الجنوب اللبناني يتلو المأتم.. لكنه لا يُهزم

شاهدتُ للتو منشوراً لزميل عتيق من رعيل جريدة "السفير". تحت عنوان "نازحيستا"، أعاد جهاد بزي نشر منشور لصبية تُدعى سيلين غندور، تروي فيه رحلتها مع النزوح من خلال مجموعة صور جميلة لها في الخيام. تروي سيلين في منشورها كم خيمة تنقلت بينها، وكيف دبّرت أمورها وغسيل ثيابها، وتفاصيل أخرى من تجربتها مع النزوح، بأسلوب إنستغرامي عصري ورائج وملوّن وجذاب.

بين اقتضاب تعليق جهاد، وغرابة منشور سيلين وفرادته، لا تعرف للوهلة الأولى، بوصفك متلقياً لهذا المحتوى، إن كان الأمر تعاطفاً أم تهكماً. كما لا تعرف إن كان النزوح الـ”Cool” شيئاً ينبغي أن تكرهه أم تحبه.

إنها مسألة معقدة جداً. فالتطبع مع الظلم يصبح هو نفسه جزءاً من مكافحته. والاستمرار في الحياة مقاومة. وإيجاد فسحة لأنسنة تفاصيل الحرب واجبٌ لا بد منه. لكن يمكن أيضاً أن يرى البعض أن هذا النوع من المحتوى يُبسّط معاني الحرب أو يسطّحها. وقد شُنّت بالفعل حملة ضد سيلين ومحتواها، الذي وصفه بعضهم بأنه مجرد ترويج للذات.

أما أنا، فلا أملك حكماً مبرماً بشأن ما إذا كنتُ مع ما تقوم به سيلين أو ضده. إنه موسم الانفصام حيال كثير من الأمور.

ولا أعرف إن كان هذا الانفصام يصيبني وحدي، أم أننا جميعاً في مهب النعيق والزعيق الإعلامي والفوضى والعشوائية من جهة، وبين الحرب والمواجهة والمجازر والسياسة والداخل والجنوب من جهة أخرى، حتى بتنا نجد أنفسنا منفصمين.

***

إذا كنت في الجنوب صباحاً، وعدت إلى بيروت عصراً، ستعاني من الانفصام.

إذا شاهدت على الشاشة أنهم أعلنوا هدنة، ثم نظرت من النافذة فرأيت غارة، ستعاني من الانفصام.

إذا تذكرت ما حدث في مثل هذه الأيام قبل ستة وعشرين عاماً في بلدة الخيام الجنوبية، ورأيت ما آلت إليه الأمور هناك اليوم، فقد تعاني من الانفصام.

في كل تفصيل، وفي كل موقف، وفي كل نبأ، وفي كل صورة، ثمة انفصام.

لقد استهلكنا اللغة، واستهلكنا الصراخ، وعبثاً نحاول الاتفاق على الوقائع. تجري الأمور أمام أعين العالم، ولا يزال الإنكار العام سيد الموقف.

***

مع شرارة “طوفان الأقصى” وبدء موسم التغول الإسرائيلي، لم أكن لأصدق أن البشر قادرون على مواصلة حياتهم بصورة طبيعية في مواجهة هذا “الإجرام المتلفز”.

كيف تشاهد رجلاً يحمل أشلاء طفله في كيس نايلون، ثم تكمل يومك بصورة طبيعية، فتذهب إلى العمل ثم تتسوق وتأكل وتشرب؟

كيف تستيقظ في اليوم التالي على صورة رجل مدمّى يحمل رغيف خبز، أو مئات أو آلاف الأشخاص يحملون الطناجر أمام الأسلاك الشائكة، ثم تخرج إلى حفل عشاء متخم بالطعام والشراب والفذلكات؟

لم يكن الأمر حدثاً عادياً بالنسبة إليّ. غضبت. صرخت. افتعلت مشكلات وتسببت بوجع رأس. أتعبتني تلك المواجهات، لكن لم اُغيّر أسلوبي أبداً.

***

سافرتُ مراراً لأهرب من قلة حيلتي، ومن عجزي وانفصامي. فتعلّمت أكثر عن قوتنا كجيل، وعن غضبتنا الممتدة إلى كل العواصم والجامعات. وجدت متنفساً في التظاهرات الغاضبة في الخارج، من بولونيا الإيطالية إلى لندن، مروراً بجنيف السويسرية وليون الفرنسية وبروكسيل البلجيكية.

