“أتلانتيك”: “كش ملك” في إيران

18018016/05/2026
"كش ملك في إيران: واشنطن لا تستطيع عكس أو السيطرة على تداعيات خسارة هذه الحرب". هو العنوان الذي اختاره الكاتب والمؤرخ اليميني الأميركي روبرت كاغان لمقالته التي نشرت في مجلة "أتلانتيك" الأميركية، علماً أن كاغان من المُصنفين في خانة "المحافظين الجدد" ولديه مواقف متطرفة إزاء منطقة الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي. ماذا تضمن المقال؟

“من الصعب التفكير في لحظة تعرضت فيها الولايات المتحدة لهزيمة كاملة في صراع ما؛ هزيمة حاسمة إلى درجة أن الخسارة الاستراتيجية لا يمكن إصلاحها أو تجاهلها. فالخسائر الكارثية التي مُنيت بها الولايات المتحدة في بيرل هاربور والفيلبين وفي أنحاء غرب المحيط الهادئ خلال الأشهر الأولى من الحرب العالمية الثانية جرى عكسها لاحقًا. أما الهزائم في فييتنام وأفغانستان فكانت مكلفة لكنها لم تُلحق ضررًا دائمًا بالموقع الأميركي العام في العالم، لأنها كانت بعيدة عن المسارح الرئيسية للمنافسة الدولية. وحتى الفشل الأولي في العراق جرى التخفيف من أثره عبر تغيير في الاستراتيجية ترك العراق في النهاية مستقرًا نسبيًا وغير مهدد لجيرانه، مع إبقاء الولايات المتحدة القوة المهيمنة في المنطقة.

أما الهزيمة في المواجهة الحالية مع إيران فستكون ذات طبيعة مختلفة تمامًا. لا يمكن إصلاحها ولا تجاهلها. لن يكون هناك عودة إلى الوضع السابق، ولا انتصار أميركياً نهائياً يمحو الضرر أو يتجاوزه. مضيق هرمز لن يكون «مفتوحًا» كما كان في السابق. فمع سيطرة إيران على المضيق، ستبرز لاعبًا رئيسيًا في المنطقة وأحد اللاعبين الأساسيين في العالم. كما ستتعزز أدوار الصين وروسيا، حليفتي إيران، فيما سيتراجع دور الولايات المتحدة بشكل كبير. وبدلًا من إظهار القوة الأميركية كما ادعى أنصار الحرب مرارًا، كشف الصراع عن أميركا غير قادرة على إكمال ما بدأته وغير جديرة بالثقة. وهذا سيطلق سلسلة تفاعلات عالمية فيما يعيد الأصدقاء والخصوم على حد سواء التكيف مع فشل الولايات المتحدة.

يحب الرئيس دونالد ترامب الحديث عمّن «يمتلك الأوراق»، لكن ليس واضحًا ما إذا كانت لديه أوراق رابحة متبقية. فالولايات المتحدة وإسرائيل أمطرتا إيران بقصف مدمر وفعّال طوال 37 يومًا، وقتلتا جزءًا كبيرًا من القيادة الإيرانية ودمّرتا معظم الجيش الإيراني، لكنهما لم تتمكنا من إسقاط النظام أو انتزاع حتى أصغر تنازل منه. والآن تأمل إدارة ترامب أن يحقق حصار الموانئ الإيرانية ما عجزت عنه القوة العسكرية الهائلة. وهذا ممكن نظريًا، لكن نظامًا لم يركع بعد خمسة أسابيع من الهجمات العسكرية المتواصلة من غير المرجح أن ينهار بفعل الضغط الاقتصادي وحده (…). لذلك يدعو بعض أنصار الحرب إلى استئناف الضربات العسكرية، لكنهم لا يشرحون كيف يمكن لجولة جديدة من القصف أن تحقق ما لم تحققه 37 يومًا من القصف. كما أن أي عمل عسكري إضافي سيدفع إيران حتمًا إلى الرد على دول الخليج المجاورة، وليس لدى دعاة الحرب جواب على ذلك أيضًا. لم يوقف ترامب الهجمات على إيران لأنه شعر بالملل، بل لأن إيران بدأت تضرب منشآت النفط والغاز الحيوية في المنطقة.

