“الاتفاق الإطاري” بين لبنان وإسرائيل على محكّ الميثاق.. والدستور

ليست كل اتفاقية دولية مجرّد إجراء سياسي أو ممارسة تقنية لصلاحية دستورية. فحين تمسّ الاتفاقية السيادة، أو وحدة المجتمع، أو التوازنات التي يقوم عليها النظام السياسي، تصبح شرعيتها مرتبطة بمضمونها ونتائجها، لا بالجهة التي تفاوضت بشأنها فحسب. ومن هنا، يكتسب وصف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري للاتفاق الإطاري الثلاثي بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل بأنه مدخل إلى «الفتنة» دلالة سياسية ودستورية تتجاوز حدود الموقف الشخصي.

هذا الوصف، الصادر عن رئيس السلطة التشريعية، يُمكن أن يُقرأ بوصفه تحذيراً من أن الاتفاق قد يصطدم بمقتضيات ميثاق العيش المشترك، المكرّس في الفقرة «ي» من مقدمة الدستور، التي تنص على أنه «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك».

ولا يعني ذلك أن مجرد الاعتراض السياسي يُسقط الاتفاق دستورياً بصورة تلقائية، لكنه يفرض التحقق من مدى تمتعه بالميثاقية الوطنية، ومن مقدار القبول السياسي والشعبي الذي يحظى به، ولا سيما أن موضوعاً بهذه الأهمية والخطورة لا يجوز أن يتحول إلى قرار تنفرد به جهة واحدة، بعيداً من المؤسسات الدستورية ومن النقاش الوطني العام.

فإلى جانب ضرورة الرجوع إلى مجلس النواب في الحالات التي يحددها الدستور، لا يمكن تجاهل أثر الاتفاق في الاستقرار الداخلي وفي العلاقات بين مكوّنات المجتمع اللبناني. وإذا كانت تداعياته قد تحمل، بحسب تعبير رئيس مجلس النواب، عناصر فتنوية، فإن ذلك يستدعي التريث قبل المضي فيه، ولا سيما إذا لم تكن الحاجة العملية إليه ثابتة، أو إذا كانت مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية قد أتاحت للدولة اللبنانية مكاسب أو ضمانات تتجاوز ما يمنحه الاتفاق الإطاري نفسه.

وعندما تقترن محدودية الجدوى السياسية للاتفاق باحتمال تهديده مقتضيات العيش المشترك، يغدو من المشروع التساؤل عن مفاعيله الإيجابية وعن مدى تمتعه بالميثاقية الوطنية اللازمة لإقراره وتنفيذه.

مقدمة الدستور مرجعاً للتفسير

تفادياً لمثل هذه الإشكالات، استقر جانب من الاجتهاد والفقه الدستوريين على أن نصوص الدستور لا تُفسّر بمعزل عن مقدمته، بل في ضوء المبادئ العامة التي تتضمنها. فلا يجوز لأي سلطة دستورية أن تتمسك بحرفية نص إذا أدى تطبيقه الجامد إلى مناقضة مبدأ جوهري من مبادئ المقدمة، وفي طليعتها وحدة الدولة، والعيش المشترك، والمساواة، وسيادة الشعب.

وحتى قبل إدراج مقدمة الدستور بصيغتها الحالية في تعديلات عام 1990، كانت ممارسة السلطات الدستورية في لبنان تراعي اعتبارات الانتظام العام والتوازنات السياسية والطائفية عند استخدام الصلاحيات المنصوص عليها في الدستور.

فعلى سبيل المثال، كانت المادة 53 من الدستور، قبل تعديلها، تنص على أن رئيس الجمهورية «يعيّن الوزراء ويسمّي منهم رئيساً ويقيلهم». وعلى الرغم من أن القراءة الحرفية للنص كانت توحي بانفراد رئيس الجمهورية بهذه الصلاحية، فإن الممارسة الفعلية ظلت خاضعة لاعتبارات سياسية وميثاقية متعددة، تراعي تركيب النظام وتوازناته.

وينطبق الأمر نفسه، بدرجات مختلفة، على انتخاب رئيس الجمهورية، وتشكيل الحكومات، وانتخاب رئيس مجلس النواب، وتكوين اللجان النيابية. فالصلاحيات الدستورية في لبنان لم تُمارس تاريخياً داخل فراغ قانوني، بل ضمن نظام يقوم على التوافق وعلى مراعاة التوازن بين المكوّنات السياسية والطائفية.

أما في ما يتصل بالاتفاقيات الدولية، فلا يصح القول إن جميع الاتفاقيات يجب، من دون استثناء، أن تُعرض على مجلس النواب. فالمادة 52 من الدستور تميّز بين أنواع الاتفاقيات؛ إذ تشترط موافقة المجلس النيابي على المعاهدات التي تتعلق بمالية الدولة، والمعاهدات التجارية، وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة. لكن طبيعة الاتفاق وأهميته وآثاره السيادية قد تجعل إشراك المجلس النيابي ضرورة سياسية وميثاقية، حتى عندما يثور نقاش قانوني بشأن إلزامية هذا الإجراء.

وهذا من بديهيات علم الدستور؛ فالدولة، في مفهوم علم السياسة، ليست مجموعة مؤسسات في حالة سكون، أو أجهزة تعمل معزولة عن المجتمع، بل هي تعبير عن فعالية المجموعات والفئات المختلفة التي يتكون منها هذا المجتمع. والدستور ليس مجرد مجموعة من المواد الجامدة، بل هو أيضاً انعكاس للتوازنات والقيم والمبادئ التي تضعها الجماعة الوطنية موضع التطبيق.

