المذكّرة الأميركية الإيرانية بين حدّي التنفيذ أو.. الانقلاب!

مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران- إذا نُفِّذت - ترسَّخ معادلاتٍ إقليمية ودولية جديدة انطلاقاً من الشرق الأوسط. وسواء أنجح التنفيذ أم لا، بسبب خرق ٍأميركيٍ أو إسرائيليٍّ فإنَّ هذه المعادلات تكرَّست واقعياً. لا عودة إلى الوراء إلَّا نحو حربٍ أشدَّ جنوناً، وأكثرَ اتساعاً تنتهي بمزيدٍ من التخريب الرأسمالي في العالم، وتُعجِّلُ في انهيارِ الإمبراطوريةِ الأميركيةِ وربيبتِها الإسرائيلية.

إذا كانت مذكرة التفاهم قد نصَّت على تنفيذٍ تدريجي متبادل، وتضمَّنتْ مهلاً مدروسةً تتراوح بين ثلاثين وستين يوماً، فإنَّ الأهم هو أبعادها الإستراتيجيَّة التي تظهر خلف السطور. هذه هي المرّة الأولى التي تشعر فيها الولايات المتحدة منذ استقلالها عام 1776، بأنها مضطرة باسم البراغماتية الرأسمالية أن تعترف بأنها هُزمتْ، وأن تحاول الدفاع عن دورها العالمي، من دون أنْ تستخدم كلمة “الهزيمة” نظراً إلى خطورتها في خلق مفاهيم اضطرابية في الولايات المتحدة نفسها ، ولا سيَّما أنَّ كثيراً من وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية، تحدَّثت عن الهزيمة فزادت الإرباك القوي داخل مجلسَي النواب والشيوخ ودوائر البيت الأبيض. وهذه هي المرة الأولى أيضاً التي تذوق فيها مرارة الانكفاء بعد فشلها في إجهاض الثورة الكوبية عام 1959 وبعد أن جرجرت أذيال خيبتها فانسحبت من فيتنام إثر مفاوضات باريس عام 1975 مع الثوار الفيتناميين.

طبعاً الظروف آنذاك مختلفة عن ظروف اليوم إبَّانَ الصراع مع إيران على ساحة الشرق الأوسط ومع الصين وروسيا، لكن الاستنتاجات المبدئية لا تختلف، فإيران برهنت على صوابية أحد أهم مفاهيم الحرب وهو أن فارق القوة بين خصمين [هنا بين أميركا وإيران] لا يصنع بالضرورة انتصاراً لمن يملك الترسانة الأكبر، ففي كثيرِ من الأحيان تؤدِّي الإرادة الصلبة والرؤيا الواضحة، والجغرافيا السياسية والطبيعية، والعمق الحضاري أدواراً تُعوِّض الفوارق بين الترسانات. وهذا ما أشار إليه بوضوح المفكر الإستراتيجي الصيني القديم صن تزو (منذ 2500 سنة) إضافة إلى كارل فون كلاوزفيتز قبل نحو 250 عاماً. الحرب عند هذين المفكرين هي مواجهة إرادات لا مواجهة أسلحة فحسبُ. وإيران هنا انتصرت على الولايات المتحدة لأنها كسرت إرادتها. نتذكَّر في الأشهر الأربعة المنصرمة، أنَّ واشنطن وتل أبيب أعلنتا الحرب على إيران، وحدَّدتا ثلاثةَ أهدافٍ كبيرةٍ: 1- إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية. 2- تدمير البرنامجين النووي والباليستي. 3- إشعال الفتن الداخلية. لقد صمدت إيران وكسرت إرادة المعتدين، ووقفت في العمق ضد تحويل منطقتنا إلى إقليم تسيطر عليه “إسرائيل” عسكرياً واقتصاديَّاً وعبر تحالفٍ زبائني مع الولايات المتحدة.

هل عكست ذلك مذكرة التفاهم؟ الجواب بعد التمعُّن في البنود يصبُّ في خانة الإيجاب. وهذا – يا للمفارقة – ربَّما يشكِّل خطراً على تنفيذ المذكرة في الأسابيع المقبلة. إذْ ليس من السهل على المستعمر، أيَّاً كان، أن يتقبَّل واقع هزيمتهِ. لذا قد يبحث عن أي فرصة للتنصُّل والتملُّص ولا سيّما مع شخصيةٍ مثل ترامب تدمَغُها التقلُّبات. وهذه الفرص موجودةٌ في متن المذكرة نفسها. غالبية النقاط تخدم مصلحة إيران بما يعني اعترافاً أميركيَّاً غيرَ مباشرٍ بانتصار إيراني أجبرَ ترامب على تقديم تنازلاتٍ ملموسةٍ. وهنا تظهرُ الأفخاخ التي ستستخدمها واشنطن في مهلة الستين يوماً. ولمَّا كنَّا نعرف أنَّ المذكرة ليست اتفاقاً بل هي جسرٌ لاتفاقٍ، فإنَّ كلَّ ما هو مؤجَّل اليوم سيعاد بحثه في الغد القريب، إذْ لا يوجدُ بندٌ واحدٌ في المذكرة لا يتضمن إحالةً إلى مفاوضات مفترضة، ومن المعروف أنَّ كثرة الإحالات في النص القانوني تؤدي إلى إفشالِهِ، ما لم تتوافر لدى المتعاقدين نيَّةٌ مشتركةٌ لإنجاحه. إيران لديها نيّةُ التنفيذ المتساوي المشروط بالتزام الولايات المتحدة بالتنفيذ. أمَّا هذه الأخيرة فلها تاريخ مثقلٌ بالنكوص والغدر. التجارب السابقةُ منذ 2015 – إبَّان الاتفاق النووي في عهد باراك أوباما وصولاً إلى الانسحاب منه عام 2018 في ولاية ترامب الأولى – أثبتت أنَّ الولايات المتحدة لا تملك حتى الآن نيَّةً سليمة – وربما لن تملك – بل هي تراهن على التلاعب في أثناء المفاوضات إذا حصلت. وليس غريباً أن نرى في لحظةٍ ما الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتملًّص من المذكرة أو يقدِّم تفسيرات خاصة به لأحد البنود. ها هو حليفُه الكيان الإسرائيلي لا يحترم مضمون المذكرة التي تنص على وقف الحرب على كل الجبهات بما في ذلك لبنان. يقف ترامب أمامه عاجزاً أو متظاهراً بالعجز لإتمام البروباغندا الدموية مع شريكهِ بنيامين نتنياهو ضد كل المنطقة.

بإزاء هذه الصورة المعقَّدةِ، تبدو مذكرة التفاهم ذات آثار إقليمية ودولية، فالشرق الأوسط هو قلب الجغرافيا العالمية، ومن يملك السيطرة عليه يسيطر على المعادلات الرئيسية في العالم. وهكذا فإنَّ المذكرة تتقلَّبُ بين حدَّيْن: حدِّ التنفيذ الذي يؤكد هزيمة واشنطن وانتكاس مشروع “إسرائيل الكبرى”.. وحدِّ الانقلاب عليها الذي يؤكِّد أنَّ واشنطن وتل أبيب تستمرَّان في المقامرة وتسبّبان حرباً جديدة في العالم.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  الحرب على إيران.. أسئلة إلى النّخب اللّبنانيّة والمشرقيّة
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  بايدن وترامب.. صورة أمريكا الفاشلة!