وجاءت نقطة التحول في 18 آذار/مارس عندما قصفت إسرائيل حقل غاز «جنوب فارس» الإيراني، فردّت إيران بمهاجمة مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي في العالم، ما تسبب بأضرار ستحتاج سنوات لإصلاحها. عندها أعلن ترامب وقفًا للهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية، ثم أعلن وقف إطلاق النار، برغم أن إيران لم تقدم أي تنازل.

إن الحسابات التي دفعت ترامب إلى التراجع قبل شهر ما تزال قائمة. وحتى لو نفّذ تهديده بتدمير «حضارة» إيران عبر مزيد من القصف، فإن الجمهورية الإسلامية ستظل قادرة على إطلاق العديد من الصواريخ والطائرات المسيّرة قبيل سقوط النظام، إذا سقط أصلًا. وعدد قليل فقط من الضربات الناجحة قد يشل البنية التحتية النفطية والغازية في المنطقة لسنوات وربما لعقود، ما سيدخل العالم والولايات المتحدة في أزمة اقتصادية طويلة.

إذا لم يكن هذا «كش ملك»، فهو قريب جدًا منه. ففي الأيام الأخيرة، طلب ترامب بحسب التقارير من أجهزة الاستخبارات الأميركية تقييم عواقب إعلان النصر والانسحاب ببساطة. ولا يمكن لومه على ذلك. فالتعويل على انهيار النظام ليس استراتيجية حقيقية، وبخاصة أن النظام صمد بالفعل أمام ضربات عسكرية واقتصادية متكررة. قد يسقط غدًا، أو بعد ستة أشهر، أو ربما لا يسقط أبدًا. لكن ترامب لا يملك ترف الانتظار طويلًا، في وقت يقترب فيه سعر النفط من 150 أو حتى 200 دولار للبرميل الواحد، وترتفع فيه معدلات التضخم وتبدأ أزمات الغذاء والسلع عالميًا.

من يبادرون إلى دعوة ترامب بخفة إلى أن «ينهي المهمة»، اي أن يواصل الحرب، لا يُقدّرون الكلفة. فإذا لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لخوض حرب برية وبحرية شاملة لإسقاط النظام الإيراني الحالي واحتلال إيران حتى قيام حكومة جديدة؛ وإذا لم تكن مستعدة للمخاطرة بخسارة سفنها الحربية التي ترافق ناقلات النفط عبر مضيق متنازع عليه؛ وإذا لم تكن مستعدة لتحمل الأضرار الطويلة الأمد التي قد تلحق بقدرات المنطقة الإنتاجية نتيجة الرد الإيراني، فإن الانسحاب الآن قد يبدو الخيار الأقل سوءًا.

إقرأ على موقع 180  واشنطن وباريس تتريثان رئاسياً في لبنان.. ولفرنسا ثوابتها السورية

وعليه، فإن هزيمة الولايات المتحدة ليست ممكنة فقط، بل مرجحة. وهذا ما تبدو عليه الهزيمة:

-تبقى إيران مسيطرة على مضيق هرمز. فالافتراض الشائع بأن المضيق سيُعاد فتحه بطريقة أو بأخرى بعد انتهاء الأزمة لا يستند إلى أساس واقعي. إيران ليست مهتمة بالعودة إلى الوضع السابق. كثيرون يتحدثون عن انقسام بين المتشددين والإصلاحيين في طهران، لكن حتى المعتدلين يدركون أن إيران لا تستطيع التخلي عن السيطرة على المضيق مهما كانت الصفقة جيدة.

-الإيرانيون لا يمكنهم الوثوق بأي اتفاق مع ترامب، الذي تفاخر ضمنيًا بتكرار مفاجأة بيرل هاربور عبر موافقته على قتل القيادة الإيرانية خلال المفاوضات. وهم يعلمون أيضًا أن إسرائيل قد تعود إلى الهجوم في أي وقت إذا شعرت بأن مصالحها مهددة.

