إيران ولبنان يختبران العلاقات الأميركية-الإسرائيلية

تشهد العلاقة الأميركية–الإسرائيلية في المرحلة الراهنة مستوى غير مألوف من التوترات السياسية والتجاذبات العلنية، خصوصًا على خلفية التطورات المتسارعة في الملفين الإيراني واللبناني. فعلى الرغم من متانة التحالف بين الطرفين واستمراره بوصفه أحد أكثر التحالفات رسوخًا في النظام الدولي، فإن الوقائع الأخيرة أظهرت اتساع مساحات الخلاف حول إدارة الأزمات الإقليمية وحدود السلوك الإسرائيلي المقبول أميركيًا.

لا يمكن فهم التوترات المتزايدة بين واشنطن وتل أبيب من خلال الوقائع اليومية وحدها، إذ تأتي في سياق تحولات أوسع تشهدها البيئة السياسية والاجتماعية الأميركية منذ سنوات. فقد تراجع الإجماع التقليدي حول الكيان الصهيوني المؤقّت داخل بعض الأوساط الحزبية والشعبية الأميركية، وازدادت نزعة ربط الدعم الخارجي بالمصلحة الأميركية المباشرة، كما برزت أولويات استراتيجية جديدة دفعت الإدارات الأميركية إلى إعادة النظر في إدارة تحالفاتها الإقليمية. وفي ظلّ هذه التحولات، لم تعد العلاقة الأميركية–الإسرائيلية تتحرك ضمن المسلّمات التي حكمتها لعقود، بل باتت تخضع لاختبارات متزايدة تكشف حدود التوافق ومجالات التعارض بين الطرفين.

في هذا السياق، يُمكن القول إن العلاقة الأميركية–الإسرائيلية ليست علاقة تبعية أو هيمنة أحادية بقدر ما تمثل منظومة تفاعلية يمتلك فيها كل طرف أدوات مختلفة للتأثير في الطرف الآخر. فالولايات المتحدة تملك قدرة الإلزام بحكم ما توفّره من دعم سياسي وعسكري ومالي، بينما يملك الكيان قدرة التأثير عبر شبكات النفوذ والعلاقات السياسية وموقعها داخل معادلات الشرق الأوسط. ومن هنا، تسعى هذه المقالة إلى تفكيك آليات التفاعل بين الطرفين، قبل الانتقال إلى قراءة تمظهرات تعارض المصالح في الملفين الإيراني واللبناني بوصفهما الساحة الأكثر وضوحًا لاختبار حدود العلاقة وقواعدها في المرحلة الراهنة.

آليات التفاعل الأميركية–الإسرائيلية

لا تقوم العلاقة الأميركية–الإسرائيلية على التبعية المطلقة أو على قدرة أحد الطرفين على فرض إرادته بصورة كاملة على الآخر، بل على تفاعل مستمر بين أدوات تأثير مختلفة يمتلكها كل منهما. فالكيان يستند إلى شبكة واسعة من أدوات النفوذ داخل الولايات المتحدة، تشمل اللوبيات المؤيدة لها، والعلاقات السياسية والانتخابية، وقدرتها على التأثير في النقاشات المرتبطة بقضايا الشرق الأوسط. وفي المقابل، تمتلك واشنطن أدوات أكثر مباشرة بحكم سيطرتها على الموارد العسكرية والمالية والديبلوماسية التي يحتاجها الكيان للحفاظ على تفوقه الإقليمي.

وقد ظهر هذا التفاعل بوضوح خلال الحربين على إيران في حزيران/يونيو 2025 وشباط/فبراير 2026، حيث وفّرت واشنطن الغطاء السياسي والعسكري اللازم للعمليات الإسرائيلية، لكنها احتفظت في الوقت نفسه بحق رسم السقوف والحدود الخاصة بالتصعيد. كما برزت خلال المرحلة الأخيرة مؤشرات متزايدة على استخدام الإدارة الأميركية أدوات الضغط المباشر، سواء من خلال التوبيخ العلني لنتنياهو أو عبر محاولات ضبط السلوك الإسرائيلي في ملفات غزة ولبنان وسوريا، وصولًا إلى التلويح باستخدام أدوات أكثر مباشرة، من قبيل تأخير شحنات السلاح أو ربط بعض أشكال الدعم بسلوك الحكومة الإسرائيلية.

ولا يقتصر الطابع التفاعلي للعلاقة الأميركية–الإسرائيلية على امتلاك كل طرف أدوات تأثير مختلفة، بل يظهر أيضًا في قدرة كل منهما على تعديل سلوك الطرف الآخر أو محاولة إعادة توجيهه. فمن جهة، نجح الكيان خلال مراحل مختلفة من الصراع الإقليمي في دفع الولايات المتحدة نحو تبني سياسات أكثر تشددًا تجاه خصومها، مستفيدة من شبكة نفوذها السياسية والإعلامية ومن قدرتها على تقديم نفسها شريكًا أساسيًا في إدارة ملفات الشرق الأوسط. وقد ظهر ذلك في الدعم العسكري والسياسي الأميركي الواسع خلال المواجهات مع إيران، وفي استمرار التزام واشنطن بالحفاظ على التفوق النوعي الإسرائيلي برغم الخلافات القائمة بين الطرفين.

