

“لستَ مهزوماً ما دمت تقاوم” (مهدي عامل)
نحتفي بانتصار غزّة وننحني أمام عظيم تضحياتها ومنجزاتها، ولو فُرِض على شعبنا الأسطوري المزيد من التضحيات في القريب العاجل، في حال قرّر الصهاينة مواصلة الحرب بدعمٍ من الإمبراطورية. ننحني تقديراً لاستبسال المقاومين في لبنان في قتالهم الغزاة الصهاينة، وتقديراً لتضحياتهم.
أما بعد؛
وما دامت إرادة الصراع مع العدو المحتل ومَن وراءه راسخة وفاعلة، فلن تكون المحطة هذه هي الأخيرة في حربنا الطويلة والمريرة مع عدوّنا الوجودي وداعميه الغربيين؛ ومن ثم، فالمراجعة ضرورية.
أفهم الرفض لوصف ما جرى لنا في لبنان والشام في هذه المحطة من الصراع بـ”الهزيمة” وفق منطق أننا لسنا مهزومين ما دمنا نقاوم، بل أتماهى مع هذا المنطق؛ ولا أتقبّل هذا الرفض متى صدر عن المكابرة والمفاخرة شبه القَبَلية، حين يكون الرفض لا للتسليم بالهزيمة أمام العدو وللتسليم بالنتائج المأمولة من جانبه، بل تظاهراً إزاء مَن يُفترَض أنه “الآخر” المذهبي أو الطائفي من أبناء الوطن، ورفضاً لإجراء المراجعة. فالأخيرة ضروريةٌ لمعالجة الثغرات وأوجه القصور، وهي كبيرةٌ وخطيرةٌ؛ بل إن المراجعة ضروريةٌ للنهوض وإعادة بناء القدرة على المواجهة على جميع الأصعدة، لا العسكرية-الأمنية فقط، ولتعبئة عموم المجتمع لهذه الغاية، لا “البيئة” المذهبية حصراً، فجميعنا مسؤولٌ عن “النكسة الثانية” في لبنان والشام، وجميعنا مسؤولٌ عن النهوض والقتال مجدداً.
فلنسمّي ما جرى في لبنان والشام، حيث لا يزال العدو يعربد ويتوسّع في احتلاله، بالنكسة، أي بالمحطة التي سيكون لها ما بعدها، كما كانت حرب الاستنزاف وحرب تشرين 1973 بعد نكسة عام 1967. وكي لا نتنازل عن حقنا بالحياة الكريمة “الحرة القوية الجميلة” بتنازلنا عن حقنا، بل واجبنا، بالمضي في الصراع مع هذا الاحتلال الاستيطاني التوسعي وداعميه، فالأجدر بنا أن نتعلّم من العدو نفسه الذي لم يسلّم بفشل عدوانه عام 2006 في تحقيق الأهداف، بل ألّف لجنة “فينوغراد” للتحقيق في فشله. وعلى ضوء نتائج التحقيق، عمل العدو لنحو عقدين من الزمن على معالجة الثغرات وأوجه القصور لديه، بدعم مفتوح بكل الإمكانيات من الغرب وترسانته العسكرية والتكنولوجية، وشنّ ضدنا حرب استنزافٍ طويلة، مباشرةً وبالواسطة (ومنها “المعارك بين الحروب” والحرب الهجينة على سوريا والحصار وإثارة الفتن وإدارتها استراتيجياً)، في مختلف الساحات وعلى مختلف الأصعدة، وبنى استراتيجيةً وقوةً مكّنته من تحقيق الكثير على حسابنا في الفصل الأخير (وليس الآخِر) من الصراع. فلندَع المكابرة جانباً، كما الانهزامية، ونتعلّم من عدوّنا فضيلة المراجعة، ولو أتت بنتيجتها اجتهاداتٌ كثيرة، منها ما سيكون متضارباً.
