حرب الوقت.. مَن ينهار أولاً: إيران أم إرادة واشنطن؟

أكثر من ستة أشهر مضت على بداية الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، من دون أن تتضح ملامح نهايتها. ولا يزال الطرفان يسعيان إلى تحقيق انتصار، أو بلوغ تسوية تحفظ لكل منهما ما أمكن من المكاسب، في حرب يصعب حتى الآن إخضاعها لمعادلة واضحة من نوع «رابح - خاسر».

فشل الأميركيون، حتى الآن، في تحقيق هدفهم المعلن المتمثل في إسقاط النظام وإخضاع القيادة الإيرانية الجديدة لإملاءات الرئيس دونالد ترامب. وقد أظهرت تطورات الحرب للولايات المتحدة أن الحالة الإيرانية أكثر تعقيداً؛ فقتل عشرات القادة، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، لا يعني بالضرورة انهيار النظام أو الدولة أو إرادة المجتمع الإيراني. ولعل سوء تقدير قدرة الضربات العسكرية على إحداث هذا الانهيار كان من أبرز الرهانات الأميركية – الإسرائيلية التي لم تتحقق.

في المقابل، كان الأداء العسكري الإيراني متشدداً، واستُخدمت فيه الوسائل المتوافرة، مع إصرار طهران على إبراز اعتمادها على أسلحة مصنّعة محلياً، من دون إظهار مساهمة روسية أو صينية مباشرة في ترسانتها خلال الحرب. ويكتسب ذلك دلالة إضافية إذا تذكرنا أن إيران زوّدت روسيا، خلال الحرب الروسية-الأوكرانية، بأعداد كبيرة من المسيّرات من طراز «شاهد».

خاضت إيران الحرب من دون قوة جوية قادرة على موازنة التفوق الأميركي-الإسرائيلي، وبعد تعرض جزء كبير من دفاعاتها الجوية للتدمير أو التعطيل. لذلك اعتمدت نمطاً من الحرب غير المتماثلة، مستخدمة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والألغام البحرية، مع تركيز خاص على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً أمام حركة الملاحة الدولية قبل 28 شباط/فبراير 2026. وتردد واشنطن بلسان ترامب وقادة آخرين أنها أعادت فتحه، في حين تشير حركة شركات الملاحة والتأمين إلى صورة أكثر تعقيداً.

أضرار أميركية وإيرانية

استهدفت إيران قواعد ومواقع تستضيف قوات أميركية في العراق والكويت وقطر والإمارات والبحرين وعُمان والسعودية والأردن، وقصفت معظمها، موقعة فيها أضراراً متفاوتة. وتحدثت تقارير إعلامية أميركية عن تدمير أو تضرر عدد من المواقع والمنشآت العسكرية وأبرزها القاعدة اللوجستية للبحرية الأميركية في البحرين، والتي كانت تمثل مركزاً قريباً لتخزين ونقل الوقود والغذاء وقطع الغيار والإمدادات.. لكن الهدف الاقتصادي الأكثر إيلاماً كان منشأة رأس لفان لتسييل الغاز في قطر، التي تعرضت لأضرار أثرت في جزء من قدرتها التصديرية، وانعكس ذلك على أسواق الغاز العالمية. وتشير تقديرات متداولة إلى أن إصلاح الأضرار قد يحتاج إلى سنوات.

وخسرت إيران جزءاً كبيراً من قدراتها البحرية التقليدية، فيما بقيت لديها وسائل الحرب غير المتماثلة، وفي مقدمها القوارب السريعة والألغام البحرية والصواريخ الساحلية، وهي وسائل تستطيع استخدامها لتهديد حركة الملاحة والمساهمة في تعطيل مضيق هرمز، حتى من دون امتلاك تفوق بحري تقليدي.

في المقابل، تشير المعلومات إلى أن حاملة الطائرات «جورج واشنطن» ومجموعة العمل المرافقة لها تعمل على مسافة بعيدة نسبياً عن الساحل الإيراني، في إجراء يمكن فهمه في إطار تقليل تعرضها للتهديدات الصاروخية الإيرانية. وحسب صحيفة “نيويورك تايمز” فإن الموانئ الإقليمية القادرة على استقبال حاملات الطائرات أو سفن الإمداد الأميركية، “أصبحت غير متاحة أيضاً؛ لأنها تقع داخل مرمى الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية. وبذلك فقدت البحرية الأميركية عملياً شبكة الإمداد القريبة التي بنتها خلال عقود من العمل في الخليج. واضطرت سفن الإمداد إلى التوجه نحو دييغو غارسيا في المحيط الهندي، في رحلة تقارب 2,200 ميل في اتجاه واحد، لتحميل الوقود والغذاء وقطع الغيار، ثم العودة إلى السفن المنتشرة في بحر العرب وخليج عُمان، علماً أن البديل التالي هو سنغافورة، على مسافة تقارب 3,700 ميل، مع ضرورة المرور عبر مضيق ملقا، المزدحم تجارياً. وهذا يعني أن فقدان قاعدة البحرين نقل عمق الإمداد الأميركي من الخليج إلى وسط المحيط الهندي أو جنوب شرقي آسيا”.

