جيوبوليتيك الممرات.. كيف أعاد هرمز إحياء خطوط الطاقة والتجارة؟

منذ عقود، ظل مضيق هرمز يشكل الشريان الذي تعبر منه نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج، لكن اغلاقه خلال الحرب التي شنتها أميركا وإسرائيل ضد إيران في 28 شباط/فبراير، وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة والشحن والتأمين، دفعت الولايات المتحدة وحلفاءها وشركاءها الإقليميين إلى إعادة النظر في معادلة أمن الطاقة. لم يعد السؤال المطروح هو كيف يمكن حماية مضيق هرمز، بل كيف يمكن تقليل الحاجة إليه؟

هذا التحول لا يتعلق بمضيق هرمز وحده، بل يعكس انتقالاً أوسع من جيوبوليتيك المضائق إلى جيوبوليتيك الممرات. فبدلاً من تركيز الاستثمارات والرهانات الاستراتيجية على حماية نقاط الاختناق البحرية، يتجه التفكير نحو بناء شبكة متكاملة من خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والموانئ والممرات البرية القادرة على توزيع المخاطر وتوفير بدائل متعددة للطاقة والتجارة. وفي قلب هذه الشبكة تعود سوريا والعراق وتركيا إلى الواجهة، ليس بوصفها ساحات نزاع، وإنما باعتبارها عقداً جغرافية لا يمكن تجاوزها في أي خريطة جديدة للطاقة في الشرق الأوسط.

إحياء خط بانياس

أكثر المشاريع التي تعكس هذا التحول هو خط أنابيب كركوك-بانياس، الذي ظل لعقود أحد أبرز مشاريع الطاقة المجمدة في الشرق الأوسط. فقد شكّل هذا الخط، منذ تشغيله في منتصف القرن الماضي، المنفذ الطبيعي للنفط العراقي نحو البحر الأبيض المتوسط، قبل أن تؤدي الحروب والخلافات السياسية والعقوبات الدولية إلى تعطيله، لتنتقل صادرات العراق بصورة شبه كاملة إلى الخليج العربي وموانئ البصرة.

اليوم، يعود هذا الخط إلى دائرة النقاش الاستراتيجي، ولكن في سياق مختلف تماماً. فلم يعد الهدف مجرد إعادة تشغيل أنبوب متوقف، بل إنشاء مسار يقلل اعتماد العراق، ومن خلفه الأسواق العالمية، على مضيق هرمز. فكل برميل يصل إلى البحر المتوسط عبر سوريا يعني برميلاً أقل عرضة للمخاطر التي قد تنشأ في الخليج، وكل خط بري جديد يضيف مرونة إلى منظومة الطاقة العالمية.

ومن هذه الزاوية، لم يعد كركوك-بانياس مشروعاً سورياً أو عراقياً فحسب، بل أصبح جزءاً من تصور أميركي وأوروبي وخليجي أوسع لتنويع طرق الإمداد وتقليل أثر الأزمات الجيوسياسية على الأسواق العالمية.

ولا يقتصر الأمر على كركوك – بانياس، إذ أن هناك دفعاً أميركياً لإنشاء خطين آخرين أولهما يمتد من البصرة في جنوب العراق إلى منطقة فيشخابور شمالاً عند نقطة الحدود العراقية التركية، على أن يتم ربطه لاحقاً بخط كركوك وصولاً إلى ميناء جيهان التركي. أما الخط الثاني فينطلق من البصرة إلى مدينة حديثة في محافظة الأنبار في غرب العراق، ومن هناك يتصل في المرحلة الأولى بخط كركوك – بانياس، قبل أن يصل لاحقاً إلى الأردن وخليج العقبة. وهناك مشاريع أخرى تتصل بالعراق مثل الأنبوب الإماراتي البحري باتجاه جنوب العراق.

الممرات البديلة

غير أن كركوك – بانياس وغيره من الممرات ليسوا سوى حلقة في شبكة آخذة في التشكل. فالمشهد الحالي يشهد تزامن عدد من المشاريع التي تبدو منفصلة، لكنها تتقاطع في الهدف نفسه: إنشاء بدائل استراتيجية لمضيق هرمز.

فالعراق يواصل العمل على طريق التنمية الذي يربط ميناء الفاو بتركيا وأوروبا عبر شبكة من السكك الحديدية والطرق السريعة، فيما تتجدد النقاشات حول إعادة تأهيل خط التابلاين التاريخي، وتعود إلى الواجهة مشاريع نقل الغاز من الخليج نحو تركيا وأوروبا عبر الأراضي السورية. وفي الوقت نفسه، يواصل الممر الأوسط تعزيز مكانته بوصفه طريقاً بديلاً يربط آسيا الوسطى بأوروبا متجاوزاً الأراضي الروسية، بينما يمثل الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-الأوروبي (IMEC) محاولة لربط الهند بأوروبا عبر الخليج وشرق المتوسط.