ومن جهة أخرى، أظهرت الوقائع أن الولايات المتحدة تحتفظ بقدرة ملموسة على توجيه السلوك الإسرائيلي عندما ترى أن هذا السلوك يتعارض مع أولوياتها الاستراتيجية. فقد مارست إدارة ترامب ضغوطًا متكررة على حكومة نتنياهو في ملفات غزة ولبنان وسوريا، ووصل الأمر إلى توجيه انتقادات علنية ورسم حدود لبعض الخيارات العسكرية والسياسية.

وتكشف طبيعة الخلافات الأخيرة بدورها عن استمرار التفاعل المتبادل بين الطرفين. فتعليق الليكود حملته التي ركزت على العلاقة الشخصية بين نتنياهو وترامب، وحرص نتنياهو المتكرر على تأكيد أهمية الحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة، يعكسان إدراكًا إسرائيليًا لحدود القدرة على تحدي الإرادة الأميركية. وفي المقابل، فإن حرص كبار المسؤولين الأميركيين على التأكيد المستمر على دعم الكيان وأمنه، حتى في ذروة الخلافات، يعكس إدراكًا أميركيًا لأهمية الشريك الإسرائيلي وصعوبة تجاهل مصالحه وأمنه القومي.

وعليه، فإن العلاقة بين الطرفين لا تبدو علاقة هيمنة كاملة من جانب واشنطن، ولا علاقة نفوذ إسرائيلي مطلق داخل الولايات المتحدة، بل علاقة تفاعلية يتحرك فيها كل طرف ضمن حدود قدرة الطرف الآخر على التأثير والضغط. فواشنطن تستطيع الإلزام، لكنها لا تستطيع تجاهل الكيان، والأخير يستطيع التأثير، لكنه لا يستطيع الاستغناء عن الولايات المتحدة. ومن خلال هذا التوازن المتحرك تنشأ الدينامية التي تحكم العلاقة بينهما.

غير أن أهمية هذه الدينامية لا تكمن في وجودها بحد ذاته، بل في كيفية انعكاسها على إدارة الأزمات والملفات الإقليمية. فالعلاقة الأميركية–الإسرائيلية لا تُختبر في الظروف العادية بقدر ما تُختبر في لحظات تعارض المصالح وتباين الأولويات. ومن هذا المنطلق، تشكل تطورات عام 2026، ولا سيما في الساحتين الإيرانية واللبنانية، نموذجًا مناسبًا لفهم حدود التأثير المتبادل بين الطرفين وكيفية توظيف كل منهما لأدوات القوة المتاحة له في توجيه سلوك الطرف الآخر.

إيران ولبنان: تمظهرات تعارض المصالح

كشفت تطورات عام 2026 عن اتساع الفجوة بين الأولويات الأميركية والإسرائيلية، وخصوصًا في الملفين الإيراني واللبناني. فقد شكل رفض الولايات المتحدة إطلاع الكيان على مذكرة التفاهم مع إيران، برغم الطلب الإسرائيلي الرسمي، مؤشرًا غير مألوف على تراجع مستوى التنسيق في قضية تعتبرها تل أبيب مرتبطة مباشرة بأمنها القومي. كما ترافق ذلك مع مؤشرات على تراجع الرهان الإسرائيلي على العلاقة الشخصية بين نتنياهو وترامب، بالتوازي مع تزايد التقارير الأميركية والإسرائيلية التي صوّرت نتنياهو بوصفه الطرف الأكثر اندفاعًا نحو الخيارات العسكرية.

إقرأ على موقع 180  إيران.. وحرب عض الأصابع

إلا أن جوهر الخلاف لا يبدو مرتبطًا بتقدير التهديدات التي تستهدف أمن الدولتين، بقدر ما يرتبط بكيفية إدارتها. فالطرفان يتفقان على خطورة التحديات الإقليمية، لكنهما يختلفان حول حدود استخدام القوة وأولويات المرحلة التالية للحرب. ففي حين سعت واشنطن إلى تثبيت تفاهمات سياسية وأمنية أوسع مع إيران ومنع أي تطورات قد تعيد إشعال المواجهة، نظر الكيان إلى هذه التفاهمات من زاوية تأثيرها على حرية عمله العسكري وقدرته الردعية في الساحات المحيطة.

وتجلى التباين بصورة أوضح في الساحة اللبنانية. فقد كشفت التسريبات الإسرائيلية عن ضغوط أميركية متزايدة لدفع إسرائيل نحو القبول بوقف النار مع حزب الله وتقليص النشاط العسكري الذي قد يهدد التفاهمات مع إيران. وتكتسب هذه الضغوط أهمية خاصة لأنها لا تعكس مجرد خلاف ميداني حول لبنان، بل ترتبط بمحاولة أميركية أوسع لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية بما يتوافق مع أولوياتها الاستراتيجية الجديدة.

