من هرمز إلى شرق المتوسط.. حرب واحدة بجبهات كثيرة

​دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتجاوز منطق الأزمات المؤقتة التي يُمكن احتواؤها بضربة عسكرية محدودة تعقبها مفاوضات خلفية، وفي الوقت نفسه، لم تتطور إلى حرب شاملة بالمفهوم التقليدي الذي يستهدف إسقاط النظام واحتلال الجغرافيا.

ما يتشكل اليوم في المنطقة هو نمط معقد من الحروب المفتوحة زمنياً والممتدة جغرافياً؛ حرب تتقاطع فيها الضربات المباشرة بالحصار الاقتصادي المحكم، وحرب الملاحة البحرية بحرب الطاقة، واستنزاف القواعد العسكرية بالرسائل السياسية، ليتحول المجال الممتد من الخليج  ومضيق هرمز وصولاً إلى شرق المتوسط إلى مسرح عمليات واحد متداخل الجبهات.

​تجلت هذه المواجهة في تبادل الضربات المكثفة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران وحلفائها من جهة أخرى، مع استهداف القواعد والمرافق المتقدمة. وعلى الرغم من محاولات التهدئة والتفاهمات المرحلية، فإن الخلافات الحادة حول أسبقية التعهدات وآليات التنفيذ أعادت المواجهة إلى المسار العسكري. وبرغم الاحتدام السياسي وحتى العسكري في الأسابيع الأخيرة، المنطقة، إلا أن الأطراف ما زالت تتحرك داخل مساحة تفاوضية سقفها ضبط الردع ومنع الانهيار الكامل لخطوط الاتصال.

​جوهر التنافس: صراع على قواعد النظام الإقليمي

​لا تكمن خطورة اللحظة الراهنة فقط في التدمير المتبادل أو حجم الأضرار التكتيكية، بل في انتقال الصراع من محاولة كل طرف ردع الآخر إلى محاولة إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية للإقليم برمته. فالولايات المتحدة لا تقاتل لتدمير منصات صواريخ أو رادارات أو مراكز قيادة فحسب، وإيران لا ترد لمجرد الثأر لاستهداف أراضيها وقادتها. الطرفان يتنازعان على الإجابة عن أسئلة استراتيجية مركزية: من يملك حق تحديد قواعد الأمن الإقليمي؟ ومن يسيطر على طرق الطاقة والملاحة العالمية؟ وهل تبقى المنطقة تحت مظلة أمنية أميركية أحادية أم تنتقل إلى توازن قوى جديد لا تحتكره قوة واحدة؟

​أولاً: الحسابات والغايات الاستراتيجية

​1. الموقف الأميركي: حدود التفوق الناري والمأزق السياسي

​تملك الولايات المتحدة قوة نارية واستخبارية وتكنولوجية متفوقة، استخدمتها القيادة المركزية الأميركية عبر عمليات مكثفة استهدفت البنية التحتية للصواريخ الباليستية، الطائرات المسيّرة، ومراكز التحكم والرادار الإيرانية، بهدف تفكيك منظومات التهديد الوشيك. غير أن القوة العسكرية، مهما بلغت دقتها، لا تجيب وحدها عن السؤال السياسي الممتد: ماذا بعد القصف؟

​يمكن تلخيص الغايات الأميركية في أربعة مستويات متداخلة:

​تفكيك قدرات التهديد: تقويض قدرة إيران على استهداف القواعد الأميركية، العمق الإسرائيلي، وخطوط الملاحة. غير أن هذا الهدف يصطدم باستراتيجية الانتشار والتحصين والتوزيع الكثيف التي اعتمدتها إيران لعقود، مما يجعل تحقيقه كاملاً بالضربات الجوية أمراً متعذراً.

​حماية السيادة البحرية والدولار: منع طهران من تحويل مضيق هرمز إلى أداة سيادة فعليّة على حركة النفط والغاز العالمية. بالنسبة لواشنطن، خضوع حرية الملاحة للإرادة الإيرانية يمس صدقية الضمانات الأمنية لدول الخليج، ويؤثر مباشرة على أسعار الطاقة وموقع الدولار في الاقتصاد العالمي.

​إعادة تثبيت معادلة الردع: ترميم صورة الحماية الأميركية بعد أن أثبتت الضربات الإيرانية قدرتها على الوصول للقواعد المتقدمة، وسقوط الفرضية التي قامت عليها بنية الأمن الخليجي ومفادها أن القواعد الأميركية توفر الأمان للبلدان المضيفة دون أن تتحول هي نفسها إلى مصدر خطر دائم عليها.