هذه المشاريع ليست متنافسة بالضرورة، لكنها تعكس اتجاهاً واحداً يتمثل في بناء شبكة متعددة المسارات بدلاً من الاعتماد على طريق واحد. فكل ممر جديد يقلل من المخاطر المرتبطة بالممرات الأخرى، ويزيد قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات الناجمة عن الأزمات السياسية أو العسكرية.

العودة السورية

ضمن هذه المعادلة الجديدة، تستعيد سوريا قيمة موقعها الجغرافي. فمنذ اندلاع الحرب السورية، ارتبط الحديث عن البلاد بملفات الأمن والارهاب واللاجئين وإعادة الإعمار، غير أن التحولات الأخيرة تعيد تقديمها من زاوية مختلفة: بوابة بين الخليج والبحر المتوسط، وعقدة محتملة لخطوط النفط والغاز والسكك الحديدية.

فإذا أعيد تشغيل خط كركوك – بانياس (يعمل حالياً خط الصهاريج)، وربط مستقبلاً بشبكات نقل النفط والغاز القادمة من الخليج أو العراق، فإن استقرار سوريا لن يصبح مطلباً سياسياً أو إنسانياً فحسب، بل مصلحة اقتصادية مباشرة للدول المنتجة للطاقة والدول المستوردة لها، وكذلك لشركات الاستثمار والبنية التحتية.

وهنا يكمن التحول الأهم. فالدول التي تتحول إلى ممرات استراتيجية تكتسب نوعاً مختلفاً من الأهمية؛ إذ يصبح أمنها واستقرارها جزءاً من أمن التجارة العالمية، وهو ما يمنحها وزناً سياسياً يتجاوز حدود قدراتها الاقتصادية أو العسكرية.

المحور التركي

ولا يمكن فهم هذه الشبكة من دون تركيا، التي تعمل منذ سنوات على ترسيخ موقعها مركزاً إقليمياً للطاقة. فهي تستقبل بالفعل الغاز القادم من روسيا وأذربيجان، وتسعى إلى استقطاب مزيد من الإمدادات من شرق المتوسط وآسيا الوسطى. وإذا أضيفت إليها مستقبلاً خطوط قادمة من العراق أو الخليج عبر سوريا، فإنها ستتحول من دولة عبور إلى مركز لتجميع وتوزيع الطاقة نحو الأسواق الأوروبية.

إقرأ على موقع 180  "هآرتس": جولة قتالية أم حرب.. لننتظر "رد نتنياهو"!

ومن هنا، فإن معظم الممرات المطروحة، سواء كانت عراقية أو سورية أو خليجية، تتقاطع عند نقطة واحدة هي الأناضول، الأمر الذي يفسر الحضور التركي المتزايد في النقاشات المتعلقة بإعادة رسم خرائط النقل والطاقة في المنطقة.

صراع الممرات

خلال القرن العشرين، تمحورت المنافسة الجيوسياسية حول السيطرة على حقول النفط ومصادر الإنتاج. أما اليوم، فتتجه المنافسة بصورة متزايدة نحو السيطرة على الممرات التي تنقل الطاقة والسلع والبيانات. ولم تعد قيمة الدولة تقاس بما تملكه من موارد طبيعية فقط، بل أيضاً بما توفره من طرق آمنة وفعالة تربط بين المنتجين والمستهلكين.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى أزمة مضيق هرمز بوصفها نقطة تحول في التفكير الاستراتيجي. فبدلاً من الاكتفاء بحماية الممرات القائمة، تتجه القوى الكبرى إلى إنشاء ممرات جديدة تقلل من تأثير أي نقطة اختناق منفردة. وإذا استمرت هذه الدينامية، فقد لا يكون السؤال في السنوات المقبلة من يسيطر على مضيق هرمز، بل من ينجح في بناء الشبكة الأكثر كفاءة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا.

وعندها، لن يكون إحياء خط كركوك-بانياس مجرد إعادة تشغيل لأنبوب نفطي قديم، بل أحد المؤشرات على انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة، تصبح فيها الجغرافيا الاقتصادية هي العامل الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل التوازنات السياسية، ويغدو الصراع على الممرات أكثر حسماً من الصراع على الموارد نفسها.. وما يسري على هرمز يسري على باب المندب وقناة السويس ومضيق جبل طارق.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "نيويورك تايمز": أميركا تدفع ثمن حربها المتهورة على إيران