في قلب هذه التحولات، يبرز لبنان بوصفه إحدى أكثر الساحات حساسية في عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي. فبعد عقود طويلة كان خلالها يُنظر إليه باعتباره جزءًا من التوازنات المرتبطة بالصراع الأميركي ـ الإيراني، تتجه المقاربات الدولية والإقليمية تدريجيًا نحو التعامل معه باعتباره ملفًا مستقلًا نسبيًا عن المعادلات الأوسع التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية.
غير أن هذا التحول لا يقتصر على إعادة ترتيب أولويات التفاوض أو إدارة الأزمات، بل يعكس محاولة أعمق لإعادة هندسة البيئة الاستراتيجية التي يتحرك ضمنها لبنان نفسه. ومن هنا لا يعود السؤال مقتصرًا على مستقبل سلاح حزب الله أو طبيعة الترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية، بل يمتد إلى مستقبل موقع لبنان داخل شبكة التوازنات الإقليمية التي أعقبت زلزال السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وفي هذا السياق، تكتسب التصريحات الإسرائيلية الأخيرة أهمية خاصة، ولا سيما تلك التي تتحدث عن أن المفاوضات المباشرة مع لبنان قد تكون طويلة ومعقدة، وأنها ليست بالضرورة الطريق المؤكد إلى نزع سلاح حزب الله، بل قد تؤدي إلى إضعاف علاقته بإيران وفك ارتباطه التدريجي بالمحور الإقليمي الذي ينتمي إليه.
إذا صحّ هذا التقدير، فإن جوهر المفاوضات المطروحة يتجاوز بكثير المسائل العسكرية المباشرة أو الترتيبات الحدودية التقليدية. فالمسألة لا تتعلق فقط بمصير السلاح، بل بإعادة تعريف البيئة السياسية والأمنية والإقليمية التي سمحت لهذا السلاح بالوجود والاستمرار والتراكم والتأثير.
في العلوم السياسية والاستراتيجية الحديثة، لا تُقاس القوة بعدد المقاتلين أو بحجم الترسانة العسكرية فقط، بل أيضًا بالشبكات السياسية والاقتصادية والعقائدية والتحالفية التي تمنح الفاعلين القدرة على الصمود والتأثير. فالسلاح ليس سوى أحد مظاهر القوة، بينما تكمن القوة الحقيقية في البيئة التي تمنحه الشرعية والقدرة على الاستمرار.
ومن هنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة في أي محاولة لإعادة تشكيل المشهد اللبناني.
المستوى الأول يتعلق بالأدوات العسكرية المباشرة.
المستوى الثاني يتعلق بالبيئة السياسية والأمنية الداخلية التي أنتجت هذه الأدوات.
أما المستوى الثالث فيرتبط بشبكة العلاقات الإقليمية والدولية التي تمنح مختلف القوى مصادر إضافية للتأثير والقدرة على المناورة.
وبناءً على ذلك، فإن أي مشروع يستهدف إعادة رسم التوازنات في لبنان لا يقتصر بالضرورة على معالجة البعد العسكري، بل قد يركز بصورة أساسية على إعادة تشكيل البيئة السياسية والاستراتيجية التي تنتج عناصر القوة وتحدد وظائفها.
إعادة هندسة التوازنات
هذا التحول يتقاطع مع توجه أوسع تشهده المنطقة يقوم على فصل الساحات عن بعضها البعض. فخلال العقود الماضية استفادت إيران وحلفاؤها من الربط بين الملفات، حيث كانت الساحة اللبنانية جزءًا من معادلة إقليمية متكاملة تشمل الملف النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية والتوازنات العسكرية في الخليج والعراق وسوريا.
أما اليوم، فتسير المقاربة الأميركية والإسرائيلية في الاتجاه المعاكس، عبر التعامل مع كل ساحة باعتبارها ملفًا مستقلًا يمكن احتواؤه وإدارته بصورة منفصلة عن بقية الأزمات الإقليمية.
بالنسبة إلى إسرائيل، يُشكل هذا التحول مكسبًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. ففصل لبنان عن السياق الإقليمي الأوسع يحدّ من قدرة إيران على استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط في التفاوض الإقليمي، كما يمنح إسرائيل هامشًا أكبر لإدارة الملف اللبناني بمعزل عن التعقيدات المرتبطة بالعلاقات الأميركية الإيرانية.