في الكوكب كله وجدتُ غضباً شعبياً يشبه غضبي. لم أطلب غضباً موازياً في بيروت. كنتُ أبحث عن صمت البعض وسكوتهم في مواجهة ما يجري بدل أن يكونوا شركاء في التحريض. وبينما كنتُ أتعافى تدريجياً، ثمة سؤال ظل يلاحقني:

هل يمكن أن نستمر في حياتنا، ونحن نستهلك الإبادة الإسرائيلية في فلسطين يومياً كما نستهلك قهوة الصباح؟

كان هذا صراعي في خريف عام 2023. لكنني، خطوة خطوة، مثل أسلافي من “المناضلين”، تطبعت مع الحدث. وتذكرت أن الإبادة الإسرائيلية مستمرة منذ ما قبل أن أولد، وأن وتيرتها المتصاعدة، على فظاعتها، ليست سوى محطة في طريق تغيير حقيقي لا مفر منه، ولو بعد حين.

***

ما إن بدأت أعتاد المشهد نسبياً وأستفيق من صدمتي، حتى حدث ما لم أكن أتخيله، حتى في أسوأ كوابيسي، أنه قد يحدث.

استشهد أبي.

كان “السيد” أبانا جميعاً.

في أسرتي الافتراضية الممتدة في مخيلتي بين طرابلس وزغرتا والكورة وعكار والهرمل وحمص وحلب، وفي تلك المخيلة التي تمتد شرقاً نحو بغداد، ثم تعود إلى جبل عامل، وتمر بالجولان، وتستريح عند طبريا، قبل أن تقفز فوق تلال الزيتون إلى فلسطين، كانت لي أسرة واسعة من المناضلين.

في تلك الأسرة المتخيلة استشهد والدنا في بيروت، في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2024.

استشهد الأمان.

ماذا يحدث عندما يستشهد والدك؟

تكبر فجأة. تتغير. تجزع كثيراً. تنظر حولك إلى بحر الهائمين في الطرق يُولوّلون. تبكي ربما. لكنك، في النهاية، لا تنهار.

ابن الشهيد لا ينهار.

في بلادنا لم أرَ ابن شهيد ينهار، ولا بنت شهيد تستسلم للانكسار. وربما لهذا السبب لم أجزع أبداً كما توقعت أن أجزع مع استشهاد السيد.

لم يُصبني مرض الصمت، ولم أخَفْ على رأسي. تحوّل صراخي إلى حالة، وصرت أسال: ماذا بعد السيد؟ هزيمة أم انكسار؟

انفصام كامل.

آمنت بالمجانين، أولئك الجنوبيين العفويين، أهل التراب والشجر، الذين كانوا دائماً على قدر الإيمان.

من البياضة إلى الخيام، لم يستطع الجيش الجرّار أن يدخل إلى موقع واحد في الجنوب طوال شهرين من القتال العنيف في خريف العام 2024.

ارتدع الوحش نسبياً.

توقفت الحرب، أو هكذا قيل لنا. المهم أننا وصلنا إلى وقف لإطلاق النار، وصار بإمكاننا أن نحج إلى الجنوب ونحتفل بأنه ما زال لنا.

برغم الدمار، هذا جنوبنا.

وبرغم المواجع، ما زال هو هو.

سنعود إلى أنصار لنقرأ الشعر في الأمسيات الصيفية.

سنعود إلى صور لنسبح مع السلاحف ونأنس بالعصافير في دير قانون.

سنعود إلى عيتا في موسم الزعتر، ونحصد العسل من نحل ياطر.

سنعود إلى بنت جبيل، ونتعرف فيها إلى زينب، صديقة الصحافيين.

سنصوّر في كونين صلاة العاشقين.

سنعبر وادي صربين إلى بيت ليف، ونلهو مع أطفالها في الساحة.

سنعود إلى العباسية لنكتشف صوت النعامة في الليل.

سنعود إلى حقول عيترون، وإطلالة مارون، ونمر بطيبة أهل يارون.

كل هذا ما يزال لنا.

