لبنان.. خطاب الكراهية المرذول؛ مَن يُحاسب مَن؟

خطابُ الكراهيةِ شاعَ في لبنان. لا مفاجأة لكنْ كارثة. لا غرابة لكنْ شرارة. لا جديدَ لكنْ سوسٌ قديمٌ ناخِرٌ منذ نحو قرنين. نعم: سوسٌ، فشرارةٌ، فكارثةٌ. نبقى هنا ضمن استخدام مصطلحات علم الاجتماع السياسي. لا ننزلقُ إلى التُرّهاتِ غير العلمية التي تتسرَّبُ غازاً ساماً من بعض وسائل الإعلام اللبنانية، وكثيرٍ من وسائط التواصل الاجتماعي. غازٌ يقتل الأحلام الوطنية. وينشر التزييف التاريخي. ويعمِّق الانقسام، ويؤبِّدُ الطائفيَّة، ويُشعل حرب النصوص والنفوس تمهيداً لحربٍ أهلية، وتشبُّهاً بحربِ البَسوس.

لو أنَّ عددَ مَن يكتبون قليلٌ أو هم مجرَّد مُراهقينَ من دون غطاءٍ سياسي، ومن دون سكوت رسميٍّ لكان التغاضي مُمكناً. أمَّا أنْ يُطلَّ عليْنا من يروْنَ أنفسهم “نُخبةَ النخب”، ليشجِّعُوا التحريض الطائفي والهوس الاستعلائي العنصري، وليُطلقوا تصريحات مثيرةً، فهو أمر لا يجوز السكوت عنه، ومن يسكتُ فهو إمَّا غيرُ مدركٍ المخاطرَ، أو يائسٌ، أو مهملٌ يتجاهلُ الدستور اللبناني وقانون العقوبات، أو مُتواطىءٌ يريد أن تتوسع حالة الانقسام في لبنان أفقياً وعاموديَّاً.

المُتواطىءُ هو الأشدُّ خطراً بين هذه المجموعات. والنماذج كثيرةٌ هنا. تدور كلُّها في هذه المرحلة حول الهجوم العنصري على الطائفة الشيعيَّة في لبنان والعالم. ومِنْ قَبْلُ طالتْ مثلُ هذه الهجَمات طوائف أخرى. قد يظُنُّ القارىءُ أنني أنتمي بالولادة إلى المذهب الجعفري الاثنيْ عشْري من الصيرورة الإمامية الشيعية في تاريخ الإسلام، لكنني في الحقيقة لست كذلك. ولا أُقارِبُ المسائل من زاوية دينية بل من زاوية علمية ووطنية وإنسانية. إنَّ الهجوم على الشيعة الآن أو على أيِّ طائفةٍ أخرى، هو هجوم على لبنانَ وعلى احتماليَّةِ الوطن فيه، مثلما هو هجومٌ على وحدة لبنان كالسهم النجيف. ومن هذا المنطلق ندخل إلى تفكيك هذه العنصرية.

بالأمسِ القريب خرج علينا رئيس حزب الوطنيين الأحرار، النائب في البرلمان اللبناني، كميل دوري شمعون، حفيد الرئيس الراحل كميل نمر شمعون في فيديو بودكاست “يُهزِّىْ فيها الطائفة الشيعية، ويسخر من رجال الدين فيها، ومن لِباسهم، ومن صورهم، ويصفُهم بأنهم بشِعونَ، ويُشوِّهون طريقَ المطار في مدخل بيروت”. وعندما قال له المذيع: “إنَّ لباس رجال الدين هو تقليد تاريخي عندهم مثلما هي الحال عند المسيحيين” ردَ النائب شمعون” لكنَّ أولئك مُرتَّبون” غامزاً من قناة رجال الدين الشيعة الذين كرَّر القول عنهم “بأنهم يلبسون ثياباً مضى عليها أكثر من ألف عام”(كذا). وقبل ذلك تحدَّث آخرون من النوعية نفسها، وكانت أبرزَهم مَن تُعْرَفُ بوزيرةِ القواتِ اللبنانية السابقة مي شدياق التي قالت عنِ الشيعة “إنَّ ثقافتهم لا تُشبهُ ثقافتنا” وإنَّ في وسط بيروت “مطاعمَ تُشوِّهُ صورةَ العاصمة لأنها لا تقدِّم الخمور”، و”إنَّ بيروتَهم لا تشبه بيروتنا”[الخطير أنَّ عدداً هائلاً من الصفحات الرقميَّةِ تناقلت كلام شمعون وشدياق بما يعكس حالةً يُرادُ لها أنْ تترسَّخ اجتماعياً وثقافياً- يا للكارثة].

وليسَ صُدفةً أبداً أنْ تتفاقمَ هذه النزعات العنصرية المذهبية بالتزامن معَ اشتداد العدوان الإسرائيلي على لبنان، وبالترافق مع صمود المقاومة وأبناء الجنوب، وكان هؤلاءِ العنصريونَ يُراهنونَ على ذبح المقاومة، والتخلّي عن الجنوب،[كما ظهر لاحقاً في ما يُسمَّى اتفاق الإطار] وتسليم لبنان إلى الفلك الإبراهيمي اليهودي، والخروج من منطق السيادة الوطنيّة إلى سيادةٍ ضيقةٍ تحت عنوان طائفي. وطبيعةُ هذا العنوان تؤكِّد أنه لا يهدف إلى تحرير الأرض والشعب بل إلى تفتيت الأرض والشعب وإطلاق غِيلانِ الكونفدراليات الطائفية بذرائعَ ثقافيةٍ وهُويَّاتية على طريقة مي شدياق وكميل شمعون وغيرهما ممن يمثِّلون بيئةً جرى التأسيس الاستعماري لها منذ إنشاء الكيان اللبناني.