ما علاقتي بالأمر وأنا لست من “البيئة”؟
أروي سريعاً حادثةً ذات دلالة، أو قل هي عيّنةٌ من حالةٍ خطيرةٍ تتفاقم في مجتمعنا: بينما كنت أنتظر رحلةً في أحد المطارات، خُضتُ في دردشةٍ عَرَضيةٍ مع شابٍ من جنوب لبنان، تحوّلَت سريعاً إلى مآلات حالنا في حربنا مع الصهاينة. كان حديثاً ودّياً، وكان الشاب إيجابياً تجاهي، كما بدا لي، علماً أن لهجتي وأشياء أخرى تدل على انتماءٍ أوليٍّ إلى “قبيلةٍ” غير “قبيلته”. اعترض الشاب، وإن بلطف، على استخدامي “نا” الجماعة في حديثي عن حربنا مع الصهاينة، قائلاً، “(قبيلتي) هي التي قاتلت ودفعت الثمن دماً ودماراً”؛ ولو أراد أن يُعبّر بشكلٍ فظٍّ لقال: “ما علاقتك أنت.. ورَبعك بالأمر”؟
لا يمكن الفصل بين الكفاح من أجل تحرير الأرض من المحتل والكفاح من أجل تحرير المجتمع من علاقات التبعية والاستغلال وقيود التخلف الاجتماعي-الاقتصادي؛ والقول إن “طرح القضايا الاجتماعية-الاقتصادية يتضارب مع مصلحة المقاومة” يجافي الحقيقة ويخالف حقيقة أن الصراع من أجل التحرّر لا بد أن يكون على المستويات العسكرية-الأمنية والاجتماعية-الاقتصادية والثقافية-السياسية جميعها، بالتكامل والتآزر
أعلم أن أحداً لن يُصعَق بهذا الكلام، كونه صحيحٌ بالوقائع الظرفية الراهنة، إذا ما اقتطعنا الأخيرة من السياق التاريخي الحديث والأقدم؛ أو قُل إن كلام الشاب “صحيحٌ تقنياً” في الظرف البائس الراهن، وإن هذا المنطق قد شاع للأسف وبتنا نسمع ما هو أخطر منه بكثير، و”على رؤوس الأشهاد”. لكن هذا الكلام يُكرّس وعياً يُعمّق التجزئة ويُفاقم أزمتنا متعدّدة الأبعاد ويُديمها، فيؤسِّس لانتكاساتٍ أخرى، بل ربما يؤسّس للهزيمة الكاملة أمام المشروع الغربي-الصهيوني، بدليل المُجريات الكارثية التي نشهدها تباعاً، وبخاصةً في الشام التي نراقبها تتفكّك فيما يقضمها الصهاينة والأتراك، وفيما يُعزّز هؤلاء والولايات المتحدة الكيانات والقوى الانفصالية في منطقتنا.
إستباقاً لنتائج التحقيق
لا بد من التوكيد على أن المخاطَب هنا ليس حصراً “البيئة” والحزب المقاوم الذي تحتضنه، بل مجتمعنا بأسره، بعموم أبناء وبنات الوطن. وأرفض رفضاً قاطعاً القول بـ”مجتمعاتٍ” طائفيةٍ ومذهبية، وهو وهمٌ خطيرٌ ما كان الحديث عنه ممكناً أصلاً لولا التقسيم الضمني لبُنى الدولة بإداراتها ومؤسّساتها، وتفكّك البنى الإنتاجية في بلادنا، وبالتبعية، تفكّك قوى الإنتاج، فضلاً عن تفكّك القاعدة الاجتماعية المباشرة للدولة بتطييفها وبالخصخصة وبإفراغ الإدارات والمؤسّسات العامة من الكوادر وتقزيمها وإضعافها، فيما تتغوّل البُنى والمؤسّسات الطائفية على حساب الدولة التي يُفترض أن تكون جامعة. وأقول بالتالي إن جميعنا، من حيث المبدأ وأيضاً بالفعل والممارسة، مسؤولٌ عن النكسة الثانية؛ وهذا ليس “شعاراً” دعائياً “توافقياً”، أو كلاماً طوباوياً أو إسقاطاً نظرياً على واقعٍ مُغاير. وعلى المنوال نفسه، علينا جميعاً كمجتمعٍ واحدٍ واجب النهوض والعودة إلى المواجهة مع عدوّنا الوجودي.
يمكن اعتبار ما يلي “استباقاً لنتائج التحقيق” الذي أدعو إليه، أو، وفق منهج البحث العلمي، تحديداً لبعض فرضيّات البحث، أوعناوين ينبغي معالجتها تفصيلاً في غير هذا المقال الذي أردته فاتحةً للنقاش.
