حرب الرقائق الإلكترونية.. السلاح الخفي في الصراع على قيادة العالم

لقد أثبتت العقود الأخيرة أن عناصر القوة في العلاقات الدولية لم تعد تقتصر على حجم الجيوش أو مخزون النفط والغاز أو حتى الترسانات النووية، بل أصبحت ترتبط، بدرجة متزايدة، بالقدرة على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة والتحكم في سلاسل إنتاجها. وفي هذا السياق، تحولت الرقائق الإلكترونية من مكوّن صغير داخل الأجهزة الحديثة إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تتنافس عليها القوى الكبرى، لأنها تمثل العقل الذي يدير الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وشبكات الاتصالات، والصناعات العسكرية، والفضاء، وكل ما يرتبط بالثورة التكنولوجية المعاصرة.

منذ اندلاع الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين عام 2018، ثم إدراج شركة «هواوي» الصينية على القائمة التجارية المقيدة عام 2019، وصولاً إلى القيود الواسعة التي فرضتها واشنطن ابتداءً من عام 2022 على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين، تحولت أشباه الموصلات إلى إحدى أكثر ساحات الصراع الدولي حساسية. ولم يعد الهدف الأمريكي يقتصر على الحفاظ على التفوق الصناعي، بل أصبح يركز أيضًا على إبطاء التقدم التكنولوجي الصيني في المجالات ذات الاستخدامات المدنية والعسكرية المزدوجة.

ماهية الرقائق الإلكترونية

تُعد الرقائق الإلكترونية، أو أشباه الموصلات (Semiconductors)، من أهم الابتكارات التقنية التي غيّرت وجه العالم خلال العقود الأخيرة. فهي المكوّن الأساسي الذي يمنح الأجهزة الإلكترونية قدرتها على التفكير والحساب والتحكم، حتى بات من الصعب تخيل أي منظومة تكنولوجية حديثة تعمل من دونها.

وتصنع الرقاقة الإلكترونية، في الغالب، من السيليكون، وهو عنصر يتميز بخصائص كهربائية تجعله قادرًا على العمل وسيطًا بين المواد الموصلة والعازلة للكهرباء، ومن هنا جاءت تسمية «أشباه الموصلات». وتحتوي الرقاقة الواحدة على ملايين، بل مليارات، من الترانزستورات المجهرية التي تعمل كمفاتيح إلكترونية فائقة السرعة، تنظم مرور الإشارات الكهربائية وتعالج البيانات وتخزنها، بما يسمح بتنفيذ مليارات العمليات الحسابية في الثانية الواحدة.

ولم تعد الرقائق الإلكترونية مجرد مكوّن داخل جهاز إلكتروني، بل أصبحت «العقل» الذي يدير معظم التقنيات الحديثة، بدءًا من الهواتف الذكية والحواسيب الشخصية، مرورًا بمراكز البيانات والحوسبة السحابية، وصولًا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي والسيارات ذاتية القيادة والطائرات المدنية والعسكرية والأقمار الصناعية وأنظمة الاتصالات الحديثة والأسلحة الذكية.

ولهذا أصبحت صناعة الرقائق الإلكترونية إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الرقمي العالمي، كما غدت معيارًا رئيسيًا للقوة الاقتصادية والعلمية والعسكرية للدول، وأحد أهم عناصر المنافسة الاستراتيجية بين القوى الكبرى.

كيف تُصنع الرقائق الإلكترونية؟

تُعد صناعة الرقائق الإلكترونية من أكثر الصناعات تعقيدًا في العالم، إذ تتطلب تكامل آلاف العمليات الصناعية والهندسية الدقيقة، وتشارك فيها عشرات الشركات المتخصصة المنتشرة في عدد محدود من الدول.

وتبدأ رحلة التصنيع باستخراج رمل السيليكا عالي النقاء، الذي يُستخلص منه السيليكون بعد سلسلة طويلة من عمليات التنقية الكيميائية. ثم يُذاب السيليكون ويُحوَّل إلى أسطوانات بلورية ضخمة تُعرف باسم السبيكة البلورية (Silicon Ingot)، قبل أن تُقطّع إلى شرائح رقيقة للغاية تُسمى الويفر (Wafer)، وهي القاعدة التي تُبنى عليها الدوائر الإلكترونية.