هذه العنصريات كانت موجودةً. أمَّا أدْلَجتُها الراهنة فمستمرَّةٌ منذ عام 1920 مع تأسيس ما يُعرفُ بلبنان الكبير، لكنَّ الفضاء الرقمي الحديث جعلها أكثر سخونةً وخطورةً، ومنحها قابِليَّةً واسعةً للتناقل والانتشار. وعطَّل التفكَّرَ النقديَّ بإزائها، فالإنترنت اليوم برغم فوائدها تحوَّلتْ إلى طوطم عصري أو إلى قداسةٍ مفتعلة وخدَّاعة بسبب سطوة النص المنشور المتكرِّر الذي يوحي أنه صحيح وليس بالضرورة أن يكون صحيحاً. وهكذا تجري اليوم شيْطنة المقاومة، وشيطنة الشيعة، لإعفاء العدوِّ الإسرائيلي من مسؤولياته الجُرمية بحيث نرى أول مرة في التاريخ اتفاقاً مثل “اتفاق الإطار” يلقي المسؤولية على المُعتدَى عليه لا على المعتدِي، وعلى الشعبِ المحتلةِ أرضُهُ لا على الاحتلال.

وهكذا يتضح دورُ الذباب الإلكتروني الذي يهاجم الشيعة اليوم كونُهم الديموغرافيا الأوسع لاحتضان المقاومة. وقد يُهاجم هذا الذبابُ غيرَهم غداً في سياقِ مشروع ٍ بات واضحاً يُلاقي فيه العنصريون الطائفيون العدوَّ الإسرائيلي في الطريق عَبْرَ اِحتلالٍ لِلُّغةِ والمجتمع ِيُوازي اِحتلالَ الأرض، ويحَتِّمُ علينا أنْ نُحرِّرَ في المستقبل الاثنينِ معاً.

وعندما نشيرُ إلى أنَّ هذه النزعات العنصرية كانت موجودة، ولا سيّما ضدَّ الشيعة وأبناء الجنوب تحديداً، فإننا نلتزم بصيرورة الوقائع التاريخيَّة قبل ما يربو على قرن. لقد أخطأت المارونيَّة السياسية إثر تسلُّمها “لبنان الكبير” من الاستعمار الفرنسي، إذْ رأتْه مجالاً لـِ”وطنٍ قوميّ مسيحيّ” ففشلت في بناء وطن ودولة وأشاعت ثقافةً طائفية حطَّمت التواصل على أساس المواطنية. يكفي أن نتذكر ما كان يقوله النائب الراحل إدوارحنين عن “أنَّ لبنان هو نتاجُ المشروع الماروني التاريخي”، وما ردَّدُهُ رئيسُ الجامعة اللبنانية فؤاد إفرام البستاني في قوله الشهير”إنَّ لبنانَ يجب أن يكون صلةَ وصلٍ حضارية بين اليهود والعرب”. أمَّا سعيد عقل فقد هبط إلى القول” إنَّ الجيش الإسرائيلي هو جيش خلاص اللبنانيين، وهو أداةٌ لتطهير الأرض اللبنانية”[سمير جعجع يتبنَّى المنطلقات نفسها].

إقرأ على موقع 180  إرهاب "الإمبراطورية".. غذائي ونووي وأمني

هذه الإيديولوجيا هي الخلفية الفكرية للهجوم الراهن على الطائفة الشيعية، وهو في الحقيقة هجوم على لبنان-الوطن والدولة، مثلما هو تعبير عن خوفٍ مرَضيٍّ من فقدانِ سيطرةِ طائفةٍ بذاتِها على السلطة التي لم تنتجْ دولةً حتى هذه اللحظة. وهذا ينسف اتفاق “الطائف”(1989)، أكثر مما نسفه “اتفاق الإطار”. والغريب أنَّ أيَّاً منَ السلطة التنفيذية والسلطة القضائية لم تتحرَّك لإيقاف هذه الهجمات العنصرية بالرغم من أنَّ مقدِّمة الدستور اللبناني[الفقرة “ي”] تشدِّد على عدم المساس بالعيش المشترك. وفوق هذا فإنَّ قانون العقوبات اللبناني يُجَرِّم الإساءة للطوائف [المواد317-473-474] وتتراوح العقوبات بالسجن بين سنة وثلاث سنوات.

ماذا ينتظرون لتحريك دعوى الحق العام على الأقل؟ ما الذي يمنع من ذلك لدى وزير العدل، ووزير الإعلام؟ كي يشعر هؤلاء بأنَّ ما يقومون به هو جريمة بحقِّ كل لبنان لا بحق طائفة وحدها.. حمى الله وحدة لبنان.

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  ما هي التحديات التي تواجه إسرائيل في 2025؟