من مضيق هرمز إلى بيروت.. أوراق الضغط في مفاوضات إسلام أباد

تنطلق في غضون الساعات المقبلة، في إسلام آباد، المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أربعين يومًا من أعنف حرب شهدتها المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية. وسيكون أمام المتفاوضين عشرة أيام فقط ضمن مهلة الأسبوعين لوقف إطلاق النار بينهما من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء هذه الحرب.

غير أن تعقيدات المشهد والملفات الخلافية الشائكة لا توحي بإمكانية تحقيق ذلك خلال هذه المهلة الزمنية القصيرة، إذا أخذنا بالاعتبار أن الاتفاق النووي بينهما، وبمشاركة خمس دول أخرى (الصين وروسيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا)، استغرق نحو عشرة أعوام حتى إنجازه عام 2015، قبل أن ينقلب عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويلغيه في عام 2018 خلال ولايته الرئاسية الأولى. زدْ على ذلك أن هدنة الأسبوعين، برعاية باكستان، بدأت تترنح منذ يومها الأول، بفعل الهجوم الدموي والوحشي “الإسرائيلي” على لبنان، الذي خلّف نحو 1500 شهيد وجريح، إثر غارات جوية طاولت العاصمة بيروت، بالإضافة إلى الضاحية الجنوبية وجبل لبنان والبقاع والجنوب.

وقبل الدخول في المفاوضات بين الطرفين، هناك عامل أساسي يتطلبه أي تفاوض، وهو بناء الثقة والمصداقية بينهما. غير أن واشنطن أثبتت، خلال الأشهر التسعة الماضية، أنها تفتقر إلى المصداقية؛ ففي حزيران/يونيو الماضي، وخلال جولة مفاوضات، شنت عدوانًا على إيران بمشاركة الكيان “الإسرائيلي”، وكررت الأمر نفسه في مطلع آذار/مارس.

ويُضاف إلى ذلك ما نشرته وسائل الإعلام عن جسور جوية أمريكية إلى المنطقة، وبالتحديد إلى “إسرائيل”، لنقل آلاف الأطنان من الذخائر والأسلحة الهجومية. فضلًا عن الإشكالية التي أثارتها بشأن شمول لبنان باتفاق وقف إطلاق النار؛ إذ قالت الناطقة باسم البيت الأبيض إن لبنان غير مشمول بالاتفاق، فيما أكدت كل من إيران وباكستان شمولَه.

من حيث المبدأ، يمكن القول إن إيران تمكنت من فرض شرطها للدخول في المفاوضات، عندما أصرت على أنها لن تفاوض تحت النار، وهذا ما تحقق. غير أن هذا الإنجاز بقي منقوصًا مع استمرار تعرض لبنان للقصف “الإسرائيلي”، في خرق واضح للاتفاق، ردّت عليه إيران بمواصلة إغلاق مضيق هرمز جزئياً، والتهديد باستئناف القتال إذا واصلت “إسرائيل” حملتها الهمجية ضد لبنان.

أوراق التفاوض

أمام هذا المشهد، ماذا يحمل كل طرف من أوراق على طاولة المفاوضات؟

من الواضح أن الطرف الأمريكي يمتلك ورقة القوة العسكرية الهائلة، التي لا تضاهيها أي قوة في المنطقة والعالم، فضلًا عن الدعم المطلق الذي يقدمه لحليفته “إسرائيل”، بما في ذلك منحها ضوءًا أخضر لانتهاك القانون الدولي. وهذه الورقة ليست أمرًا بسيطًا، خصوصًا أن حجم الدمار الذي لحق بإيران خلال الأربعين يومًا الماضية كان كبيرًا للغاية.

في المقابل، يحمل الجانب الإيراني عدة أوراق:

  • أولها الصمود، الذي أبدته إيران برغم الخسائر الكبيرة، سواء في القيادات أو في البنى التحتية.
  • ثانيها ورقة مضيق هرمز وتأثير إغلاقه على الاقتصاد العالمي، وإمكانية مضاعفة هذا التأثير عبر مضيق باب المندب من خلال حليفتها حركة أنصار الله.
  • ثالثها الردع المتبادل، عبر التهديد باستهداف مصالح مماثلة في الخليج و”إسرائيل”.

أما ميدانيًا، فيبرز صمود المقاومة في لبنان في مواجهة الهجوم البري “الإسرائيلي”، وتكبيده خسائر كبيرة، وجرّه إلى حرب استنزاف طويلة، قد تنتهي كما انتهت تجربة الاحتلال عام 2000.

لبنان: ورقة ضغط

عشية المفاوضات، يبدو جليًا أن الجانب “الإسرائيلي”، بدعم أمريكي، يستخدم لبنان كورقة ضغط. فالمجزرة التي ارتُكبت أمس (الأربعاء) على امتداد الأراضي اللبنانية هي نموذجٌ أسود لهذا الضغط.

ويستفيد هذا المحور من موقف الدولة اللبنانية، الذي عبّر عنه رئيس الحكومة نواف سلام، بقوله إن لا أحد يفاوض باسم الدولة اللبنانية، وهو ما فُسّر على أنه رفض ضمني لإدراج لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار، في موقف أثار استغرابًا حقيقياً؛ كما أن متابعة الموقف الرسمي اللبناني تثير تساؤلات جدية حول مدى الرغبة في وقف الحرب. فمنذ اليوم الأول، أعلنت الحكومة اللبنانية عن سحب الجيش من المناطق الحدودية، واعتبار كل من يحمل السلاح خارجًا عن القانون، في إشارة إلى المقاومة.

وقد تُرجم ذلك باعتقال عدد من المقاومين وإحالتهم إلى المحكمة العسكرية، في وقت يستمر فيه العدوان.

وفي السياق نفسه، أعلن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون عجز الدولة عن مواجهة العدوان، كما أطلق مبادرة للتفاوض المباشر مع “إسرائيل” من دون شروط، في خطوة اعتُبرت مخالفة للدستور اللبناني، ولم تلقَ أي تجاوب من الطرف الآخر.

وفي المقابل، لم تبادر الدولة اللبنانية إلى تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي برغم الإدانات الدولية الواسعة ولا سيما الأوروبية، واكتفت بإعلان يوم حداد وطني.

إلى أين تتجه المفاوضات؟

في ضوء ما سبق، لا توحي الأجواء بإمكانية التوصل إلى اتفاق سريع. وقد يشكل اليوم الأول من المفاوضات مؤشرًا حاسمًا على اتجاه الأمور: إما نحو تسوية، أو نحو انفجار جديد.

هامش الحركة لدى الجانب الأمريكي يبدو محدودًا بخيار القوة، بينما يتمتع الجانب الإيراني بهامش مناورة أوسع قائم على الصمود وتعدد أوراق الضغط.

إقرأ على موقع 180  "بابا المفاجآت" ولبنان: هل يستقيل البطريرك الراعي؟

وإذا لم تنهَر المفاوضات منذ بدايتها، فقد يتم تمديد وقف إطلاق النار لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي أطول.

أما لبنان، فيبقى خارج أولويات التفاوض المباشر، موزعًا بين ورقتين:

  • ورقة رسمية في يد الجانب الأمريكي،
  • وورقة مقاومة في يد الجانب الإيراني.

وفي ظل هذا الواقع، ستستمر المفاوضات فيما لبنان تحت النار. وإذا تكررت مجازر بحجم ما حدث مؤخرًا، فإن احتمال انهيار المسار التفاوضي يصبح كبيرًا، مع ما يحمله ذلك من مخاطر اتساع الحرب مجدداً.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  معبر جديد بين إيران وباكستان: دفء سياسي وتجاري