لكن الإشكالية الأساسية تكمن في أن العلاقات الإقليمية لا تنشأ في الفراغ، ولا تُفكّك بقرارات سياسية أو ضغوط عسكرية فقط. فالتجارب الدولية تظهر أن التحالفات السياسية تتغير عندما تتغير المصالح والبيئات الداخلية التي أوجدتها، لا عندما يُطلب من الأطراف التخلي عنها تحت تأثير القوة أو الضغوط الخارجية.
ومن هنا تبرز إشكالية قانونية وسياسية لا تقل أهمية عن الإشكالية الاستراتيجية.
فالقانون الدولي لا يمنح أي دولة حق إعادة تشكيل التحالفات السياسية أو الخيارات الاستراتيجية لدولة أخرى بالقوة العسكرية أو تحت ضغط الاحتلال أو العمليات العسكرية المستمرة. فسيادة الدول لا تقتصر على حدودها الجغرافية فحسب، بل تشمل أيضًا حقها في اختيار سياساتها وتحالفاتها وفقًا لإرادتها الوطنية ومؤسساتها الدستورية.
وعلى هذا الأساس يصبح السؤال المحوري: هل تدور المفاوضات حول إنهاء نزاع قائم بين دولتين وفق قواعد القانون الدولي، أم أنها تتجاوز ذلك نحو محاولة إعادة هندسة التوازنات السياسية والاستراتيجية داخل لبنان؟
الوقائع المتداولة حتى الآن توحي بوجود تباين واضح في المقاربات.
فالجانب اللبناني يتحدث عن وقف شامل لإطلاق النار والانسحاب من الأراضي المحتلة وعودة النازحين واطلاق الأسرى وإعادة الإعمار واحترام السيادة اللبنانية باعتبارها المدخل الطبيعي لأي تقدم سياسي.
في المقابل، يبدو أن الرؤية الإسرائيلية تتجاوز هذه العناوين إلى محاولة بناء بيئة أمنية وإقليمية جديدة تعتبرها أكثر انسجامًا مع مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى.
هنا تحديدًا تكمن نقطة التحول الأخطر في النقاش. فإذا أصبحت المفاوضات أداة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للبنان، فإنها تخرج من إطار معالجة النزاع الحدودي أو الأمني، لتدخل في إطار إعادة صياغة موازين القوى السياسية في المنطقة.
وعندها لا يعود السؤال متعلقًا فقط بالسلاح أو بالحدود أو بالترتيبات الأمنية، بل بمستقبل القرار اللبناني نفسه وبالموقع الذي سيشغله لبنان داخل النظام الإقليمي الذي يتشكل على أنقاض الحروب الجارية.
وظيفة المفاوضات
عملياً؛ يقف لبنان في قلب معادلة دولية وإقليمية معقدة. فهو يخرج تدريجيًا من معادلات الربط الإقليمي التي حكمت موقعه لعقود، لكنه لم ينجح بعد في بناء قوة داخلية سياسية واقتصادية ومؤسساتية تسمح له بإدارة هذا الانتقال بصورة مستقلة ومستقرة.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إدارة التفاوض مع إسرائيل أو في تحديد مستقبل سلاح حزب الله، بل في منع تحول المفاوضات من مسار يهدف إلى تثبيت السيادة وإنهاء الاعتداءات والاحتلال إلى مسار يسعى إلى إعادة رسم الخيارات الاستراتيجية للبنان تحت ضغط الوقائع العسكرية.
إن المعيار الموضوعي للحكم على هذه المفاوضات لا يتمثل في استمرارها أو توقفها، بل في الإجابة عن سؤال أكثر عمقًا: هل ستنتهي هذه العملية بتعزيز سيادة الدولة اللبنانية واستقلال قرارها الوطني، أم بإعادة إنتاج توازنات فرضتها القوة العسكرية على الأرض؟
فإذا كانت المفاوضات تنطلق من وقف الاعتداءات، وإنهاء الاحتلال، واحترام السيادة اللبنانية، واعتماد القانون الدولي مرجعية موحدة للجميع، فإنها يمكن أن تشكل مدخلًا لبناء استقرار دائم وعادل.
أما إذا تحولت إلى أداة لإعادة هندسة البيئة السياسية والاستراتيجية للبنان، فإنها تصبح جزءًا من إدارة الصراع لا من حله، وجزءًا من إعادة تشكيل الشرق الأوسط أكثر مما هي محاولة لتسوية نزاع قائم.
وعندها لن يكون السؤال الحقيقي متعلقًا بسلاح حزب الله وحده، بل بمستقبل لبنان نفسه، وبقدرته على الحفاظ على سيادته واستقلال قراره الوطني في منطقة تُعاد صياغة خرائطها السياسية والاستراتيجية على وقع الحرب والتفاوض في آن واحد.
