من إدلب إلى دمشق :هندسة النظام الجديد والدولة المركزية

لم تعد دمشق وحدها مركز الدولة السورية. بعد أكثر من عقد على الحرب، تبدو السلطة في سوريا أقل شبهاً بدولة مركزية تقليدية، وأكثر قرباً من بنية موزعة تتقاسم فيها الفاعليات المحلية والمركزية وظائف الحكم والموارد والشرعية. وبينما تستمر مؤسسات الدولة في العمل شكلياً، فإن مراكز القوة الفعلية باتت موزعة بين شبكات نشأت خلال الحرب، أعادت تعريف معنى السلطة نفسها داخل المجال السوري. هذا التحول لا يطرح سؤال من يحكم سوريا؟ بقدر ما يطرح سؤالاً أعمق: ما الذي تبقى من الدولة عندما تفقد قدرتها على الاحتكار؟

نادراً ما تنتهي الحروب الأهلية بعودة الدولة إلى شكلها السابق. فغالباً ما تعيد إنتاج الدولة نفسها داخل أنقاضها، عبر إعادة توزيع السلطة بين المركز والأطراف، وبين المؤسسات الرسمية والشبكات غير الرسمية التي تنشأ أثناء الحرب. الحالة السورية لا تشذ عن هذا النمط، لكنها تدفعه إلى مداه الأقصى، إذ لا يبدو ما يجري مجرد انتقال سياسي، بل إعادة تعريف لبنية الدولة ذاتها،فسوريا لم تعد قابلة للعودة إلى نموذج الدولة المركزية الصارمة التي سبقت 2011، وأن ما يتشكل اليوم هو نظام هجين دائم يقوم على تعدد مراكز السلطة داخل المجال السوري، لا على احتكارها من مركز واحد.

ينطلق الفهم الكلاسيكي للدولة بوصفها الكيان الذي يحتكر استخدام العنف المشروع داخل إقليم محدد. غير أن هذا الاحتكار لا يُفهم كمعطى ثابت، بل كإنجاز تاريخي قابل للتفكك وإعادة التشكل. وأن الدولة لا تعمل خارج الصراع، بل تتشكل من خلاله، وأن قدرتها الفعلية تعتمد على مدى نجاحها في إخضاع أو استيعاب مراكز القوة المحلية داخل المجتمع. وعندما تضعف هذه القدرة، لا تختفي الدولة، بل تتجزأ سلطتها بين فاعلين متعددين.

في سياق الحروب الأهلية الطويلة، لا يؤدي الصراع إلى انهيار الدولة فقط، بل إلى إعادة توزيع وظائفها عبر شبكات محلية بديلة تتولى الأمن والإدارة والاقتصاد بشكل غير مركزي. ومن هنا تظهر أنماط حكم هجينة تتعايش فيها السلطة الرسمية مع سلطات أمر واقع نشأت أثناء الحرب.

لا يبدو المستقبل السوري محكوماً بمسار واحد. يمكن أن تتجه البلاد نحو شكل من التعايش المؤسسي غير المكتمل بين مراكز قوة متعددة بحيث تصبح السلطة موزعة بنيوياً بين فاعلين مختلفين، أو نحو إعادة تمركز تدريجي للسلطة إذا نجحت جهة ما في إعادة احتكار أدوات العنف والاقتصاد. لكن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المتوسط هو استمرار هذا النمط الهجين، حيث تتعايش الدولة الرسمية مع شبكات حكم نشأت خارجها دون أن تندمج فيها بالكامل

هذا التحول يسمح بفهم ما يمكن تسميته بـالدولة الشبكية، حيث لا تُمارس السلطة عبر مركز احتكاري واحد، بل عبر شبكة من الفاعلين المحليين والمركزيين الذين يتقاسمون الوظائف والموارد ومصادر الشرعية. في هذا النموذج، تتعدد مصادر الشرعية السياسية بين الشرعية القانونية، وشرعية القوة، وشرعية الأداء المحلي، ما ينتج بنية سياسية مركبة لا يمكن اختزالها في نموذج الدولة المركزية التقليدي.

قبل 2011، قامت الدولة السورية على نموذج مركزي شديد الصلابة، تتركز فيه السلطة في دمشق عبر تداخل الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية والحزب الحاكم، بينما تُدار الأطراف عبر شبكات ولاء غير رسمية. هذا النموذج بدا مستقراً، لكنه كان في الواقع هشاً، إذ اعتمد على احتكار سياسي قسري أكثر من اعتماده على مؤسسات قابلة للاستدامة.

مع اندلاع الحرب عام 2011، انهار هذا الاحتكار تدريجياً. لكن الأهم من انهيار السيطرة العسكرية هو انهيار احتكار الدولة بوصفها منتجاً وحيداً للسلطة. ففي الفراغ الذي نشأ، لم تظهر الفوضى فقط، بل ظهرت أنماط حكم بديلة: مجالس محلية، سلطات أمر واقع، واقتصادات حرب،هذه الكيانات لم تكن انتقالية كما افترضت مقاربات كثيرة، بل تحولت مع الوقت إلى بنى حكم مستقرة نسبياً، أنتجت وظائف دولة دون دولة.