وإذا كنا، برغم جبابرة هذا الكون، ما زلنا نملك كل هذا، فنحن لسنا مهزومين.

أبناء الشهيد لا يُهزمون.

***

في الحقيقة، لم تتوقف الحرب. كان العام 2025 صعباً. صار للبنان رئيس جمهورية وحكومة ونصاب سياسي مكتمل لكن الحرب اتخذت شكلاً مختلفاً طوال خمسة عشر شهراً.

صرنا نستهلك خبر المسيّرة المعادية والدم المراق في الطرقات بصورة يومية، حتى بات خبر الجنوب مثل خبر فلسطين، جزءاً من قهوة الصباح.

حتى أن ماكينات إعلامية راحت تبرر الضربات والاغتيالات. فحين يُقتل شاب على طريق الجنوب، نقول لأنفسنا إنه من “الحزب”، وكأن ذلك يجعله منفصلاً عنا، لا يعنينا، أو كأن ذلك يمنح الإسرائيلي حق قتله، بوصفه “كائناً فضائيا”، لا إنساناً من لحم ودم.

يصيب الصاروخ دراجة أو سيارة تمر أنت بجانبها فتسرع الخطى وكأن مشهد الموت على دروب الجنوب صار أكثر من اعتيادي.

تُهدّد “إسرائيل” مقاوماً فيخرج بملء إرادته من بيته ويُقرّر أن يستشهد في العراء حماية لعائلته وأهله. تكرر المشهد مراراً. صار الاستهداف فقط خبراً وصورة في “العواجل”.

***

أيضاً يُقتل الصحافيون، ويستشهد علي نور الدين، فلا يستنكر أحد.

يُقتل الأطفال، وتموت عائلة بكاملها، فلا يستنكر أحد.

يُدمر الإسرائيلي، في ليلة عيد الأضحى عام 2025، تسعة مبانٍ ويهجّر الناس من جديد من الضاحية الجنوبية، فلا يستنكر أحد، ولا يتغير شيء.

يسعى الجنوبيون للتكيف مع واقع النزف اليومي الذي اختبروه طوال عقود ما قبل التحرير.

منهم من فقد بيته فكان لا بد من نزوح داخلي. انتقل الحج يوسف من رشاف إلى عيتيت، وانتقل محمد وعائلته من بيت ليف إلى صور، وانتقلت أم حسن من ياطر إلى الحوش، وانتقل علي إلى طيردبا، وغيرهم كثيرون.

إقرأ على موقع 180  من نحن.. إننا مجرد أمة ملعونة!

كان ذلك نزوحاً قديماً – جديداً.

ومنهم من كان أصلاً نازحاً أيام الاحتلال، لكنه بقي في الجنوب.

ومنهم من لم يفقد بيته، لكنه فقد عزيزاً. عاد إلى منزله، لكنه عاد إنساناً مختلفاً.

مع الشهادة يولد ثأر جديد، ويولد عز جديد.

أب الشهيد يصبح منارة تعبئة في قريته، ويغدو ثباته وفاءً لدم ابنه.

أبو حسن (محمد علي كريم)، المدير الجليل في ياطر، خير مثال على ذلك.

إنه جبل في ياطر، يستند إليه الرجال، كما تستند التلال بعضها إلى بعض في تلك البلدة.

عادت الأنشطة بكل أنواعها إلى بلدات الجنوب ومدنه.

وعادت شريحة واسعة من الشباب إلى افتتاح محالها ومصالحها.

أعادت إعمار نفسها أولاً، فأعادت الحياة إلى الناس.

ومن الأمثلة على ذلك أن يعود مطعم زاهر في الحوش، بأهله وناسه، بعد تدمير مبناه بالكامل، ويفتتح فرعه من جديد في مبنى مقابل.

وأن تعود مراكب الصيادين إلى القليلة والناقورة.

وأن تعود مواسم الأعراس والإفطارات والندوات إلى استراحة صور.

كان عام 2025 عام التعود والترقب في آن واحد.

كان الجميع يعلم أن جولة جديدة قادمة.

لم تغادر المسيّرات سماء الجنوب، ولا سماء بيروت.

وكانت أي حركة قرب الحدود عرضة للاعتداءات الإسرائيلية.

كلما اقتربت جرافة لترميم منزل أو طريق، قُتل سائقها.

