«قبل أن تنطفئ الذاكرة» لطنوس شلهوب.. بلدٌ يستهلك التجارب

يأتي كتاب طنوس شلهوب «قبل أنْ تنطفئ الذاكرة» وكأنه لا يكتفي بفتح دفاتر العمر دفعة واحدة، بل يضع القارئ منذ الصفحات الأولى أمام سؤالٍ خفيّ: ماذا نفعل بذاكرةٍ تزداد ثقلاً كلما تقدّم بنا الزمن؟ الذاكرة هنا ليست صندوقاً للحنين، بل مادة قابلة للانفجار؛ تتضخم “لكثرة ما تحتشد بالأحداث والروايات وبالأخبار”، حتى تكاد تصير عضواً زائداً في الجسد، أو مطبخاً قد يحترق كله بقارورة غاز، أو روحاً تنفجر بخبرٍ يوحشها. لذلك يبدو العنوان مثل تحذيرٍ مبكر، ليس الخطر أنْ ننساها وحدنا، بل أنْ تنطفئ وهي تحمل معها معنى حياةٍ كاملة، وأنْ يُترك ما عاشه صاحبها - وما عاشه جيله - بلا شاهدٍ ولا أثر.

في قلب هذه الكتلة السردية الكبيرة، التي تبدو كإضبارة عمرٍ “حشد فيها المؤلف عصارة عمره كله” على امتداد نحو ستمئة صفحة، تتقدّم حكاية لقاء عائلتين “بالصدفة”، بين غلبون قرية الأب، ودير ميماس ضيعة الأم. لكن “الصدفة” التي يذكرها الكاتب لا تؤدي وظيفة رومانسية، بل تمهّد لمنطق الكتاب كله. حياة اللبناني ليست خطاً واحداً، بل تقاطع طرقٍ وأمكنةٍ وعلاقاتٍ تتداخل فيها القرابة بالأرض، بالعمل، بالتاريخ الذي يهبط فجأة على العائلة كما يهبط على البلاد. ومن هذا التقاطع تولد فكرةٌ تتكرر بأشكال شتى: الإيمان بالإنسان وبالعدالة ليسا شعارين، بل إجابة فردية على قسوةٍ جماعية، ومحاولة لترميم عالمٍ دائم الانكسار.

***

دير ميماس لا تظهر كخلفية طفولة “لطيفة”، بل كمنظومة كاملة تُشكّل الإنسان. حدود الجنوب حيث فلسطين ليست خبراً بل امتداداً للعين والذاكرة. قريةٌ يعرف أهلها أنّ السياسة ليست نقاشاً في مقهى بل خوفٌ يومي وسماءٌ قد تُمطر ناراً في أيّ حين، وأرضٌ تُصبح جزءاً من الكرامة لا من الرزق فقط. في هذا السياق، يفتش شلهوب في ذاكرته عن ذلك الطفل الذي عاش في كنف جدّيه، كأنّه يفتش عن نقطة البدء التي تُفسر لاحقاً لماذا يتوتر العصب سريعاً، ولماذا يصعب الفصل بين “حال الشخص” و”حال الوطن”. الجنوب هنا ليس جغرافيا فحسب؛ إنّه تربية على الحافة، أنْ تعيش وأنت تعرف أنّ الحدّ قريب، وأن الاحتلال احتمالٌ دائم، وأنّ أسماء الشهداء ليست تاريخاً بل أسماء جيرانٍ وأقارب.

ومن داخل هذا البيت القروي نفسه، يلمع عنصرٌ قد يبدو بسيطاً لكنه يشتغل في السرد كرافعة للوعي، الكتب. وجود روايات عالمية وكتب سياسية وتاريخية في منزلٍ ريفي لا يُقدَّم كتفصيل ثقافي للتزيين، بل كطريقة خفية لفتح نافذة على العالم في بيئةٍ تدفع أبناءها إلى تسييس حياتهم باكراً. القراءة تصبح رأس مالٍ يغيّر مصير صاحبه، يضعه على مسافة من المسلّمات، ويمنحه لغةً بديلة لتسمية الظلم والعدالة. هكذا يدخل شلهوب السياسة عبر الأدب والصحافة اليومية كما لو كان يدخلها عبر سردٍ يتغذى من الخيال والعاطفة، لا عبر “بيان” جامد. كأنّ الكتاب يقول إنّ الأفكار الكبيرة حين تُعاش كحكاية تنجح، وحين تُلقّن كقواعد قد تبهت.

