الشرق الأوسط بعد حرب إيران: من يتحكم بالممرات سيرسم الخرائط

اضطلعت باكستان بدور غير مسبوق في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق يوقف الصراع، ودخلت بذلك لاعبًا أساسيًا في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط بأكمله. وكانت لها، بطبيعة الحال، دوافع داخلية للقيام بهذا الدور، إذ تضررت بشدة من إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره 90% من إمداداتها النفطية. كما تتشارك مع إيران حدودًا تمتد نحو 900 كيلومتر، وما يرافق ذلك من خصوصيات اجتماعية وإثنية عابرة للحدود.

إلا أن قوة هذا الدور تنبع من كون باكستان قوة نووية وازنة، تمتلك جهازًا عسكريًا وأمنيًا واسع النفوذ، وتربطها علاقات تاريخية مميزة بالمملكة العربية السعودية. وقد تُوّجت هذه العلاقات بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك استراتيجية بين البلدين في أيلول/سبتمبر 2025، تنص على أن “أي عدوان على أي من البلدين يُعد عدوانًا على كليهما”، بما يمنح الرياض غطاء ردع نوويًا ضمنيًا. وهذا ما يؤهل باكستان لتكون وسيطًا موثوقًا بين السعودية وإيران.

غير أن المحرك الخفي وراء نجاح الدور الباكستاني يتمثل في تحالفها الاستراتيجي الوثيق مع الصين. فقد ارتاحت إيران للتفاوض تحت المظلة الباكستانية، لعلمها بأن إسلام آباد لن تسمح بإبرام اتفاق يقوّض السيادة الإيرانية بصورة جوهرية؛ والسبب ببساطة أن خطوة كهذه ستضر بالمصالح الإقليمية للصين، التي تعتمد عليها إيران كشريك استراتيجي واقتصادي. ويبدو أن بكين أوكلت بهدوء إلى إسلام آباد مهمة التفاوض الشاقة، معززة موقف المفاوضين الباكستانيين بدعم سياسي واستخباراتي كبير خلف الكواليس.

والعلة أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران شكلت تهديدًا مباشرًا لـ”درة تاج” مبادرة الحزام والطريق، التي كلفت الصين حتى الآن تريليونات الدولارات: أي “الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني” (CPEC) وميناء غوادر الاستراتيجي الواقع بمحاذاة الحدود الإيرانية. وكانت إدارة دونالد ترامب تدرك ذلك كله تمامًا، ما يجعل “مذكرة تفاهم إسلام آباد” تنطوي على موافقة بكين الضمنية، من دون أن تضطر واشنطن إلى الجلوس معها مباشرة إلى طاولة التفاوض.

وقد تضمن الشق الاقتصادي من مذكرة التفاهم صندوقًا خاصًا لإعادة الإعمار والتنمية بحجم 300 مليار دولار، يُفترض أن تشارك فيه مؤسسات من الولايات المتحدة والخليج وآسيا. وإذا تحول هذا الصندوق إلى واقع، فسيمكّن من توسيع الحلم الصيني باتجاه إيران، عبر إنشاء جسر تعاون بين ميناء غوادر الباكستاني وميناء جابهار الإيراني القريب منه، وتفعيل اتفاقية التعاون الصينية ـ الإيرانية من دون عوائق العقوبات، إضافة إلى خلق ممرات برية للنفط والغاز من غرب إيران تتجاوز عقدة مضيق هرمز، وتمتد نحو باكستان ومنها إلى الصين.

وإذا نجح الاتفاق، تكون باكستان قد جنّبت نفسها، عبر وساطتها، فوضى إضافية على حدودها كانت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران ستخلّفها، فوق تنافسها الاستراتيجي مع الهند وصراعها الراهن مع أفغانستان التي تحكمها طالبان. لكنها تكون أيضًا قد التفّت على المخططات الاستراتيجية للهند في الشرق الأوسط.

فالهند كانت قد استثمرت بقوة في ميناء جابهار الإيراني تحديدًا، لتأمين منفذ يجنّبها المرور عبر باكستان نحو أفغانستان وآسيا الوسطى وروسيا؛ وهو الميناء الذي عانى طويلًا من العقوبات والحصار الأميركي. كما أن الهند هي نقطة الانطلاق الأساسية لمبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، التي أُطلقت في اجتماع مجموعة العشرين عام 2023 لمنافسة مبادرة الحزام والطريق، وإن كانت استثماراتها فيه لا تزال محدودة بالمقارنة.

تمثّلت القيمة الأساسية لممر IMEC، بالنسبة إلى واشنطن والهند وإسرائيل، في قدرته على العمل كممر تجاري بديل ومهيمن بين آسيا وأوروبا. لكن تسارع اندماج كتلة اقتصادية برية تضم الصين وباكستان وإيران يغيّر المعادلة التنافسية. فالمرجح جدًا أن تسعى السعودية إلى الموازنة بين التزاماتها تجاه هذا الممر الاقتصادي وتمويل مشاريع البنية التحتية في كل من باكستان وإيران، حفاظًا على التوازن الإقليمي.