كما تكشف التطورات الأخيرة عن تحول ملحوظ في طبيعة الضغط الأميركي نفسه. فبعد سنوات طويلة اقتصر فيها التأثير الأميركي على النصح أو الاعتراض السياسي أو إدارة الخلافات خلف الأبواب المغلقة، بدأت تظهر مؤشرات على استعداد واشنطن لاستخدام أدوات أكثر مباشرة، من خلال التلويح بتأخير شحنات السلاح أو اتخاذ إجراءات تمس أحد أهم مصادر القوة الإسرائيلية. وحتى لو لم تُترجم هذه التهديدات عمليًا، فإن مجرد طرحها يعكس انتقال العلاقة إلى مرحلة أكثر حساسية ترتفع فيها كلفة تجاهل الأولويات الأميركية.

ومن هذا المنظور، تحولت الساحة اللبنانية إلى اختبار عملي مزدوج: لقدرة الكيان على المحافظة على هامش حركته الأمنية والعسكرية، ولقدرة الولايات المتحدة على فرض أولوياتها على حليف لطالما تمتع بدرجة واسعة من الاستقلالية في إدارة الملفات الأمنية. ولذلك لم يعد النقاش يدور فقط حول مستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان أو حول التفاهمات مع إيران، بل حول سؤال أوسع يتعلّق بحدود النفوذ الأميركي وحدود قدرة الكيان على مقاومته.

وفي المقابل، تمسكت تل أبيب بمواقفها، وأكد نتنياهو ومسؤولون مقربون منه رفض التخلي عن ما يعتبرونه متطلبات أمنية مرتبطة بالجبهة الشمالية. وهكذا تحولت الساحتان الإيرانية واللبنانية إلى ساحة قياس للتحولات التي تشهدها العلاقة بين الطرفين، وإلى نموذج واضح لحالة شد الحبال بين إدارة أميركية تسعى إلى حماية أولوياتها الإقليمية، وحكومة إسرائيلية تحاول الحفاظ على أكبر هامش ممكن من حرية المناورة.

إلى أين تتجه العلاقة؟

تكشف التطورات الأخيرة أن العلاقة الأميركية–الإسرائيلية لا تمر بأزمة تحالف بقدر ما تمر بمرحلة إعادة تحديد الأولويات وحدود الحركة داخل التحالف نفسه. فواشنطن ما تزال ملتزمة بأمن الكيان ودعمه الاستراتيجي، لكنها تبدو أقل استعدادًا لتحمل كلفة سياسات ترى أنها قد تهدد مصالحها الإقليمية أو تعرقل ترتيباتها السياسية المرتبطة بأولوياتها الدولية ولا سيما أولوية مواجهة القوة الصينية الصاعدة. وفي المقابل، يحاول الكيان الحفاظ على هامش واسع من حرية المناورة انطلاقًا من اعتبارات الأمن والردع، مستندًا إلى ما يملكه من أدوات تأثير داخل البيئة السياسية الأميركية منذ عقود من الزمن.

ومن هذا المنطلق، لا تبدو الخلافات حول إيران ولبنان مجرد تباينات ظرفية، بل تعكس اختبارًا عمليًا لميزان التأثير المتبادل بين الطرفين. فكلما سعت الولايات المتحدة إلى توظيف نفوذها لضبط السلوك الإسرائيلي بما يتوافق مع أولوياتها الاستراتيجية، سعى الكيان إلى مقاومة هذه الضغوط أو تعديلها بما يحفظ مصالحه الأمنية. وبذلك، تكشف الساحتان الإيرانية واللبنانية أن الخلاف بين الطرفين لا يدور حول تشخيص التهديدات بقدر ما يدور حول كيفية إدارتها وحدود استخدام القوة في مواجهتها. ومن هنا تبرز دينامية أعمق من مجرد خلاف سياسي عابر، إذ تتصل بمن يملك حق تحديد الأولويات الاستراتيجية وحدود الحركة داخل التحالف نفسه. وتزداد أهمية هذا الجدل في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب لموازين القوى ولأدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، من دون اغفال الأبعاد والحسابات الشخصية لكل من ترامب ونتنياهو.

غير أن السؤال الأهم: هل تمثل هذه التوترات بداية تحول مستدام في طبيعة العلاقة الأميركية–الإسرائيلية، أم أنها مجرد محطة مؤقتة داخل تحالف أثبت تاريخيًا قدرة كبيرة على امتصاص الخلافات وإعادة إنتاج نفسه بصيغ جديدة؟ الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على مسار التفاعلات المقبلة بقدر ما ستتوقف على نتائج الاختبار الجاري اليوم في ساحتي إيران ولبنان.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

أستاذة جامعية لبنانية

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  إيلان بابيه: الصهيونية تنهار.. وفلسطين ستتحرر من الاستعمار