تدريجياً، تنفتح الذاكرة على العائلة بوصفها مؤسسة نجاة قبل أنْ تكون شجرة نسب. حين يستعيد الكاتب وقائع عائلية حسّاسة، لا يبدو أنّه يسعى إلى مفاجأة القارئ أو فضحه، بل إلى إظهار كيف تعيد العائلات ترتيب الحقيقة كي تستمر. الأمومة قد تكون وظيفة رعاية وحماية واحتواء قبل أنْ تكون بيولوجيا، والبيت قد يخبّئ ما يخبّئه لا طلباً للخداع بل طلباً للتماسك وسط قسوة الحياة. وحتى التفاصيل “الإدارية” مثل خطأ في الاسم داخل السجلات تتحول إلى قدرٍ يُرغم الإنسان على التعايش مع هوية لا تشبهه، فتظهر السلطة في أصغر صورها، مختار، سجل، ختم، ورقة. ليس ثمة دولة متعالية في السرد بقدر ما ثمة جهاز يوميّ قد يقرّر مصائر الناس من دون اكتراث، فيصير الإسم عبئاً، وتصبح الوثيقة حياةً بديلة تُفرض على صاحبها.

***

مثلما تشدّ القرابة خيوطها في البيت، يشدّ “الحزب” خيوطه في الشارع وبين الرفاق. انتماء شلهوب المبكر في الرابعة عشرة لا يمرّ كقرارٍ عقلاني فحسب، بل كتبدّل لغةٍ وهوية، “رفيق” بدل “صديق”، مفاهيم جديدة، حلقات تثقيف في المادية الجدلية والتاريخية، وشعور بأنّ العالم صار قابلاً للفهم إذا دخلته من باب “النظرية”. لكن السرد لا يستقر عند يقينٍ طويل؛ هناك دائماً لحظة يصطدم فيها الكلام المجرّد ببلدٍ يرفض أنْ يُختصر. لبنان الطائفي، بتشابكاته ومخاوفه وشبكات حمايته، يضغط على القوالب الفكرية حتى تتشقق. لذلك تأتي عناوين من نوع “كيف أحرجني الرفيق لينين” كإشارة إلى ارتباكٍ مثمر، ليس تهكماً عابراً، بل بداية انتقال من النصوص إلى التجربة، ومن الإجابات الجاهزة إلى أسئلة تخرج من رحم الواقع.

تتخذ الحرب في الكتاب موقعاً يتجاوز الحدث، فتغدو البيئة التي يُعاد داخلها تنظيم كل شيء. بيروت ليست مدينة واحدة في ذاكرة شلهوب، بل مدن تتوالد داخل بعضها، شرقية وغربية، حدث وشياح، طرق مقطوعة وحواجز، خوفٌ يحكم التفاصيل الصغيرة. وتتكرر التنقلات نحو طرابلس بوصفها “ملاذات آمنة” حين تضيق العاصمة بأهلها. ومع كل انتقال، تتبدّل معاني الجار والشارع والبيت، ويصير الانتماء الطائفي – مهما بدا مرفوضاً – عملة نجاة في اقتصاد الفوضى، من يضمن المرور؟ من يؤمّن الدواء؟ من يوفر واسطة؟ حين تتراجع الدولة، تتقدم الجماعات بوصفها خدماتٍ وحماية، ويُعاد إنتاج الزعامة لأنّ الناس يحتاجون “أباً” سياسياً حين تصير الدولة يتيمة. لذلك يمكن فهم مفارقة يلمح إليها شلهوب، الشعب يلعن الطائفية، ثم يعود إليها لأن البديل لم يُبنَ بعد.

إقرأ على موقع 180  "النكسة الثانية" للمقاومة.. "كلّنا مسؤولون.. يعني كلّنا"

في مقابل هذا الخراب، يضيء السرد لحظات عملٍ يوميّ تمنح السياسة معنى مختلفاً، اجتماعات تنتقل إلى بيوت الرفاق، مركز اتحادٍ يُفتتح ويواجه مقاومات، وساعتان يومياً لمساعدة تلاميذ المدارس مجاناً كي لا يتساقطوا من التعليم. هنا تنزل الأفكار من السماء إلى الأرض، تتحول إلى برنامجٍ ومجموعة وجلسة تدريس وتعبٍ جماعي. يبدو شلهوب في هذه المقاطع كأنّه يراهن على “الحشد العلمي” في مواجهة “الحشد الطائفي”، لا لأنّ العلم يملك سحراً جاهزاً، بل لأنه يمنح الناس أداة للفهم والتقدم حين تُغلق الحرب أبواب المستقبل.

