحدة من أجل حضور مؤتمرات وفعاليات دولية. علمًا بأن الزعيم الصينى الحالى هو أكثر من زار الولايات المتحدة تاريخيًا، بعدد بلغ أربع زيارات (٢٠١٣، ٢٠١٥، ٢٠١٧، ٢٠٢٣).

لهذا العدد أهمية كبرى؛ لأنه يذكرنا بأن عدد الزيارات الرسمية التى قام بها كل زعيم للدولة الأخرى منذ الحرب العالمية الثانية، أى لنحو أكثر من ٨٠ عامًا، بلغ إجمالى ٢٣ زيارة، وبمتوسط يبلغ ثلاث سنوات ونصف السنة تقريبًا، مما يعنى أن هذا النوع من الزيارات لا يتكرر كثيرًا، وهو ما يعطى عادة أهمية إعلامية ودبلوماسية لهذا النوع من الزيارات. كذلك من الملفت للنظر أن الغالبية العظمى من هذه الزيارات وُصفت بالناجحة، سواء لأنها انتهت باتفاقيات دبلوماسية أو اقتصادية، أو لأنها تمكنت فى كثير من الأحيان من تجاوز صعاب وعوائق دبلوماسية وسياسية، ومن هنا تأتى أهمية زيارة ترامب إلى الصين.

يمكن القول إن زيارة ترامب من المتوقع أن تكون أقرب إلى زيارة رجل أعمال منها إلى زيارة سياسى كبير، ففى النهاية، يبحث ترامب عن الطريقة التى سيسوق بها نتائجها إلى ناخبيه باعتبارها انتصارًا، وهو الأمر نفسه الذى يتبعه بعد أى زيارة دولة رسمية أو بعد أى قرار دولى. كذلك لا بد من الأخذ فى الاعتبار أن العلاقات الأمريكية – الصينية لم تعد تدور حول خلافات تتعلق بملفات حقوق الإنسان أو التجارة بمعناها التقليدى، بل أصبحت تشمل أيضًا موضوعات تتعلق بالتنافس التكنولوجى، والذكاء الاصطناعى، وأشباه الموصلات، وسلاسل الإمداد، والطاقة، بالإضافة إلى الصراع حول النفوذ فى آسيا والشرق الأوسط.

***

بحسب التقارير المنشورة عن القمة، من المتوقع أن يصحب ترامب وفدًا محدودًا من كبار المديرين التنفيذيين، بينهم أسماء مرتبطة بشركات كبرى مثل أبل، وإنفيديا، وكوالكوم، وسيتى جروب، وبوينج. واللافت للانتباه أن الوفد يبدو أصغر بكثير من وفد زيارته السابقة إلى الصين عام ٢٠١٧، حين اصطحب معه عشرات المديرين التنفيذيين. وهذا الفارق مهم؛ لأنه يكشف وجود خلاف داخل الإدارة الأمريكية نفسها حول طبيعة العلاقة مع الصين: هل تكون زيارة ترامب مناسبة لاستعراض رجال الأعمال والصفقات الكبرى، أم يجب أن تبقى تحت السيطرة السياسية حتى لا تتحول إلى رسالة ضعف أمام بكين؟

لكن، حتى مع هذا الوفد الأصغر، تبقى روح الزيارة تجارية بوضوح، حيث تشير التقارير إلى صفقة محتملة لطائرات بوينج، وربما إلى بيع مئات الطائرات من طراز ٧٣٧ ماكس للصين. كذلك فهناك حديث عن تمديد الهدنة التجارية القائمة بين البلدين، وعن رغبة بكين فى الحصول على ضمانات أمريكية تخفف القيود المستقبلية على تصدير التكنولوجيا الصينية المتقدمة فى مقابل هذه الصفقات. كذلك، وبحسب التقارير المتاحة، تتطرق الزيارة إلى ملفات زراعية لا تبدو كبيرة للوهلة الأولى، لكنها مهمة سياسيًا داخل الولايات المتحدة، مثل صادرات اللحوم وفول الصويا وغيرها من السلع التى تمس ولايات ومزارعين وناخبين يحتاج ترامب إلى مخاطبتهم قبل انتخابات التجديد النصفى فى تشرين الثانى/نوفمبر المقبل.

وبرغم أن ترامب، فى مقابل هذه الصفقات، عليه أن يكون مستعدًا لتقديم تنازلات، فإن المحللين الأمريكيين والصينيين، على حد سواء، يتوقعون الطريقة التى سيسوق بها ترامب نتائج الزيارة مهما كان حجم الملفات التى سيقدم تنازلات بشأنها، والتى من المتوقع أن تدور حول خطاب وهمى عن إجباره للصين على فتح أسواقها، أو أنه أنقذ شركة أمريكية كبرى من الإفلاس، أو كيف أنه أعاد للمزارعين منفذًا ضخمًا لمنتجاتهم، أو انتزع صفقة يمكن تحويلها إلى عنوان انتخابى فى الخريف المقبل.