وتأتي بعد ذلك المرحلة الأكثر تعقيدًا، وهي الطباعة الضوئية (Photolithography)، حيث تُستخدم أجهزة بالغة الدقة لرسم أنماط الدوائر الإلكترونية على سطح الويفر باستخدام الأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV). وتُعد هذه الأجهزة، التي تنتجها عمليًا شركة هولندية واحدة هي (ASML)، من أكثر المعدات الصناعية تعقيدًا في العالم، حتى إن تصنيع الجهاز الواحد يتطلب آلاف المكونات القادمة من عشرات الدول.

وتتكرر بعد ذلك عمليات الترسيب، والحفر الكيميائي، والتطعيم بعناصر مثل الفوسفور أو البورون، ثم إضافة طبقات معدنية من النحاس أو الكوبالت أو التنغستن، قبل أن تُختبر الرقائق وتُقطّع إلى وحدات منفصلة وتُغلّف لتصبح جاهزة للاستخدام في مختلف الصناعات.

ولأن إنتاج الرقاقة الواحدة يمر بمئات الخطوات الدقيقة داخل بيئات تصنيع شبه معقمة، فإن إنشاء مصنع متقدم للرقائق يحتاج إلى استثمارات تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات، وإلى خبرات تراكمت عبر عقود، وهو ما يفسر صعوبة دخول دول جديدة إلى هذه الصناعة.

خريطة صناعة الرقائق الإلكترونية

على الرغم من أن الرقائق الإلكترونية تُعد المنتج الصناعي الأكثر تعقيدًا في العالم، فإن أياً من الدول الكبرى لا يستطيع إنتاجها بمفرده من البداية إلى النهاية. فقد تشكلت خلال العقود الثلاثة الماضية سلسلة إنتاج عالمية شديدة التشابك، توزعت حلقاتها بين عدد محدود من الدول، بحيث أصبحت صناعة الرقائق نموذجًا فريدًا للعولمة الصناعية.

وتقود الولايات المتحدة العالم في تصميم الرقائق الإلكترونية وتطوير معمارياتها، من خلال شركات مثل (NVIDIA وAMD وQualcomm وBroadcom)، إضافة إلى ريادة شركة (Intel) في التصميم والتصنيع معًا. أما تايوان، فتحتل الموقع الأكثر حساسية في هذه الصناعة، إذ تضم شركة (TSMC)، أكبر مصنع تعاقدي للرقائق في العالم، والمسؤولة عن إنتاج معظم الرقائق المتقدمة التي تعتمد عليها شركات التكنولوجيا الكبرى.

وتأتي كوريا الجنوبية في المرتبة التالية بفضل شركتي (Samsung Electronics وSK Hynix)، اللتين تتصدران إنتاج رقائق الذاكرة وأجزاء مهمة من الرقائق المتطورة. وفي المقابل، تحتفظ اليابان بموقع محوري في إنتاج المواد الكيميائية فائقة النقاء، ورقائق السيليكون، والمعدات الصناعية الدقيقة اللازمة لعمليات التصنيع، بينما تحتكر هولندا، عبر شركة (ASML)، إنتاج أجهزة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV)، التي لا يمكن تصنيع أكثر الرقائق تقدمًا من دونها.

إقرأ على موقع 180  "آسيا تايمز": ماذا عن حماقات بايدن وجونسون في الأزمة الأوكرانية؟

أما الصين، ورغم أنها تُعد أكبر سوق عالمي لاستهلاك الرقائق الإلكترونية، فإنها لا تزال تعتمد بدرجات متفاوتة على الخارج في الحصول على التقنيات والمعدات الأكثر تطورًا، وهو ما دفعها منذ سنوات إلى ضخ استثمارات هائلة لبناء صناعة محلية متكاملة، بهدف تقليص اعتمادها على الموردين الأجانب وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

وفي المقابل، تمتلك الهند قاعدة واسعة في تصميم البرمجيات والدوائر الإلكترونية، وتستضيف مراكز هندسية لعدد كبير من الشركات العالمية، إلا أنها ما زالت في بداية الطريق لبناء صناعة متقدمة لتصنيع الرقائق، وهو ما يجعلها لاعبًا واعدًا أكثر منها منافسًا رئيسيًا في الوقت الراهن.