كذلك يعاني مشروع IMEC من نقطة هشاشة كبرى في جانبه الغربي، وتحديدًا في مسألة مروره عبر ميناء حيفا، ما يتطلب حل قضية الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان وهيمنته على جنوب سوريا، فضلًا عن تطبيع وثيق بين إسرائيل والسعودية لا يبدو متوقعًا في المدى القريب ما دامت القضية الفلسطينية عالقة.

وبشكل ما، أنقذت مذكرة التفاهم الباكستانية مشروع IMEC من فقدان جدواه العملية، عبر استعادة أمن الملاحة البحرية، وعبر إدراج لبنان في متن المذكرة. لكنها، في المقابل، جرّدت الممر من ميزته الجيوسياسية، إذ بات يتعين عليه الآن التعايش مع إطار اقتصادي تدعمه الصين وتتوسطه باكستان، بل والتكيف معه.

ويبقى السؤال الكبير: كيف ستردّ الهند وإسرائيل إذا ما دخلت مذكرة التفاهم حيّز التنفيذ؟

فهل ستُخرج الهند مشروع IMEC من المجال السياسي والأيديولوجي، ليصبح مشروع تنافس اقتصادي بحت؟

لطالما أبرزت الهند في عهد ناريندرا مودي تحالفها الوثيق مع إسرائيل، حتى خلال الإبادة الجماعية في غزة، وروّجت له بوصفه تحالفًا ضد “الإسلام الإرهابي”. كما جرى التنظير مرارًا لقيام تحالف هندي ـ إبراهيمي، في خروج عن الموقف التاريخي للمهاتما غاندي، الذي تضامن مع اليهود في مواجهة الاضطهاد النازي، لكنه كتب عام 1938:

“إن فلسطين تنتمي إلى العرب تمامًا كما تنتمي إنكلترا إلى الإنكليز أو فرنسا إلى الفرنسيين، ومن الخطأ فرض اليهود على العرب. وما يجري الآن في فلسطين لا علاقة له بأي منظومة أخلاقية”.

وماذا ستفعل إسرائيل إزاء إعادة إضفاء الشرعية على خصمها الرئيسي، إيران، في وقت يبدأ فيه صندوق ضخم لإعادة الإعمار بالتدفق عليها، وخصوصًا أن الإمارات نفسها خطت باتجاه مسار بديل لممر IMEC عبر العراق، الذي لن يعادي إيران، وصولًا إلى تركيا، التي لن تقبل بدورها بممر استراتيجي يستثنيها.

إقرأ على موقع 180  دماء مجدل شمس.. أقحوان البطولة والمقاومة

ليس واضحًا اليوم ما إذا كان الإنجاز الباكستاني، المتجسد في مذكرة التفاهم، سيدخل فعلًا حيّز التنفيذ. لكن ثمة مؤشرات إيجابية برزت في مراسم تشييع الإمام علي الخامنئي، كما ظهرت إشارات أخرى في تشكّل نوع من التحالف الجيوستراتيجي غير المسبوق بين باكستان وتركيا والسعودية ومصر.

فهل نحن أمام تكتل أمني واقتصادي جديد يهدف إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي بعيدًا عن الهيمنة الغربية؟ أم أمام مجرد اصطفاف براغماتي فرضته التوترات الأخيرة؟

في كل الأحوال، لن تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي أمام هذا التحول، لأنه يزيد، في نهاية المطاف، من عزلتها، رغم أن كلًا من الصين والهند استثمرتا في ميناء حيفا.

في المقابل، كيف سيتموضع لبنان، الذي كان أحد محاور الصراع بين إيران من جهة، وإسرائيل والخليج من جهة أخرى، في ظل هذه التحولات الكبرى؟ وكيف ستتموضع سوريا؟

ولماذا لا تحضر باكستان ولا الهند في حسابات السياسة الخارجية للبلدين؟ وهل ما زال لبنان وسوريا، كل لأسبابه، في وضع هش يجعلهما أسيرَي استقطابات داخلية تحول دون بناء سياسات خارجية مرنة تستجيب للتحولات، وتتركهما متأخرين عن ركب الاصطفافات الجديدة التي تقودها قوى صاعدة مثل باكستان والهند؟

قد تعيد مذكرة التفاهم، إذا نجحت، تعريف مفهوم “الوساطة” في الشرق الأوسط. إذ لن تبقى حكرًا على القوى الكبرى التقليدية، بل قد تصبح قوى إقليمية مثل باكستان قادرة على صياغة قواعد اللعبة، بما يفتح الباب أمام تعددية قطبية جديدة تتجاوز ثلاثية واشنطن ـ طهران ـ إسرائيل.

(*) ينشر بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
سمير العيطة

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية؛ رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  من مضيق هرمز إلى بيروت.. أوراق الضغط في مفاوضات إسلام أباد