أولًا؛ منطق التسوية وإشكالية إنهاء الحرب
لم يعد خيار وقف إطلاق النار كافيًا لإدارة الصراع، إذ تشير التجارب الحديثة إلى أن النزاعات المعقّدة تتطلب مسارًا تدريجيًا يتدرج من خفض التصعيد، إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وصولًا إلى تسوية سياسية شاملة. وفي هذا السياق، تبدو المقاربة الإيرانية أقرب إلى السعي نحو إنهاء الحرب كليًا، بدل الاكتفاء بترتيبات مؤقتة.
تستند هذه المقاربة إلى فرضية أن امتلاك أوراق ضغط ميدانية، وخصوصًا في ما يتعلق بمضيق هرمز، يُمكن أن يعزز موقع إيران التفاوضي. كما أن إدخال أطراف دولية وسيطة، مثل الصين أو روسيا، يعكس إدراكًا لطبيعة التحولات في النظام الدولي، حيث لم تعد الولايات المتحدة الفاعل الوحيد القادر على إدارة التسويات الكبرى.
غير أن هذا المسار يواجه تحديات أساسية، أبرزها فجوة الثقة بين الأطراف، وصعوبة تقديم ضمانات أمنية مستدامة، إضافة إلى تشابك الجبهات الإقليمية المرتبطة بالنزاع، ناهيك بدور اللوبيات الإسرائيلية وقدرتها على التأثير في دائرة القرار المحيط بترامب.
ثانيًا: منطق التصعيد وإعادة تثبيت الردع
في المقابل، يمكن فهم خيار التصعيد ضمن إطار أوسع يتعلق بمفهوم الهيمنة البحرية ودوره في تشكيل النظام الدولي. فإغلاق مضيق هرمز لا يُقاس فقط بتأثيره على إمدادات الطاقة، بل أيضًا بقدرته على تحدي مبدأ حرية الملاحة الذي يشكّل أحد أعمدة النفوذ الأمريكي ليس في منطقة الخليج بل في خارطة الممرات البحرية العالمية.
تاريخيًا، ارتبط صعود القوى الكبرى، كما في الحالة البريطانية (الامبرطورية التي لا تغيب عنها الشمس)، بالسيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية. ومن هذا المنظور، فإن أي تراجع أمريكي في هذا المجال قد يُفسَّر بوصفه مؤشّرًا على تحوّل في موازين القوى العالمية، خصوصًا في ظل صعود قوى منافسة مثل الصين. بعد الحرب العالمية الثانية، خلصت الولايات المتحدة إلى أن الحروب البرية مكلفة بشريًا وماديًا وسياسيًا أما السيطرة على البحار فتعني التحكم بمسارات الحروب، وهذا الأمر، كما أسلفنا القول، مستوحى من التجربة البريطانية سابقًا، أي حكم العالم بالأساطيل وليس بالجيوش البرية. لذا صار في صلب عقيدة الجيش الأمريكي أن من يسيطر على البحر يسيطر على العالم؛ وعليه، قد ترى واشنطن في التصعيد مع إيران وسيلة لإعادة تثبيت الردع، ومنع تكريس سابقة جيوسياسية قد تُستنسخ في مناطق أخرى من العالم.
ثالثًا: أدوات التصعيد وحدودها
- استهداف البنية التحتية النفطية
يُعد استهداف منشآت حيوية مثل جزيرة خارك خيارًا واردًا ضمن منطق الضغط الاقتصادي أو وضع السلم على الشجرة لرسم “صورة نصر” يُصبح النزول من بعده أسهل على دونالد ترامب. إلا أن هذا الخيار البري ينطوي على مخاطر متعددة: أولاً قد يتعطّل إنتاج النفط مؤقتاً؛ ثانياً ستُضرم إيران النار في المنشآت التي تقع في مرمى صواريخها في المنطقة، ما سيزيد الوضع تعقيداً على الأمريكيين والمنطقة، وثالثاً سيتكبد الأميركيون خسائر غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.
وثمة مخاطر أخرى أبرزها الآتي:
- احتمال توسّع الصراع ليشمل البنية التحتية للطاقة في المنطقة.
- تعقيد عمليات الحماية العسكرية للأهداف المستهدفة.
- انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً مع انضمام جبهة اليمن إلى الحرب (باب المندب).
كما أن العمليات البرمائية المحتملة للسيطرة على الجزر الاستراتيجية في مضيق هرمز تواجه قيودًا جغرافية ولوجستية، تقلل من فعاليتها العملياتية.
- الخيار النووي كأداة ردع قصوى
يمثل اللجوء إلى السلاح النووي التكتيكي أحد السيناريوهات المطروحة نظريًا، ولو أن كلفته الاستراتيجية مرتفعة للغاية، إذ إن استخدامه قد يؤدي إلى:
- تسريع الانتشار النووي، عبر دفع إيران إلى تطوير قدراتها النووية.
- تآكل شرعية النظام الدولي القائم على عدم استخدام هذا السلاح.
- تعزيز التماسك الداخلي لدى الطرف المستهدف بدل إضعافه.
- إدخال إيران في مرحلة من الفوضى التي لا يستفيد منها أحد.
لذلك، يُنظر إلى هذا الخيار باعتباره غير قابل للتطبيق عمليًا، برغم حضوره في التحليلات النظرية.
خلاصة تحليلية
تكشف هذه السيناريوهات عن معضلة استراتيجية مزدوجة تواجه الولايات المتحدة:
- التسوية السياسية قد تُضعف صورة الردع.
- التصعيد قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع وتدحرجه وتجاوز السيطرة عليه.
وفي هذا الإطار، يتضح أن الحسم في مثل هذه النزاعات لا يرتبط فقط بالتفوق العسكري، بل بقدرة الأطراف على إدارة الوقت، والتحكم بالكلفة، والتكيف مع بيئة دولية وإقليمية آخذة في التحول؛ وبالتالي، فإن مآلات الحرب ستتحدد بدرجة كبيرة وفق التوازن بين هذه العوامل، أكثر مما تتحدد بنتائج العمليات العسكرية المباشرة.