العنوان الأول هو حول ما تردّد كثيراً حول “عزل المقاومة وتطويقها” كسببٍ أساس، بعد تفجيرات أجهزة الاتصال والضربات الجوية القاسية، لاضطرارها إلى الذهاب إلى وقفٍ لإطلاق النار من طرفٍ واحد، يمكن القول، والكف عن إسناد غزة، على خلاف ما كان قد تعهّد به الشهيد السيد حسن نصرالله. لا يحتاج المرء إلى بصيرةٍ ثاقبة لربط ذلك بسياسة “الهويات الفرعية” (Identity Politics) التي استفحلت وتفلّتت من كل عقال وتجاوزت كل الحدود في السنين الماضية، وتحديداً بعد “تفاهم مار مخايل” عام 2006. كان لطغيان السياسة المذهبية أعظم الأثر ليس فقط في تعميق الانقسامات العمودية في المجتمع، بل أيضاً في تغييب البرامج، بل مجرد الطروحات والنقاشات الحقيقية، حول الإدارة العامة والسياسات العامة الاجتماعية-الاقتصادية تحديداً، وموضوعها مصالح الناس وأسباب عيشها، ما قزّم السياسة والشأن العام إلى سيركٍ من التحالفات الظرفية الانتهازية والتناحر بين الجماعات المذهبية وممثليها وتناتشهم المغانم، وغيّب عن الوعي العام المشترَكات، بل “وحدة الحياة”، بين هذه الجماعات، وزاد من حدّة الاستقطابات والتوتّرات الداخلية. كذلك، يصعب التفكير بأن هذا المرض المستفحل في لبنان لم يفاقم من الأزمة في الشام ويُسهِم في الوصول إلى ما آلت إليه الأمور هناك، ما تسبّب بتطويق المقاومة.
العنوان الثاني يتعلّق بما يُتداول عن دور الضغوط الداخلية الناجمة عن تردّي الحالة المعيشية في إجبار المقاومة على إسكات جبهتها. لا شك في أن إدخال لبنان في دائرة “قانون قيصر” عام 2019 (أداة الولايات المتحدة في فرض الحصار الاقتصادي والمالي على الشام) لعب دوراً كبيراً في تفاقم الأزمة الاقتصادية، لكن لا يمكن أبداً الزعم بأن استنزاف المجتمع بالحرب الاقتصادية قد بدأ مع القانون الأميركي المذكور. هذا نقاشٌ يطول، إذ أنه يبدأ بتناول السياسات العامة التي اتّبعتها الحكومات في لبنان منذ عام 1993، والتي لم يغيّر منها شيئاً انضمام المقاومة والتيار العوني إلى نادي السلطة بعد العام 2005. لا يمكن الفصل بين الكفاح من أجل تحرير الأرض من المحتل والكفاح من أجل تحرير المجتمع من علاقات التبعية والاستغلال وقيود التخلف الاجتماعي-الاقتصادي؛ والقول إن “طرح القضايا الاجتماعية-الاقتصادية يتضارب مع مصلحة المقاومة” يجافي الحقيقة ويخالف حقيقة أن الصراع من أجل التحرّر لا بد أن يكون على المستويات العسكرية-الأمنية والاجتماعية-الاقتصادية والثقافية-السياسية جميعها، بالتكامل والتآزر.
العنوان الثالث والأخير يتعلق بالانكشاف الأمني واستهلاك التكنولوجيا الغربية، لا سيما تكنولوجيا الاتصالات؛ ونقصد هنا ليس التجهيزات المركزية التي وضعتها أو أجازتها جهاتٌ حكومية، على أهميتها الفائقة، بل نتناول ما يتعلق باختيارات المواطنين، أو الأجهزة الشخصية كاللوحات الذكية والهواتف الذكية تحديداً. يصعب التغافل عن تزايد شراسة ووقاحة شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، ومِن ورائها الأجهزة الحكومية المعنية، في جمع المعلومات والتحقّق من هويات المستخدمين وبياناتهم، بما في ذلك مواقعهم الجغرافية بالوقت الحقيقي، والربط ما بين الأجهزة التي يستعملونها. يدفع ذلك المستخدمين، أو بالأحرى مستهلكي تكنولوجيا الاتصالات الغربية، إلى أحد خيارَين حدِّيَّين: إما الخضوع الكامل لهذه المنظومة، بما تحمله من مخاطر الدم والدمار، أو القطيعة الكاملة معها، والذهاب باتجاه البدائل غير الغربية، وتحديداً الصينية والروسية، والبدء الجدّي، بالتوازي، بعملية إنتاج البدائل محلياً، بدءاً من التجميع وإنتاج قسمٍ من مكوّنات الأجهزة، فضلاً عن برمجياتها. وهذا نقاشٌ يحتاج أولاً إلى بحثٍ تقنيٍّ جدّي، وبحثٍ في الفاعلين التجاريين ومصالحهم والقنوات التجارية القائمة والممكن بناؤها.