اللافت للانتباه أنّه كلما تعثرت قنوات الحوار مع طهران، ارتفع منسوب الضغوط على لبنان، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وكأن الرسالة تقول إن الخاصرة اللبنانية هي الطريق الأقصر للضغط على إيران. ويبدو أن أصحاب هذا النهج يعتقدون أن نقطة ضعف طهران ليست حدودها، بل حلفاؤها، وأن الشعب اللبناني هو الحلقة الأسهل لتحمل كلفة هذا الابتزاز المكشوف.
لكن السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه هو: ماذا لو نجح التفاهم الأميركي الإيراني؟ ماذا لو اتفقت واشنطن وطهران على صفقة أوسع تعيد ترتيب المصالح بينهما؟ أيُّ مسار يتقدم على الآخر من حيث فوائده: المسار الأميركي الإيراني أم المسار اللبناني الإسرائيلي الأميركي؟
إذا تقدّم مسار إسلام آباد (أو مسار سويسرا)، وهذا هو الأرجح، ماذا سيكون مصير كل الضغوط التي مورست على لبنان؟ وماذا سيكون مصير القوى التي اندفعت لتقديم تنازلات تحت عنوان “الاتفاق الإطاري”، ووافقت على ما يمس السيادة الوطنية أملاً في كسب رضا الخارج من جهة وتصفية الحساب مع إيران وحلفائها من جهة ثانية؟
ألن تتحول تلك التنازلات إلى خسارة مجانية؟ وألن يكتشف أصحابها أنهم فرّطوا بأوراق القوة اللبنانية من دون أن يحصلوا على أي مقابل ولو بحدوده الدنيا، لأن القرار الحقيقي يُصنع في مكان آخر؟
ومن يُدقّق في تاريخ العلاقات الدولية يجد أن الدول الكبرى لا تقودها العواطف ولا التحالفات الدائمة، بل المصالح المتحركة. فما أن تتبدل تلك المصالح، حتى تتبدل معها الأولويات، ويُترك الذين بنوا خياراتهم على رهانات الخارج يواجهون نتائج خياراتهم.. وحدهم.
من هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله اللبنانيون اليوم هو ربط مستقبل وطنهم بمفاوضات لا يملكون قرارها. فالسيادة ليست ورقة مساومة، ولا يجوز أن تتحول إلى ثمن يُدفع على طاولة تسويات إقليمية قد تتغير مع أول تفاهم بين واشنطن وطهران.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، لكن الحفاظ على السيادة يجب أن يبقى القاسم المشترك بينهم. لأن الأوطان التي تُقدِّم التنازلات انتظاراً لمكاسب خارجية، كثيراً ما تكتشف أنها خسرت سيادتها، فيما ذهبت الصفقات إلى غيرها.
باختصار، لم يعد لبنان مجرد ساحة صغيرة تخضع لحسابات ضيقة، بل صار عقدة أساسية في صراع أوسع تتداخل فيه إرادات القوى الكبرى والإقليمية. وما يجري اليوم يؤكد أن المعركة لم تعد تدور فقط حول تبادل الضربات أو رسم خطوط النار، بل حول إعادة صياغة موازين القوى وقواعد الاشتباك في المنطقة بأسرها..