وتتمتع الولايات المتحدة وشريكتها إسرائيل بتفوق عسكري واضح، خصوصاً في القوات الجوية والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والقدرات الاستطلاعية والاستخبارية. لكن ذلك لم يكن كافياً حتى الآن لحسم الحرب. فالحسم الكامل، إذا كان المقصود منه إسقاط النظام أو احتلال الأرض وفرض إرادة سياسية عليها، قد يتطلب انتقالاً إلى مستوى مختلف تماماً من العمليات، وفي مقدمها العمل البري الواسع، بما يحمله من خسائر بشرية ومادية يصعب على واشنطن تحملها سياسياً.

الحصار الاقتصادي

بدروه، يُعرب ترامب ووزير الخزانة بيسنت عن ثقة كبيرة بنجاح الحصار الاقتصادي وإرغام إيران على التنازل والانصياع للشروط الأميركية. لكن هذه الاستراتيجية ما زالت في طور الاختبار، ولا سيما أن الانتقال من معاقبة الشركات المتعاملة مع إيران إلى ممارسة ضغوط مباشرة على الدول التي تنتمي إليها هذه الشركات يحمل مخاطر سياسية واقتصادية أوسع.

وتراهن الولايات المتحدة على شدة الحصار والتسبب بأزمة اقتصادية خانقة تثير غضب الشارع الإيراني، الذي شهد احتجاجات في مراحل مختلفة خلال السنوات الماضية، بما فيها موجات احتجاج سبقت الحرب الحالية. وتأمل الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، في أن يتحول الضغط الاقتصادي والعسكري إلى أزمة داخلية واسعة تهدد تماسك النظام (رهان كبير على شرارة يُطلقها المكون الكردي).

يعني ذلك أن التفوق العسكري الأميركي لم يحقق النصر للإدارة الأميركية، ولم يؤدِّ إلى هزيمة إيران. لذلك انتقلت واشنطن إلى تشديد الحرب الاقتصادية من خلال حصار أطلقت عليه تسمية «D-Day»، في استعارة رمزية من إنزال النورماندي الذي شكّل محطة حاسمة في مسار الحرب العالمية الثانية.

إقرأ على موقع 180  أميركا.. مُهانة

لكن الحصار الاقتصادي على إيران ليس جديداً؛ فالعقوبات الأميركية بأشكال مختلفة مستمرة منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل نحو 47 عاماً، وتطورت تدريجياً لتشمل شركات ومؤسسات وأفراداً داخل إيران وخارجها. الجديد هذه المرة هو السعي إلى توسيع الضغط ليطال بصورة أكبر الدول والشركات التي تستمر في التعامل مع طهران.

وقد يضع ذلك واشنطن أمام احتكاكات مع قوى عالمية مثل الصين وروسيا والهند وباكستان وغيرها. ومن هنا، فإن الحرب الاقتصادية قد لا تكون أقل تعقيداً من الحرب العسكرية، لأنها كلما اتسعت دائرة العقوبات الثانوية، ارتفعت كلفتها على العلاقات الأميركية مع دول لا تريد أن تصبح جزءاً من المواجهة مع إيران.

إلى ذلك، ظل سعر النفط عرضة للارتفاع مع كل تصعيد، برغم محاولات الإدارة الأميركية احتواء الأسعار وضمان خروج أكبر كمية ممكنة من النفط عبر مضيق هرمز للمساهمة في تهدئة الأسواق. وقد أدت جولة الهجمات الأخيرة في مطلع آب/أغسطس إلى ارتفاع جديد في الأسعار، ما أعاد إلى الواجهة تأثير الحرب على المستهلك الأميركي.

ويأتي ذلك في ظل تفاقم الضغوط المالية الأميركية وارتفاع الدين العام إلى مستويات قياسية، الأمر الذي يجعل كلفة الحرب عاملاً إضافياً في النقاش الداخلي حول جدوى استمرارها.