إن هذا التشابك في توزيع الأدوار يعني أن أي اضطراب يصيب إحدى حلقات سلسلة الإنتاج يمكن أن يمتد أثره سريعًا إلى بقية العالم، وهو ما ظهر بوضوح خلال جائحة «كوفيد-19»، حين أدى النقص في الرقائق الإلكترونية إلى تعطيل إنتاج السيارات والأجهزة الإلكترونية والطائرات والعديد من الصناعات الأخرى.

كيف تحولت الرقائق إلى ساحة للصراع الدولي؟

كان النفط، طوال القرن العشرين، يمثل عصب الاقتصاد العالمي ومصدرًا رئيسيًا للقوة الجيوسياسية. أما اليوم، فقد أصبحت الرقائق الإلكترونية تؤدي دورًا لا يقل أهمية، لأنها تتحكم في التكنولوجيا التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والصناعات العسكرية الحديثة.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتحول أشباه الموصلات إلى إحدى أهم ساحات المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. فمع تصاعد القوة الاقتصادية الصينية، بدأت بكين تنظر إلى التكنولوجيا المتقدمة باعتبارها المدخل الرئيسي لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي، بينما رأت واشنطن أن احتفاظها بالتفوق التكنولوجي يمثل أحد أهم عناصر قيادتها للنظام الدولي.

وانطلقت المواجهة بصورة تدريجية. ففي عام 2018 بدأت الحرب التجارية بين البلدين، قبل أن تتوسع سريعًا إلى المجال التكنولوجي. وفي عام 2019 أدرجت وزارة التجارة الأمريكية شركة “هواوي” على قائمة الكيانات المقيدة، الأمر الذي حدّ من قدرتها على الحصول على التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة. لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت ابتداءً من عام 2022، عندما فرضت الولايات المتحدة قيودًا واسعة على تصدير الرقائق المتقدمة، وأجهزة تصنيعها، والبرمجيات اللازمة لتطويرها إلى الصين، ثم دفعت حلفاءها، ولا سيما اليابان وهولندا، إلى تبني قيود مشابهة.

ولم تقتصر المواجهة على العقوبات، بل أطلقت الولايات المتحدة برنامجًا واسعًا لإعادة بناء قدراتها التصنيعية من خلال قانون الرقائق والعلوم (CHIPS and Science Act)، الذي خصص عشرات المليارات من الدولارات لدعم إنشاء مصانع جديدة داخل الأراضي الأمريكية، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الآسيوية.

وفي المقابل، واصلت الصين ضخ استثمارات ضخمة في شركاتها الوطنية، وتطوير معداتها المحلية، وتسريع برامج البحث العلمي، إدراكًا منها أن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لم يعد قضية اقتصادية فحسب، بل أصبح مسألة تتعلق بالأمن القومي وبمكانتها المستقبلية في النظام الدولي.

خاتمة

ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة والصين لا يمكن اختزاله في خلاف تجاري أو سباق صناعي، بل هو صراع على قيادة المستقبل. فالطرف الذي يمتلك القدرة على تصميم الرقائق الالكترونية الأكثر تقدمًا، أو تصنيعها، أو التحكم في المعدات والبرمجيات اللازمة لإنتاجها، لا يحقق تفوقًا اقتصاديًا فحسب، وإنما يمتلك أيضًا قدرة استثنائية على التأثير في موازين القوى العالمية لعقود مقبلة.

ولعل المفارقة الأبرز أن هذه الصناعة، التي تقوم على شريحة سيليكون لا يتجاوز حجمها بضعة سنتيمترات مربعة، أصبحت اليوم أحد أكثر الملفات تأثيرًا في الأمن القومي للدول، وفي استقرار الاقتصاد العالمي، وفي مستقبل الذكاء الاصطناعي. ولذلك، فإن الصراع الدائر حولها لن يتوقف عند حدود العقوبات أو القيود التجارية، بل مرشح لأن يبقى أحد أبرز ميادين التنافس الجيوسياسي خلال العقود المقبلة، تمامًا كما كان النفط عنوانًا للصراعات الكبرى في القرن العشرين.

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  غرينلاند.. حين يصيرُ أيُّ وطنٍ “قابلاً للشراء”