لذلك، يصعب فهم القانون الدستوري إذا اقتصرت دراسته على استخلاص المعاني الحرفية من النصوص التي اصطلح رجال القانون والسياسة على تسميتها «الدستور المكتوب». فتفسير النص الدستوري يستلزم ربطه بالوعاء الاجتماعي والسياسي والفلسفي والاقتصادي المحيط به، وبالغايات التي وُضع من أجلها.

حدود المادة 52

إذا أسقطنا هذه المبادئ على المادة 52 من الدستور اللبناني، التي تنص على أن رئيس الجمهورية «يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة»، يتضح أن هذه المادة لا يمكن تفسيرها تفسيراً جامداً يختزلها بالقول إن التفاوض صلاحية حصرية لرئيس الجمهورية، ثم يضع نقطة في آخر السطر.

فالمادة نفسها لا تمنح رئيس الجمهورية صلاحية منفردة ومطلقة؛ إذ تشترط الاتفاق مع رئيس الحكومة، كما تنص على أن المعاهدات لا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وتوجب موافقة مجلس النواب على أنواع محددة منها. وبذلك، فإن هندسة المادة 52 تقوم على توزيع الأدوار بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ومجلس الوزراء، وعلى إشراك مجلس النواب عندما تتوافر الشروط التي حددها الدستور.

إقرأ على موقع 180  أميركا المرتبكة.. عالمٌ يتشكلُ على أنقاض الهيمنة

ولا يكفي، في تفسير هذه المادة، تحديد الجهة صاحبة الاختصاص الشكلي، بل ينبغي أيضاً مراعاة طبيعة الاتفاق، والظروف التي يبرم فيها، والنتائج التي قد تترتب عليه، ومدى اتصاله بالسيادة وبسلامة الأراضي وبوحدة المجتمع والدولة.

ويعزز هذا التفسير ما ورد في المادة 49 من الدستور، التي تجعل رئيس الجمهورية «رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن»، وتكلّفه السهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. كما تنص المادة الثانية على أنه «لا يجوز التخلي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية أو التنازل عنه».

ومن ثم، لا يمكن ممارسة أية صلاحية دستورية بمعزل عن هذه القيود والغايات. فإذا كان من شأن ممارسة صلاحية ما أن تهدد وحدة الوطن، أو تضعف الاستقرار الداخلي، أو تمس سلامة الأراضي والسيادة الوطنية، فإن واجب السلطات لا يقتصر على إثبات امتلاكها الاختصاص، بل يشمل التحقق من سلامة استخدامه ومن توافق نتائجه مع الدستور ومقدمته.

فالصلاحية الدستورية ليست امتيازاً شخصياً لصاحبها، بل وظيفة تمارس من أجل حماية الدولة وتحقيق المصلحة العامة. وتبقى سلامة الدولة، ووحدة المجتمع، وصون العيش المشترك، متقدمة على أية قراءة شكلية أو ضيقة للنصوص.

الشرعية لا تستمد من التوقيع

وفي هذا السياق، تكتسب حيثيات حكم المحكمة الإدارية العليا في مصر، في قضية اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، دلالة مقارنة، وإن كانت صادرة في نظام دستوري مختلف عن النظام اللبناني.

فقد خلصت المحكمة إلى أن السلطة التنفيذية لا تستطيع، من خلال توقيع اتفاق مبدئي، أن تتجاوز القيود الدستورية المتعلقة بإقليم الدولة وسيادتها، واعتبرت أن أي إجراء يصدر خلافاً لهذه القيود يكون مجرداً من أثره القانوني، مهما كانت الجهة التي أقدمت عليه.

ولا يمكن بالطبع نقل هذا الحكم إلى الحالة اللبنانية بصورة آلية، لاختلاف النصوص والأنظمة والوقائع. لكن المبدأ الذي ينطوي عليه يبقى صالحاً للنقاش: لا تكتسب الاتفاقات مشروعيتها لمجرد توقيعها من أصحاب الصلاحية، بل من احترامها مجمل النظام الدستوري، ومن انسجامها مع السيادة والمصلحة العامة والقيود التي تحكم عمل السلطات.

وعليه، فإن السؤال الذي يطرحه الاتفاق الإطاري لا يقتصر على معرفة من يملك حق التفاوض أو التوقيع، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أكثر جوهرية: هل يحظى الاتفاق بالشرعية الدستورية والميثاقية والسياسية الكافية؟ وهل يصون وحدة الدولة والمجتمع، أم يفتح الباب أمام انقسام داخلي أعمق؟

ففي القضايا المصيرية، لا تكفي صحة الإجراءات الشكلية وحدها. والاتفاق الذي لا تتوافر له الميثاقية الوطنية، ولا يُناقش في المؤسسات الدستورية، ولا يطمئن إليه جزء أساسي من اللبنانيين، يبقى اتفاقاً ناقص الشرعية، حتى لو اكتملت التواقيع الموضوعة في صفحته الأخيرة.

Print Friendly, PDF & Email
عصام نعمة إسماعيل

أستاذ مادة القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  بين "دفرسوار" زيلينسكي وحروب نتنياهو.. أميركا عاجزة أم متواطئة؟