الحربُ كمدرسةٍ في القرن الـ21

من كان يتوقّع أن إسرائيل ستعاني من مسيّرات حزب الله في جنوب لبنان، وبخاصة تلك التي تستعمل الألياف الضوئيّة (FPV)، ومن قال إنه لا حلّ إسرائيلياً جاهزاً حالياً لهذه المسيّرات، أي في الدولة التي يُطلق عليها دولة "الشركات التكنولوجية الناشئة"؟ ألم تُصدّر إسرائيل أسلحة متطوّرة في العام 2024 بقيمة نحو 15 مليار دولار، ومن ضمنها المُسيّرات الحربيّة؟

تسعى العديد من دول العالم، وبخاصة في أوروبا، إلى استيراد السلاح الحديث من إسرائيل، لأنه سلاحٌ مُجربٌّ فعليّاً على مسرح حروبها المُستدامة. وهنا لا بد من التذكير بأن إسرائيل استعملت في سهل البقاع اللبناني عام 1982 سلاح المسيّرات ضد الصواريخ السوريّة آنذاك (السوفياتية الصنع) في عملية خداع إلكتروني هدفها تفعيل الرادارات والهاء المنظومة كي تُستهدف بعدها من قبل الطيران الحربيّ. وبذلك، يُمكن القول إنها كانت الأولى في إرساء ركائز حرب المسيّرات في الحروب الحديثة.

لم تستطع التكنولوجيا الحديثة حسم الحرب في أوكرانيا، كما في منطقة الخليج. وحسب مقال نُشِرَ مؤخراً في مجلة “الإيكونوميست” فإن الأسلحة الحديثة، من بنادق وقنابل، كانت قد قتلت 750 ألف نسمة بين 2021 و2024، وفي المجلة نفسها، نُشرت ورقة مهمّة حول حروب اليوم، ومنها نستنتج أن الحروب في القرن الـ 21 أصبحت “سهلة البدء.. صعبة الإنهاء“.

وقد أدّت الاكتشافات الحديثة إلى ضرب أسس العلاقات بين البشر كما بين الدول. غيّرت التكنولوجيا وسرعة التواصل قواعد العلاقات الدوليّة (IR). فعلى سبيل المثال، كان يستلزم الخبر (News) في بدايات القرن التاسع عشر كي يصل من أميركا إلى أوروبا مدّة تتراوح بين 3 إلى 6 أسابيع. وعليه، كان لدى مُتّخذي القرار الوقت الكافي لتلقف الخبر، الاستيعاب، التشاور واتخاذ القرار وخاصة فيما يخصّ الحروب. أما اليوم، فإن الزمن أصبح مضغوطاً، الأمر الذي غيّر وعي الانسان نظراً لعلاقة الوقت بالمسافة، (المسافة = السرعة x الوقت). حالياً، يدير الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحرب، كما العلاقات الخارجيّة، عبر منصّته الخاصة “تروث سوشيل”، وبشفافيّة مطلقة، الأمر الذي يُعيدنا إلى ما قاله المفكّر الاستراتيجي الانكليزي الكبير مايكل هاورد: “إن ضغط الزمن، هو التحوّل الأهم بين حروب القرن التاسع عشر، وحروب القرن العشرين”. فماذا عن الوقت المضغوط وعلاقته في حروب القرن الحادي والعشرين؟ وإذا كان التقدّم العلمي يُقصّر المسافة، ويأكل الوقت. فلا بد من أن تتأثّر الحروب ووسائلها بالمعايير نفسها.

ولا يعتقد العالم الكندي مرلين دونالد، وهو عالم نفس تجريبي، لغوي (Cognitive)، أن سرّ تفوّق الانسان يعود إلى اللغة والتكنولوجيا فقط. لا بل إلى قدرة الانسان على التقليد الواعي (Mimic)، واعادة تمثيل الخبرة، ما يسمح بتراكم الثقافة والمعرفة. بكلام آخر، يأخذ-يُقلّد الانسان ما هو ناجح لدى الانسان الآخر، فيعتمده لكن بعد تعديله (Customize)، ومن ثم أقلمته مع محيطه ليكون فعّالاً. يندرج هذا الوضع أكثر ما يندرج على الحرب وأسلحتها. هذا ما يُطلق عليه “دمقرطة وسائل الحرب الحديثة”.