لكن الصين لن تكون لقمة سائغة لصفقات ترامب الانتخابية بكل تأكيد. صحيح أن واشنطن تمتلك أدوات ضغط هائلة، من الرسوم الجمركية إلى قيود التصدير، لكن الصين تمتلك هى الأخرى أوراقًا لا تقل أهمية، من السوق الضخم إلى المعادن النادرة والمصانع العملاقة وسلاسل الإمداد والعمالة الرخيصة والكثيفة، وكلها أوراق يستطيع شى جين بينج استخدامها لإرباك شركات أمريكية كبرى إذا لم تحصل بكين على ما تريد.

إقرأ على موقع 180  "حركة فيفري" التونسية.. إنتفاضة طلابية عمرها نصف قرن

لذلك تدخل بكين هذه القمة ولديها قائمة من الشروط الواضحة المتعلقة بتمديد التهدئة التجارية، وتخفيف القيود على التكنولوجيا، وتقليل احتمالات العقوبات الجديدة، والحصول على اعتراف عملى بأن واشنطن لا تستطيع، ولا تنوى حتى مجرد المحاولة، عزل الصين اقتصاديًا. ولذلك فمن المتوقع أن تقبل الصين ببعض الصفقات التجارية التى تمنح ترامب ما يريده إعلاميًا، لكنها ستسعى فى المقابل إلى تحقيق شروطها هذه بأى ثمن!

***

ومن المتوقع أن يكون ملف الشرق الأوسط أحد أهم ملفات القمة، حتى لو لم يفضل ترامب ذلك. فحرب واشنطن على إيران لا تكلف السياسة والاقتصاد الأمريكيين وحدهما، بل لها تأثيرات سلبية على الصين أيضًا، فللأخيرة مصالح ضخمة فى الإقليم، فهى أكبر مشترٍ تقريبًا للنفط الإيرانى، ولديها مصالح واسعة مع دول الخليج، لذلك تتحرك بحذر شديد بين طهران والرياض وواشنطن، وهو الأمر الذى ستثيره بكين بكل تأكيد مع ترامب. وربما تكون تصريحات الأخير بخصوص الحرب على إيران، والتى أظهرت تهدئة ملحوظة، تمهيدًا بالفعل لإغلاق هذا الملف كشرط صينى لإنجاح الزيارة من وجهة النظر الأمريكية.

حتى ملف حقوق الإنسان، الذى كان حاضرًا بقوة فى الخطاب الأمريكى التقليدى تجاه الصين، يبدو اليوم ثانويًا أمام الحسابات الاقتصادية. صحيح أن أكثر من ١٠٠ مشرع أمريكى طالبوا ترامب بالضغط من أجل الإفراج عن جيمى لاى، رجل الأعمال والإعلامى المؤيد للديموقراطية فى هونج كونج، لكن السؤال الحقيقى هو: إلى أى مدى سيجعل ترامب هذا الملف أولوية إذا تعارض مع صفقة تجارية كبيرة أو تفاهم اقتصادى يريد الإعلان عنه؟ التجربة تقول إن ترامب لا يحب الملفات التى لا يمكن تحويلها بسهولة إلى مكسب مباشر. فحقوق الإنسان بالنسبة له ليست غالبًا محور السياسة، بل ورقة يمكن استخدامها أو تركها بحسب لحظة التفاوض.

ولذلك ربما تكون أهمية زيارة ترامب إلى الصين أنها تكشف حدود السياسة الأمريكية أكثر مما تكشف قوتها. فالرئيس الأمريكى يذهب إلى بكين لا لأنه انتصر على الصين، بل لأنه يحتاج إلى التفاهم معها. يذهب وهو يعرف أن القطيعة الكاملة مستحيلة، وأن الحرب التجارية المفتوحة مكلفة، وأن الشركات الأمريكية الكبرى لا تريد انفصالًا كاملًا عن السوق الصينية، ولا تستطيع تحمل كلفته الاقتصادية. ويعرف شى جين بينج، فى المقابل، أن ترامب يحتاج إلى إنجاز سريع، وأنه قد يقبل بتنازل رمزى إذا كان قابلًا للتسويق فى الداخل الأمريكى.

زيارة ترامب إلى الصين، فى الأغلب، ستنجح على مستوى الدعاية السياسية، حيث ستخرج غالبًا ببيان مشترك بنبرة قوية يخدم مصالح ترامب الانتخابية والدعائية، وإعلان عن شراكات بمليارات الدولارات، لكن النجاح الاستراتيجى لهذه الزيارة لا يبدو متحققًا فى الأفق، فمعظم مغامرات ترامب الخارجية، من الحروب إلى التصريحات والقرارات السياسية والدبلوماسية، أثبتت أنه مقامر غير ناجح، والرأى العام الأمريكى أصبح يدرك ذلك بسهولة، وهو ما تدركه بكين أيضًا، ومن المتوقع أن تستغله جيدًا فى هذه الزيارة.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
أحمد عبدربه

مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائر للعلاقات الدولية بجامعة دنفر

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  باريس وواشنطن: على لبنان عدم تفويت قطار الاستقرار.. والازدهار