أُسر الرعاة والصيادون.

وقُتل العمال والمزارعون.

واجتِيحت التلال والبساتين.

وفي ظل “الهدنة”، توسعت الهيمنة البرية الإسرائيلية.

ما عجزوا عن تثبيته في الحرب في راميا، حققوه في السلم.

وما قاتل لأجله الشهيد ياسر غرابي، الذي حمل جبل بلاط على كتفيه في شبابه، وصمد صموداً أسطورياً في بطن الجبل من دون أن يستسلم، حقّقه الإسرائيلي في الساعات الأولى من “الهدنة”.

خرج الشهيد من النفق.

اغتالته إسرائيل.

وبعد أيام قليلة، بدأ التمدد الإسرائيلي على الجبل، فيما كان الجيش اللبناني عاجزاً عن الرد.

في عيتا، بقي الناس برغم الكر والفر، ليلاً ونهاراً.

وأقاموا حلقات الدبكة، وانتخبوا مجالسهم البلدية الجديدة.

كل ذلك حدث في الجنوب خلال عام 2025.

وكان كل ذلك يحدث فيما كنا نعيش الانفصام نفسه.

ففي أي لحظة كان يمكن أن تبدأ حرب جديدة، أشد وأكثر أعنفاً.

ومع ذلك، وفي ظل هذا المشهد الدرامي الجديد، اختتم الجنوب عامه محتفياً بالحياة.

عادت الحياة إلى المدارس والحقول والأرزاق.

وكان الجنوب يدفن شهيداً كل يوم.

وهكذا دخلنا النفق الصعب.

***

النفق الصعب كان امتداداً بين 2025 و2026. أرادوا للجيش اللبناني أن “يُنظّف” جنوب النهر من السلاح. انتظر الجنوبيون من دولتهم خطاب احتضان طوال خمسة عشر شهراً، لكن روح الانتقام تفوقت على ما عداها. تصرف كثيرون على قاعدة أن ما كُتبّ قد كُتب. المقاومة هزمت ولن تقوم قيامتها.

سلوك انتقامي ميّز تعامل السلطة والعديد من القوى السياسية الداخلية. انفصام سياسي. يريدون للدولة أن تحل محل المقاومة. كيف يستوي ذلك من دون فعل الاحتضان أو الحماية؟

في الثاني من آذار/مارس 2026، عادت الحرب بتوحش وتغول غير مسبوقين.

سأتوقف عند مقطع نشره “الإعلام الحربي” لمقاوم شاب ينتعل حذاءً من نوع “كروكس”، يسير ضاحكاً إلى جانب جرافة إسرائيلية مدمرة في بلدة حداثا. في الفيديو يقول: “لن يبقى لكم دبابات ولا جرافات. فينا نكفيها عن سماحة السيد… ولا جرافات”.

كان سماحة السيد، في آخر خطاب له قبل استشهاده، قد قال للإسرائيلي: “حدّك الأقصى ما هو؟ الدخول البري؟ تعال. بيننا وبينك الأيام والليالي والأسابيع وربما السنوات”.

يستشهد كثيرون، ويمضي الإسرائيلي قتلاً وتدميراً، لكن زميلاً مصوراً من النبطية، نسف الاحتلال الإسرائيلي منزله في الجنوب ومنزله في الضاحية، قال لي يوماً:

“في كربلاء استشهد الجميع”.

عبارة قصيرة ومكثفة. واحدة من العبارات الكثيرة التي رسّخها سماحة السيد الشهيد في الوعي العام. علّمنا أن استشهاد الأسرة كلها قد يكون ثمناً يدفعه الثائرون، اقتداءً بالإمام الحسين الذي ثار على الظلم واستشهد مع أهل بيته وأصحابه، لكن ثورته لم تمت بموته، بل استمرت من بعده، وحملها أبناؤه وأحفاده جيلاً بعد جيل، حتى تحولت إلى مدرسة فكرية وإنسانية كبرى امتدت عبر القرون.

وبهذا المعنى بالذات، استطاعت مدرسة الحسين، كما تجلت في تجربة السيد نصرالله، أن تعيد إحياء جانب مقدس من فكرة القتال والتضحية، وأن تجذب الشباب، وأن تفرض احترامها على العدو والصديق.