​الضغط على الداخل الإيراني: تعميق أزمة النظام من خلال ضرب مؤسساته العسكرية وتكثيف الضغط الاقتصادي لإجباره على الاختيار بين بقاء النظام أو استمرار المواجهة. لكن المأزق الأميركي يكمن في دروس العراق وأفغانستان وليبيا؛ إذ إن تدمير قدرات الدولة أسهل بكثير من بناء نظام بديل، وإسقاط التوازن القائم قد يفتح فراغاً أمنياً أكثر خطورة من النظام المستهدف.

​تستقر واشنطن بذلك أمام مفارقة استراتيجية؛ فالاكتفاء بضربات محدودة قد يتيح لإيران استعادة قدراتها تدريجياً وتنسيق صمودها كإنجاز سياسي مع استمرار تهديد القواعد. وعلى النقيض من ذلك، فإن توسيع الحرب بهدف تغيير النظام يجر واشنطن إلى مواجهة مفتوحة تنطوي على مخاطر الفوضى والفراغ الأمني، فضلاً عن كلفة مالية وبشرية باهظة لا يمكن ضمان نتائجها.

​2. الموقف الإيراني: تحويل التفوق العدو إلى أعباء

​تدرك إيران أنها لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً بأسلوب المعارك الفاصلة والتقليدية. لذلك، تعتمد استراتيجية غير متناظرة تستهدف تحويل التفوق الأميركي من عنصر حسم إلى مصدر أعباء، حيث تقوم هذه المقاربة على أركان عدة:

-​رفع كلفة الانتشار الأميركي: استغلال اتساع رقعة القواعد والسفن والمناطق اللوجستية الأميركية في المنطقة لتحويلها إلى أهداف قابلة للاستهداف عبر الصواريخ الدقيقة والمسيّرات، مما يرفع كلفة الدفاع الأميركي ويضاعف احتمالات الخطأ.

-​فصل واشنطن عن حلفائها: توجيه رسائل سياسية وعسكرية لدول الخليج مفادها أن القواعد الأميركية لا تجلب الأمان، بل تجعل أراضي الدول المضيفة جزءاً من مسرح العمليات. يهدف هذا الضغط لدفِع الحكومات الإقليمية نحو تقييد استخدام أراضيها في الهجمات.. وصولاً إلى نقاش يطال مستقبل هذه القواعد.

-​تثبيت هرمز كورقة تفاوض: ربط أمن الملاحة بوقف العدوان وتخفيف العقوبات، لإعادة فرض واقع قانوني وسياسي جديد يجعل استقرار المضيق مرتبطاً بإنشاء تفاهمات مباشرة مع طهران.

إقرأ على موقع 180  لبنان بين "مطرقة غياب الردع" و"سندان السيادة المسلوبة"!

-​استراتيجية البقاء: إعطاء الأولوية القصوى لحماية هيكل النظام والدولة، مع استخدام التصعيد الميداني كأداة لفرض التفاوض بشروط لا تمس نواته الصلبة.

​ثانياً: أدوات الصراع والمحيط الإقليمي

​1. القواعد العسكرية والجغرافيا السائلة

​بُني التواجد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط (البحرين، الكويت، قطر، الإمارات، الأردن، والعراق) على فرضية تقريب القوة من مسرح العمليات وسرعة الرد. لكن ظهور الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة غير هذا المفهوم؛ فالتواجد القريب يقلص زمن الوصول الأميركي ولكنه يقلص أيضاً زمن وصول الصواريخ الإيرانية. كما تتداخل في زمن الحروب أدوار هذه المنشآت بين التواجد العسكري اللوجستي، الدعم الاستخباري، والمشاركة المباشرة في القصف، مما يُستغل غالباً في الحرب النفسية لخلط الأوراق وتوسيع دائرة التوتر.

​2. مضيق هرمز وسلاح الطاقة

​يمر عبر مضيق هرمز نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز المسال. لا تحتاج إيران لإغلاق المضيق كلياً لإحداث صدمة اقتصادية، بل تكتفي بممارسة تكتيك “الإغلاق الانتقائي”. يعتمد هذا التكتيك على ثلاثة أركان أساسية: رفع مخاطر التأمين البحري على السفن التجارية، تعطيل إشارات الملاحة والتشويش الإلكتروني، وتوجيه ضربات متقطعة للناقلات المخالفة. تؤدي هذه الإجراءات مجتمعة إلى إحداث قفزات مباشرة في أسعار النفط العالمية، مما يولد ضغطاً اقتصادياً دولياً على واشنطن يدفعها نحو التهدئة.