-مصالح إسرائيل ستكون مهددة بالفعل. وكما أشار العديد من الخبراء، فإن النظام في طهران قد يخرج من الأزمة أقوى مما كان قبل الحرب، بعدما احتفظ بإمكاناته النووية المحتملة، وحصل أيضًا على سلاح أكثر فعالية: القدرة على احتجاز سوق الطاقة العالمي رهينة.

-عندما يتحدث الإيرانيون عن «إعادة فتح» المضيق، فهم يقصدون إبقاءه تحت سيطرتهم. ستتمكن إيران ليس فقط من فرض رسوم عبور، بل أيضًا من تقييد المرور للدول التي تربطها بها علاقات جيدة. وإذا تصرفت دولة بطريقة لا تعجب حكام إيران، فسيكون بإمكانهم معاقبتها عبر إبطاء أو التهديد بإبطاء حركة سفنها التجارية.

-إن القدرة على إغلاق المضيق أو التحكم بحركة السفن فيه أكثر تأثيرًا وفورية من القوة النظرية للبرنامج النووي الإيراني. وستمنح هذه الورقة قادة طهران قدرة على فرض رفع العقوبات وتطبيع العلاقات، وإلا فالعقوبات المضادة جاهزة.

-أما إسرائيل، فقد تجد نفسها أكثر عزلة من أي وقت مضى، فيما تصبح إيران أكثر ثراءً وتعيد تسليح نفسها وتحافظ على خيارها النووي للمستقبل. وقد تجد إسرائيل نفسها عاجزة حتى عن ضرب حلفاء إيران ووكلائها، لأن العالم الذي تصبح فيه إيران مؤثرة في إمدادات الطاقة سيضغط بقوة لمنع أي استفزاز ضد طهران في لبنان أو غزة أو غيرهما.

-الوضع الجديد في المضيق سيؤدي إلى تحولات كبيرة في موازين القوة والنفوذ إقليميًا وعالميًا. ففي المنطقة، ستبدو الولايات المتحدة «نمرًا من ورق»، ما سيدفع دول الخليج وغيرها من الدول العربية إلى التكيف مع إيران.

ولن تكون تلك الدول وحدها. فكل الدول التي تعتمد على طاقة الخليج ستضطر إلى التوصل إلى ترتيبات خاصة مع إيران. فما البديل؟ إذا كانت الولايات المتحدة بأسطولها البحري الضخم عاجزة أو غير راغبة في فتح المضيق، فلن يتمكن أي تحالف آخر أضعف منها من القيام بذلك.

وقد تكون إحدى نتائج هذا التحول انطلاق سباق تسلح بحري عالمي. ففي الماضي، كانت معظم دول العالم، بما فيها الصين، تعتمد على الولايات المتحدة لمنع مثل هذه الأزمات أو معالجتها. أما الآن، فإن الدول الأوروبية والآسيوية المعتمدة على موارد الخليج تجد نفسها عاجزة أمام تهديد فقدان الطاقة الضرورية لاستقرارها الاقتصادي والسياسي.

وسيكون للهزيمة الأميركية في الخليج تداعيات عالمية أوسع. فالعالم بأسره يرى الآن أن بضعة أسابيع فقط من الحرب مع قوة من الدرجة الثانية كانت كافية لاستنزاف مخزون الأسلحة الأميركي إلى مستويات خطيرة، من دون حل سريع لتعويضه. والأسئلة التي يطرحها ذلك حول جاهزية أميركا لصراعات كبرى أخرى قد تدفع أو لا تدفع شي جين بينغ إلى مهاجمة تايوان، أو فلاديمير بوتين إلى تصعيد عدوانه ضد أوروبا، لكنها ستجعل حلفاء الولايات المتحدة في شرق آسيا وأوروبا يشككون في قدرة أميركا على الصمود في أي صراع مستقبلي.

إن التكيف العالمي مع عالم ما بعد الهيمنة الأميركية يتسارع. وما كان يومًا موقعًا أميركيًا مهيمنًا في الخليج ليس سوى أول الضحايا”.

(*) ترجمة بتصرف عن “ذا أتلانتيك

Print Friendly, PDF & Email
180

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  عن حرب باردة لم تنتهِ أبداً