وها نحن اليوم، نعود إلى العبارة نفسها:

“في كربلاء استشهد الجميع”.

وإذا أردنا أن نكملها، كما كان السيد يفعل، نقول:

“لكن ثورة الحسين انتصرت”.

في لبنان اليوم، وفي كثير من الأحيان، تؤدي الضربات الإسرائيلية المستمرة إلى إبادة عائلات بأكملها.

في الجنوب، يكاد الجميع يكون مشروع شهادة.

استشهد ابن شهناز بعد زوجها.

ودُمّر منزل أبو حسن المدير بعدما أعاد بناءه.

نُسفت قرى بأكملها، من يارون وبيت ليف وعيتا إلى بنت جبيل وحداثا وعيناتا وعيترون وميس الجبل وبليدا والعديسة وكفركلا والخيام.

ارتُكبت المجازر.

قُتل علي شعيب، وفاطمة فتوني وأخوها محمد.

وقُتل أحمد الحريري.

وفي كل يوم ترتكب مجزرة جديدة.

ويُقتل المسعفون بالعشرات ومثلهم الأطباء ورجال الدفاع المدني وشهداء الجيش وأمن الدولة.

وتُمنع فرق الإنقاذ من الوصول. هذا ما حصل مع الزميلة والصديقة الشهيدة آمال خليل.

هناك قرى قدّمت نصف شبابها شهداء.

من صور إلى بنت جبيل، إلى النبطية، إلى الإقليم.

الجنوب يتلو المأتم.

لكنه يستحيل أن يُهزم.

وأثناء كتابة هذا المقال، وصلني خبر استشهاد ابن أخت أبو حسن المدير في ياطر.

كانت زوجته وأبناؤه قد استشهدوا سابقاً في مجزرة دير قانون.

وله شقيقان، كلاهما استشهد قبله.

وهنا تعود متلازمة الانفصام.

لست أفضل من غيري.

لقد اعتدت أنا أيضاً هذا المشهد.

صار خبراً نستهلكه كل يوم.

نعزّي بالمصيبة، ثم ندوس على الموت ونمضي.

نعود إلى ذلك الانفصام الذي يحق لنا أن نعاني منه، وربما علينا أن نعترف به كي نتعافى.

فالنزوح “الكول” لا يلغي أنه نزوح.

والنزوح أصلاً لا يحتاج إلى إذن، ولا إلى تعريف، ولا إلى شكل محدد.

مزركشة هي أشكال النزوح، مثلما هي البلاد نفسها.

فالنازحون، عملياً، هم البلاد.

مناطق كاملة دُمّرت.

مدن وبلدات وضاحية بأكملها انتشرت في بقية لبنان.

منهم من يقيم في المدارس.

ومنهم من يسكن الشقق.

ومنهم من لجأ إلى الفنادق.

ومنهم من يقيم في القصور.

ومنهم من يعيش في الشوارع.

منهم من يحب الحزب.

ومنهم من يحب الحركة.

ومنهم من يكره الاثنين معاً.

منهم من يرتدي المايوه.

ومنهم من يرتدي الشادور.

ومن الطبيعي أن نعاني جميعاً من هذا الانفصام.

حتى هؤلاء النازحون أنفسهم يعيشونه.

فهم عالقون بين أهوال ما يحدث وجبروت الحرب، وبين حقيقة يعرفونها جيداً:

أنهم عائدون.

عائدون مرفوعي الرأس.

وباختلافاتهم كلها، وبكل انكساراتهم وأحزانهم، يجتمعون على هذا اليقين.

ربما لأنها ليست المرة الأولى.

وربما لأنها ستكون الأخيرة.

وربما لأنهم يثقون بأنفسهم وبشبابهم.

وربما، ببساطة، لأنهم أبناء السيد.

وأبناء الشهيد لا يُهزمون.

ولأنهم كذلك، لم يعد القتال يُختصر، بالنسبة إليهم، برجل واحد.

الأهم أن رمزية هذا الرجل، وفكره، وروحه، ستبقى مدخلاً أساسياً لفهم الجنوب ولبنان والمقاومة.

Print Friendly, PDF & Email
غدي فرنسيس

صحافية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  فرص إسرائيل المتوسطية 2022: المغرب وتركيا ولبنان...