تكتسب إدلب أهمية خاصة لأنها لم تكن مجرد ساحة صراع، بل فضاءً لإعادة تشكيل النخب خارج مؤسسات الدولة المركزية. فالنخب التي صعدت هناك لم تتشكل داخل البيروقراطية السورية، بل داخل بيئة صراع طويلة أعادت دمج الأمن والاقتصاد والإدارة في شبكات محلية متداخلة، وهنا تظهر نقطة حاسمة: هذه النخب لم تعد هامشاً بالمعنى التقليدي، بل تحولت إلى مراكز سلطة بديلة تمتلك أدوات حكم خاصة بها. وعندما تعود أجزاء منها إلى دمشق، فهي لا تعود إلى مركز الدولة القديم، بل تحمل معها منطقها التنظيمي الخاص، وفي الوقت نفسه، تبقي على ركائز اقتصادية ومالية أساسية في الهامش (المركز) الإدلبي. كلُّ ذلك هو جزء من مرحلة انتقالية نحو تثبيت سلطة المركز، وهذا يعني أن محاولة إعادة إنتاج المركز القديم تصطدم بواقع أن السلطة أصبحت موزعة فعلياً على فاعلين متعددين اكتسبوا شرعيتهم من الحرب نفسها، لا من الدولة.

العراق وسوريا.. ونموذج البعث

تُظهر الحالة العراقية بعد 2003 مساراً يمكن أن يضيء على التحول السوري، لكن عبر اختلافات في درجة الاستقرار لا في طبيعة الانهيار. فقد أدى تفكيك الدولة العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين إلى انهيار احتكار الدولة المركزي للعنف، وظهور فاعلين عسكريين محليين، وأحزاب سياسية ذات أذرع أمنية واقتصادية، إضافة إلى بروز إقليم كردي يتمتع باستقلال واسع. ومع الوقت، لم تُستعد السيادة المركزية بشكل كامل، بل أعيد توزيعها داخل نظام سياسي تعددي هش يقوم على تقاسم النفوذ أكثر من احتكاره، فلا تبدو الدولة العراقية دولة منهارة بالكامل، بل دولة أعادت تنظيم السلطة داخلها دون استعادة مركز احتكاري فعلي، ما جعلها أقرب إلى نموذج سيادة موزعة بين الدولة الرسمية وقوى ما دون الدولة.

إقرأ على موقع 180  باريس متشائمة.. وعون للحريري: التأليف عندي وليس في المريخ!

وتكتسب المقارنة أهمية إضافية عند النظر إلى الخلفية المشتركة لنظامي البعث في العراق وسوريا. فكلاهما نشأ من بنية فكرية وتنظيمية متشابهة تقوم على المركزية الصارمة والفكرة القومية العربية، والدولة الحزبية، وتداخل الحزب مع الأجهزة الأمنية والعسكرية في إدارة المجتمع. وقد أنتج هذا النموذج في البلدين دولة شديدة المركزية تعتمد على الولاء السياسي والأمني أكثر من اعتمادها على مؤسسات مدنية مستقرة، غير أن انهيار هذا النموذج في الحالتين كشف هشاشة بنيوية مشتركة: في العراق، أدى سقوط الدولة إلى تفكك سريع لمركزها، بينما في سوريا أدى استمرار الحرب إلى تفكيك تدريجي أكثر تعقيداً وأطول زمناً، لكنه أنتج ديناميات مشابهة في إعادة توزيع السلطة خارج المركز.

ومع انهيار النظام السوري السابق ووصول القيادة الجديدة للسلطة، تواجه سوريا أزمة شرعية مزدوجة: من جهة، هناك شرعية الدولة المركزية التي تستند إلى البنية القانونية والإدارية والمالية، لكنها فقدت قدرتها على احتكار السلطة فعلياً، ومن جهة أخرى، هناك شرعية القوة التي أنتجتها الحرب، لكنها غير قابلة للتحول بسهولة إلى شرعية وطنية جامعة. وبين هذين النموذجين، تتشكل دولة هجينة: ليست دولة فاشلة، وليست دولة مكتملة، بل نظام سياسي قائم على تفاوض دائم بين مراكز قوة متنافسة.

وفي الخلاصة، لا يبدو المستقبل السوري محكوماً بمسار واحد. يمكن أن تتجه البلاد نحو شكل من التعايش المؤسسي غير المكتمل بين مراكز قوة متعددة بحيث تصبح السلطة موزعة بنيوياً بين فاعلين مختلفين، أو نحو إعادة تمركز تدريجي للسلطة إذا نجحت جهة ما في إعادة احتكار أدوات العنف والاقتصاد. لكن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المتوسط هو استمرار هذا النمط الهجين، حيث تتعايش الدولة الرسمية مع شبكات حكم نشأت خارجها دون أن تندمج فيها بالكامل.. وهذا التناقض يجعل الاستقرار السياسي في سوريا أقرب إلى توازن هش منه إلى نظام مستقر.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  روسيا ولقاح "كورونا".. "لحظة سبوتنيك"