***

تأتي موسكو كفصلٍ طويل في الكتاب يُبدّل زاوية النظر. عشر سنوات دراسة في مدينة كبيرة ليست “محطة تعليم” فقط، بل اختبار لعيشٍ مختلف، دولة – مشروع، مؤسسات، انضباط، وشعور بأنّ العدالة يمكن أنْ تكون بنية لا خطبة. يلتقط الكاتب “روح روسيا” في التفاصيل، المزاج الثقافي، الحياة العامة، علاقة الناس بالمعرفة وبالشارع وبالزمن. وحين يقرأ هناك “الدون الهادئ” ويرى كيف تدخل الحرب والثورة إلى البيوت وتقلبها رأساً على عقب، لا يقرأ رواية بعيدة؛ كأنّه يجد مرآة لمآلات بلده. الاغتراب هنا لا يقتلع الانتماء بل يعيد تشكيله، يعطيه مسافة نقدية، ويجعل العودة إلى بيروت عودةً أقل سذاجة، وأكثر حساسية لتناقضات المكان الذي لا يُشبه أي نموذج جاهز.

لكن ذروة ثقل الكتاب لا تأتي من السياسة وحدها، بل من اللحظة التي يُعاد فيها قياس كل شيء بمقياس البيت والجسد. حين يكتب شلهوب عن خسارة ولدين – وما يتبعها من انكفاء – ينقلب معنى النضال، تصير الشعارات خفيفة أمام الفقد، ويصير الصمت لغة، ويصبح الزمن نفسه معطلاً كأنّ الحياة تدخل “وقتاً خارج الوقت”. في مجتمع اعتاد تدوير الموت في خطابات ترفعه إلى شعارات، يعرّي الحِداد هشاشة الكلمات كلها. لا يعود السؤال كيف ننتصر؟ بل، كيف نبقى بشراً بعد أنْ ننكسر في أعمق نقطة؟ ثلاث سنوات من الانكفاء ليست ضعفاً، بل شكل من إعادة التكوين، وكأنّ الأب في داخله يحتاج أنْ يتعلم المشي من جديد، لا على “حفافي الحرب” فقط، بل على حافة الروح.

على امتداد هذه الفصول، لا تغيب الرموز الثقافية التي تشبه حبال نجاة جماعية، زياد الرحباني والشيخ إمام والفن الملتزم، ليسوا استعراضاً للأذواق بل خزّاناً من ذاكرة مشتركة. الأغنية والمسرح والهجاء السياسي كانت طريقة لصنع “نحن” خارج الطائفة وخارج الزعامة، لغةً يتشاركها غرباء في المقاهي والبيوت والسيارات. وحين تهزم المشاريع أو تتعب التنظيمات، يبقى الفن شاهداً على أنّ الناس يستطيعون تسمية السلطة، والضحك منها، والاحتفاظ بكرامة الرفض.

***

مع التقاعد من التعليم الجامعي والانتقال إلى كندا، لا تنتهي الحكاية كما تنتهي عادةً السير الذاتية عند “الهجرة”، بل تبدأ صيغة جديدة للانتماء. في مونتريال يصبح الوطن شيئاً يُحمل في اللغة والكتابة واللقاءات والندوات والتظاهرات، لا في الإقامة وحدها. الغربة لا تمحو الذاكرة بل تختبرها: هل تتحول إلى مرثية، أم إلى فعلٍ أخلاقي يتجاوز الحدود؟ هكذا تبدو حفلات التوقيع والظهور العلني جزءاً من حياة النص نفسه، الكتاب يخرج من الورق ليصير مناسبةً اجتماعية، كأنّ صاحبه يحاول أنْ يمنع الانطفاء عبر تحويل التذكر إلى مشاركة، لا إلى عزلة.

***

في النهاية، يخرج القارئ من «قبل أنْ تنطفئ الذاكرة» وهو يشعر أنّه لم يقرأ “حياة طنوس شلهوب” فقط، بل قرأ طريقة بلدٍ كامل في صنع الناس واستهلاكهم ثم تركهم معلّقين بين الولاء والتمرّد، وبين اليقين والجرح. تتجاور في السرد العذوبة والآهة، السخرية والمرارة، الحنين والغضب، لأنّ الواقع نفسه لا يمنح حلولاً نهائية. وإذا كان الكاتب يكتب “قبل أنْ تنطفئ الذاكرة”، فلأنّه يدرك أنّ الانطفاء ليس أمراً طبيعياً تماماً؛ ثمة ما يريد للناس أنْ ينسوا كي تستمر اللعبة. والكتابة هنا ليست ترفاً ولا تذكاراً، بل محاولة هادئة وشاقة ليقول: ما عشته ليس ملكي وحدي، هو جزء من ذاكرة جماعة، ومن حقها أنْ ترى نفسها بوضوح، مرة واحدة على الأقل، قبل أنْ تُطمس ملامحها.

(*) كتاب “قبل أن تنطفىء الذاكرة” لطنوس شلهوب، صادر عن دار نلسن في بيروت، 1925.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  موسى الصّدر.. في الطريق نحو بناء الدّولة المعاصِرة (٢)