في فلسفة الدروس المُستقاة

يُركّز معظم المفكّرين العسكريين على حتميّة الاستفادة من الدروس المُستقاة من أيّة حرب. والمقصود هو التعرّف عبر مدرسة تجربة الحرب على نقاط الضعف، النواقص، وبالتالي دراستها وادخالها في العقيدة العسكريّة، (Doctrinal Shift). لكن المفارقة تكمن في المعادلة التالية: إذا أخذنا الدروس المستقاة، وأدخلنا التعديل في العقيدة القتالية استعداداً للحرب القادمة، وقام العدو بالفعل نفسه؛ ألا نكون أمام أمر جديد غير مُجرّب وغير مألوف ومختلف عما قبله؟ وهل ستؤدّي الاستفادة من الدروس إلى النصر؟

ومن ضمن هذه المقاربة، هل يُمكن القول إن أخذ الدروس يعني عدم الخسارة؟ هل هذا ممكن؟ أم أن الحرب هي مدرسة مُستدامة، تؤخذ منها الدروس للتطبيق في الحروب المستقبلية والتي بدورها تنتج دروساً جديدة؟ ألم يأخذ الفرنسيون الدروس من الحرب العالمية الأولى فبنوا “خط ماجينو” الدفاعيّ، معتبرين أن الحرب المقبلة ستكون دفاعيّة؟ وفي الوقت نفسه، ألم يأخذ الألمان الدروس من الحرب الأولى فبنوا قوّة هجوم ومناورة استناداً إلى مبدأ الحرب الخاطفة (Blitzkrieg)، والتي أدت إلى سقوط “خطّ ماجينو”، وبالتالي سقوط فرنسا واحتلال العاصمة باريس؟

من هنا يُمكن القول، حسب بعض الخبراء الاستراتيجيّين، إن الحرب تُعلّم كل المتقاتلين في الوقت نفسه. لكنهم لا يتعلّمون بالسرعة نفسها. في هذا الإطار، يقول المفكّر الفرنسي ريجيس دوبريه: “الأفكار تُسيِّر العالم“. وعليه، يُمكن القول إن التكنولوجيا الحديثة متوفّرة بكثرة في أسواق العالم وتوفّر فرصة نادرة لمن يستفيد منها. والحروب الحالية أصبحت شفّافة تُنقل عبر الأثير حتى إلى غرف النوم. لكن المهم من يستفيد منها ويعتمد أفكاراً جديدة ومبتكرة.

ويعتبر البعض أن العالم الانكليزي آلان تورينغ، الذي فك رموز آلة التشفير الألمانية “انيغما”، (Enigma)، هو أب الذكاء الاصطناعي الذي نعايشه اليوم. كانت “انيغما” في خدمة الحرب، لكنها أنتجت الذكاء الاصطناعي في نسخة جديدة للقرن الـ 21، ليستكمل آلة القتل، ومن ثم نشهد سباقاً كونيّاً، للهيمنة على هذا الذكاء وعلى وسائل صنعه. من هنا جاء قول الكاتب بول شار إن الصراع المستقبلي على الذكاء الاصطناعي سيتحدّد من خلال أربعة أبعاد هي: الداتا، سرعة الحوسبة، المواهب وسياسات الدول المتعلّقة بهذا المجال، كما الاستثمارات.

الدروس المُستدامة مع الحروب

يُقال (تهكّماً) عن العسكر إنهم دائماً يُحاربون من ضمن عقلية الحرب القديمة. لكن الدراسات الاستراتيجيّة الفعليّة تقوم وترتكز على مفهوم “المنافسة المستمرّة على التعلّم”، (Constant Learning Competition). يُنسب مفهوم الثورة في الشؤون العسكريّة (RMA) إلى رئيس أركان الجيش السوفياتيّ نيكولاي أورغاكوف. تُعرّف الثورة في الشؤون العسكرية على أنها: “حصول تغيير جذري في طريقة خوض الحرب، بسبب ابتكار تكنولوجيا جديدة فعّالة وقادرة على ضرب كل أسس العقائد العسكرية التي كانت قائمة”. ولتوضيح الفكرة، ترتكز العقيدة العسكرية على الأسس التالية: “تنظيم القوى، تسليحها وتدريبها، كي تكون قادرة على هزيمة العدو”.

إقرأ على موقع 180  مناورات القوة الناعمة في أوروبا.. "حاصِر حصارَكَ.. لا مفرُّ"

في حروب اليوم، هناك ثورات في الشؤون العسكريّة بصورة مُستدامة لا تتعدّى دورتها الزمنيّة الأشهر، بعد أن كانت تُقاس بالسنين. يُعزى هذا الأمر إلى الابتكارات اليوميّة السريعة النمط، ذات الاستعمال المزدوج. كما إلى دخول القطاع الخاص إلى اللعبة الجيوسياسيّة بسبب هيمنته على الداتا، الحوسبة، كما على القدرة الكبيرة على كتابة الخوارزميّات.

وإذا كان العسكر يسعى دائماً إلى حرب خوض المستقبل وليس الماضي. فإن حقيقة وطبيعة الحرب اليوم وما تفرزه من “اللامتوقّع” ستكون عبئاً على القيادات العسكريّة، وأكثر على القاعدة اللوجستيّة وبالطبع على القيادات السياسية.