​3. مأزق دول الخليج

​تجد دول الخليج نفسها أمام تناقض هيكلي: حاجتها للمظلة الأمنية الأميركية لموازنة النفوذ الإيراني، مقابل حاجتها الماسة إلى بيئة إقليمية مستقرة لحماية مدنها، موانئها، ومشاريعها الاقتصادية الطموحة المعرضة للهجمات المركبة. يدفع هذا الواقع الدول الخليجية نحو مسارين: أولهما، ​الاستمرار في التعاون الدفاعي مع واشنطن مع رفض استخدام أراضيها لأعمال هجومية تصعيدية. ثانيهما، ​فتح وتفعيل قنوات دبلوماسية مباشرة مع طهران لتثبيت قواعد عدم الاعتداء وتجنب الانزلاق.

​ثالثاً: سيناريوهات المسار المستقبلي

1-​ابرام تفاهم مرحلي: يقوم هذا المسار على وقف متبادل للضربات، وإقرار ترتيبات محددة تخص الملاحة والبرنامج النووي ورفعاً جزئياً للعقوبات. يعد هذا الخيار ممكناً بعقلانيته لكنه يظل هشاً، إذ يصطدم بأزمة ثقة عميقة وتنازع حول أسبقية الخطوات التنفيذية، بدليل ما أصاب تفاهم إسلام آباد.

2-​حرب استنزاف منضبطة: يتضمن هذا السيناريو استمرار الضربات المتقطعة، وتكثيف الهجمات السيبرانية، مع تشديد الحصار الاقتصادي، شريطة البقاء تحت سقف الحرب الشاملة. يُعد هذا المسار الأكثر ترجيحاً، إلا أن خطورته تكمن في احتمال خروج الأمور عن السيطرة نتيجة خطأ حسابي أو انزلاق غير مقصود إثر سقوط ضحايا بأعداد كبيرة.

3-​الانفجار الإقليمي الشامل: ينشأ هذا السيناريو في حال تجدد استهداف القيادات الإيرانية أو تنفيذ رد إيراني واسع يطال البنية التحتية للطاقة والقواعد المتقدمة. تترتب على ذلك مخاطر مرتفعة تؤدي إلى امتداد المواجهة إلى اليمن والعراق وشرق المتوسط، مع تهديد خطير وحاد للملاحة البحرية والاقتصاد العالمي.

4-​محاولة إسقاط النظام: ينطوي هذا الخيار على شن حملة عسكرية واقتصادية قصوى بهدف استبدال السلطة في طهران. يُصنف هذا السيناريو بكونه الأعلى كلفة، نظراً لأنه يُهدد بتفكك جغرافية المنطقة وإحداث فراغ أمني واسع النطاق يمتد آثاره مباشرة إلى حقول النفط وخطوط الملاحة الدولية.

​خلاصة: إدارة القوة والزمن

​لن تنتهي هذه الحرب بانتصار خاطف يُحدّده الصاروخ الأخير، بل بقدرة الطرفين على إدارة التوازن بين القوة العسكرية، الغاية السياسية، وكلفة الزمن. فالولايات المتحدة لا تملك خياراً سهلاً لفرض نظام سياسي واقتصادي كامل عبر الطيران، وإيران لا تملك القدرة على إخراج واشنطن من المنطقة كلياً دون تعريض وجودها لخطر مباشر.

​إن المنطقة تتجه نحو نظام ردع إقليمي مضطرب؛ نظام يتراجع فيه الاحتكار الأميركي المطلق لإدارة الأمن، وتستمر فيه إيران كقوة إقليمية متضررة لكن غير مهزومة، فيما تتجه دول المنطقة نحو استراتيجيات التوازن الذاتي. وفي هذا الصراع الطويل، لن يكون المنتصر من يملك القدرة على التدمير الأكبر، بل من يستطيع منع الحرب من التهام استقراره ومستقبله الداخلي.

Print Friendly, PDF & Email
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  "هآرتس": "كارثة 7 أكتوبر".. ونهاية نتنياهو القريبة