وتحتاج بعض التفاصيل المتداولة بشأن منع اليابان أو السعودية من التصرف بسندات الخزانة الأميركية إلى توثيق مستقل قبل البناء عليها، لكن المؤكد أن استمرار الحرب يضيف عبئاً مالياً جديداً إلى اقتصاد أميركي مثقل أصلاً بالدين وخدمة الدين والإنفاق العسكري.

عامل الوقت

ومع تعذر الحسم العسكري السريع، بات الزمن نفسه أحد ميادين الحرب. تراهن الولايات المتحدة على أن يؤدي استمرار الضغط العسكري والاقتصادي إلى إنهاك إيران وإجبارها على تقديم تنازلات، فيما تراهن طهران على أن يؤدي طول الحرب إلى إنهاك الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ودفعها في النهاية إلى التراجع أو القبول بتسوية.

وتراهن إيران على تفاقم ردود الفعل السلبية داخل الولايات المتحدة، وعلى تنامي الاعتراض داخل المؤسسات العسكرية والسياسية على حرب طويلة لا تملك، وفق منتقديها، استراتيجية خروج واضحة. كما تراهن على الكلفة المتزايدة للاستهلاك الكبير للذخائر والصواريخ الاعتراضية، وما قد يسببه ذلك من ضغط لوجستي إذا امتدت الحرب سنوات.

ويضاف إلى ذلك عامل الإجهاد البشري والتشغيلي الذي يصيب أطقم السفن والوحدات المنتشرة لفترات طويلة في مسرح العمليات، وما يفرضه استمرار الانتشار من متطلبات صيانة وتبديل للقوى البشرية والقطع البحرية.

وعلى المستوى السياسي، وصل التذمر من الحرب إلى قلب حملة الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في الأسبوع الأول من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وتشير استطلاعات وتقديرات انتخابية إلى منافسة قوية على مجلس النواب، مع فرص متقدمة للديموقراطيين، بينما تبدو معركة مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً وأقل حسماً.

ويشكل فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب مشكلة سياسية كبيرة للرئيس ترامب، إذ يمنح خصومه قدرة أكبر على التحقيق والرقابة وتعطيل بعض جوانب أجندته. أما فقدان مجلس الشيوخ أيضاً، فيرفع مستوى الضغط على الإدارة، ولا سيما في ملفات التمويل والتعيينات والسياسة الخارجية.

وإذا فاز الديموقراطيون بمجلسي الكونغرس، من المرجح أن تتعرض إدارة ترامب لضغوط أكبر لإنهاء الحرب على إيران بأقل كلفة أميركية ممكنة. أما إذا فشل الديموقراطيون في السيطرة على مجلس الشيوخ، فقد يصبح الكونغرس مصدر إزعاج وضغط مستمرين على الرئيس، من دون امتلاك القدرة السياسية الكافية لفرض تغيير حاسم في مسار الحرب.

وعليه، تراهن طهران على أن الزمن السياسي الأميركي يعمل لمصلحتها؛ فإذا استمر العجز عن تحقيق حسم عسكري، بالتوازي مع صمود الداخل الإيراني وتصاعد الكلفة الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة، فقد تجد إدارة ترامب نفسها أمام خيار العودة إلى التفاوض والبحث عن تسوية أقرب إلى التفاهمات التي سبقت الحرب.

وفي هذه الحالة، قد تجد إيران والولايات المتحدة نفسيهما أمام حرب استنزاف طويلة تستعير بعض سمات النموذج الأوكراني، وإن اختلفت عنه في الجغرافيا والقوى والأدوات. ولن تقتصر آثار استمرارها على الطرفين؛ فلبنان والأردن والعراق ودول الخليج ستتحمل بدورها جانباً من التداعيات الأمنية والاقتصادية والسياسية.

وهنا يصبح السؤال المركزي أقل ارتباطاً بمن يملك السلاح الأكثر تطوراً، وأكثر ارتباطاً بمن يستطيع تحمّل الزمن وكلفته. فإذا تعذر الحسم العسكري، تتحول الحرب إلى اختبار للصمود: قدرة إيران على احتمال الضغط الاقتصادي والعسكري، في مقابل قدرة الولايات المتحدة على احتمال الكلفة السياسية والمالية والاستراتيجية لحرب مفتوحة. وعلى نتيجة هذا الاختبار قد تتوقف، إلى حد بعيد، صورة غرب آسيا وتوازنات النفوذ فيها بعد الحرب.

Print Friendly, PDF & Email
إلياس فرحات

عميد ركن متقاعد

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  الشرق الأوسط في قلب حرب عالمية صامتة