لقد خاضت بريطانيا “حرب الماتابيلي” عام 1893 (Matabele) في جنوب إفريقيا بتفوّق ناريّ غزير. تظهّرت نتائجها في الحرب العالمية الأولى عبر “حرب الخنادق”، في الوقت الذي حُيّدَ فيه سلاح الخيّالة. أفرزت “حرب الخنادق” الدبابة والمناورة في الحرب العالمية الثانية. عادت “حرب الخنادق” مجدداً في القرن الـ 21 في حرب روسيا على أوكرانيا. هذه الحرب أنتجت المُسيّرة التي عوّضت عن المدفعيّة والنقص في العديد في أوكرانيا. وفي الإطار نفسه، سحبت أوكرانيا أحدث الدبابات الاميركيّة من الجبهة (M1A1) “أبرامز” لأنها لم تصمد أمام المُسيّرات الروسيّة، الأمر الذي قد يؤشّر إلى بدء عصر الأسلحة ذاتية الحركة، (Autonomous).

كذلك الأمر، حرمت المسيّرات الاوكرانيّة الأسطول الروسي من حريّة العمل في البحر الأسود والذي يعود تاريخ تأسيسه إلى زمن القيصرة كاترين الكبرى. فكان لها سلاح بحريّ عبر المنع (Denial). وفي نفس الإطار، تردّدت أميركا في تسليم صواريخ “توماهوك” لأوكرانيا لعدم اغضاب الكرملين. فما كان من الصناعة العسكرية الأوكرانية إلا أن أعادت إحياء صاروخ كروز “فلامنغو”. ويبلغ مدى هذا الصاروخ حوالي 3000 كلم، مع رأس حربي متفجّر يزن حوالي 1150 كلغ.

الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري

ويتّفق كل من كريس بروز في مقابلة له في جريدة “نيويورك تايمز”، وراج شاه في مقال نشرته الجريدة نفسها، على أن الولايات المتحدة ليست جاهزة لحروب القرن الحادي والعشرين. وعلى أن البنتاغون ما يزال يعتمد على الوسائل التي تخطاها الزمن، والتي بدأت الوسائل الفرط-صوتيّة كالصواريخ مثلاً، بالإضافة إلى الأسلحة ذاتية الحركة والتي تعتمد على الذكاء الاصطناعيّ تتفوّق عليها بسهولة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، وحسب راج شاه، انتجت الصناعة العسكرية الأميركية طائرة من الجيل الخامس، إف 35، التي من المفروض أن تكون حاسوباً طائراً. ليتبيّن بعدها أن قدرة الحوسبة فيها (Computing) ليست أفضل من قدرة الحوسبة في أغلب الهواتف الخلويّة. تُقدّر كلفة كل طائرة حوالي 100 مليون دولار.

تتباهى الولايات المتحدة بأنها تهيمن على المحيطات والبحار في العالم، كونها تملك 11 حاملة طائرات، تحمل كل واحدة منها على متنها حوالي 90 طائرة بين طوافة وطائرة مقاتلة نفاثة. لكن ماذا عن الابتكار الجديد تحت مُسمّى “السفينة الأم“، (Mothership)؟

“السفينة الأم” الجويّة، تحمل مئات المُسيّرات التي تستعمل الذكاء الاصطناعيّ، وغير القابلة للتشويش، ولا يمكن لأي جهاز دفاع جوّي التعامل معها. تُبرمج على أهداف مُتعدّدة أو هدف كبير مثل حاملة الطائرات، بحيث لا تصطدم ببعضها البعض، كما حال رف الطيور. تُحمّل هذه المسيّرات كميات قليلة من المتفجرات. يُشكّل مجموع وزن المتفجّرات كمية كافية لتدمير أو تحييد الهدف. ينطبق المبدأ نفسه على السفينة الأم البحريّة لكنها تعمل في المياه. فهل سنشهد أيضاً “الغواصة الأم”؟

لقد أثبتت الحروب الحالية، وأهمها الحرب على إيران، أن نمط الاستهلاك للأسلحة والذخيرة وبخاصة الأميركيّة هو كبير جدا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، استهلكت أميركا حوالي 1000 صاروخ “توماهوك”، من أصل 3100 صاروخ في المخازن. تبلغ كلفة كل صاروخ 2.6 مليون دولار. لكن الأخطر هو المدة اللازمة للتعويض والتي تُقدّر بحوالي 47 شهراً.

في الختام، لم تتغيّر صفات الحرب وطبيعتها بشكل عام. فهي تُخاض لأهداف سياسيّة بحتة. لكن المُتغيّر فيها هو خصائص هذه الحرب. لذلك ستكون الثورة التكنولوجيّة التي نعيشها حالياً هي التحوّل الأكبر في تاريخ البشريّة، فقط لأنها بدأت تُبشّر بملامح تخلّي الانسان عن إدارة الحرب لصالح ما قد يأتي به الذكاء الاصطناعيّ، وبخاصة إذا وصل هذا الذكاء، حسب العالم راي كورتزويل، إلى نقطة يسميّها “نقطة التفرّد”، (Singularity). في هذه النقطة، سيتجاوز الذكاء الاصطناعي الذكاء البشريّ.

Print Friendly, PDF & Email
الياس طنّوس حنّا

عميد ركن متقاعد، استاذ جامعي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  سردية المقاومة تتشكّل في ميدان 7 أكتوبر